للمراكشية : د. عبد الله معاوي
ملاحظة أولية:
أريد في البداية أن أرفع اللبس بهذا المصطلح عما يمكن أن يشمله من تشويش وغلط في التفسير، وأبين من الوهلة الأولى أنني وضعت هذا المصطلح متجاوزًا بذلك مصطلحين رائجين في ساحة النقد المسرحي العربي والمغربي، بل والعالمي، وهما: مصطلح التأصيل ومصطلح الاستنبات، وهذا ما سأوضحه أكاديمياً وأشرحه بإسهاب في كتابي المتعلق بنظرية مسرح الساحة.

وحتى نعطي للكتابة النقدية الرائدة التي فتحت أعيننا على هذا المصطلح، لا بد أن نتطرق لهذا الموضوع في شموليته، حيث عنوناه باسم التفعيل الفني لساحة جامع الفنا، وذلك من خلال تعرضنا إلى مجموعة من الكتابات الفنية التي تناولت ساحة جامع الفنا سواء بواسطة الكلمة أو الصورة، وسلطت الضوء عليها باعتبارها فضاء للممارسة بكل أشكالها وتنوعها، وبصفتها سجلًا للتراث المغربي الشفوي الأكثر ثراءً وتنوعًا من أي ساحة أخرى في هذا الوطن.
وفي هذا السياق المتعلق بشقه الأدبي، سأقدم في هذه المقالات التي أنشرها من أجل التقديم لنظرية الساحة أولاً، ولإشراك المتلقي في بنائها ثانياً، سأقدم للقارئ ثلاث إسهامات لمثقفين مراكشيين خدموا مسألة التفعيل الساحي الأدبي بشكل جملة، وهي:
· كتاب جامع الفنا الكتبين للأستاذة مليكة العاصمي.
· كتاب الساحة سرادات ساحة جامع الفنا للأستاذ محمد الصقلي.
· كتاب ذاكرة مراكش في أربع مجلدات للأستاذ عبد الرحمان الملحوني.
في هذه التدوينة أبدأ بكتاب الأستاذة مليكة العاصمي الذي طُبع سنة 1993، والذي كتبته في خمسة فصول:
1. جامع الفناء
2. أنشطة جامع الفناء
3. كتبية أم كتبيين
4. صومعة الجامع
5. اللغة المستعملة في المدينة
وإذا كان الكتاب جديراً بالتقصي والتتبع جزءاً جزءاً وفصلاً فصلاً، فإنني أريد في هذه التدوينة أن أشير إلى أهم ما جاء فيه فيما يتعلق بما أسميته بالتفعيل الساحي الأدبي، والذي تبين فيه المؤلفة أهمية الساحة في علاقتها بالمسرح كفن قائم بذاته، وأطلع القارئ على ما اعتبرته شخصياً إشارة ذات أهمية في وضع الأسس الفنية لنظرية مسرح الساحة التي نوضح معالمها كنظرية درامية مغربية.
تقول الأستاذة مليكة العاصمي وهي تتحدث في باب التسمية (ص: 24):
وقد سميت به (الفناء بكسر الفاء) هذه الساحة الكبيرة لتمييزها عن الساحات الأخرى التي تنتشر في المدينة، وتتراوح في الكبر تبعاً للوظيفة التي تختص بها.
وتحمل هذه الساحات كلها أسماء عربية فصيحة تفيد نفس المعنى والمدلول الذي تبينه المعاجم، وهو دلالتها على المكان المتسع، ويصطلح بكل منها على معنى معين نذكر منه مثلاً:
الرحبة وتطلق على الساحة المخصصة لعرض الحبوب والقطاني.
القاعة وتطلق على الساحة المخصصة لعرض الخضر والفواكه بالجملة، أو تلك المخصصة لعرض التمر والفواكه اليابسة مثل اللوز والجوز وشبهه… ويلتزم المخطط العمراني بتخصيص ساحة صغيرة في كل درب، وساحة أكبر أو أكثر من ساحة في كل “حومة” أو حي أو سوف أو تجمع بشري. ويطلق على هذه الساحات:
الوسعة أو الكارة…
إنها كانت مكان تجمع أهل الحي في مختلف المناسبات الاحتفالية العامة والمناسبات والأعياد:
أولاً: عيد المولد النبوي.
ثانياً: عيد الأضحى، حيث يهيئون موكب “هرمة” الذي يطوف في المدينة متوقفاً في الأسواق والساحات ومفترقات الطرق ليعبر عن رأي العامة والمستضعفين في أوضاع البلاد والحكم، ويتندر ويسخر وينتقد ويجهر برأيه، محاولاً تشخيص الوضع الذي تعاني منه الجماهير.
ثالثاً: عاشوراء، حيث يجتمع فتيان الحي ورجاله “الفنانون” بالكارة ليتباروا في أيهم أتقن فنه… ومن الكارة جاءت كلمة “الكور” المعروفة في “فن الدقة” أيضاً، وتعني الحلقة المجتمعة في “الكارة”… وفي هذه الساحات يتم تهيئ ما يسمى بـ “الفراجة”، وهي قباب من الورق المخرم توضع بداخلها الشموع وتحمل، تتقدمها شخصيات مسرحية تقوم بتقديم عروضها وانتقاداتها للأوضاع العامة.
رابعاً: الأفراح التي تتجمع فيها الأجواق والجموع.
خامساً: الأحزان حيث يجتمع الناس تهيئاً لموكب الجنازة وأمثالها.
وعندما تتحدث الأستاذة عن معمار الدور المغربية تقول:
إنه لا غنى أبداً عن الفناء (بكسر الفاء) أو الساحة في أي بيت كبر أو صغر، بحيث يقوم الفناء كفضاء داخلي بمهمة التهوية والإضاءة، ويستعمل للمجالس والحفلات والأفراح، وفسحة للعب الأطفال، ومجلساً لأماسي الصيف وعشيات الربيع، ومتسعاً احتياطياً لمختلف الأنشطة العادية أو الاستثنائية في حياة الأسر.
وأثناء تعرض الكاتبة لأنشطة الساحة، تتحدث في الصفحة 48 عن نشاط باعة الكتب قائلة:
2. أنشطة الفناء
1-1. أنشطة سياسية
أتوقع أن هذه الساحة (الفناء) استعملت في البداية:
· لتجمع وتجمهر عموم السكان الذين كانوا يشكلون قاعدة الحكم ومصدره، ويحتشدون للتشاور والبحث والتعبير عن مواقفهم السياسية والمدنية.
· ولاستقبال وفود القبائل التي تؤم مركز الدولة عند البيعة والتظلم، أو الالتماس، أو إبلاغ الرأي والموقف.
· ومكاناً لاحتشاد الجند وتأهبهم للانطلاق نحو مهماتهم الفكرية والتاريخية الصعبة.
· ومكاناً للاحتفالات بالنصر أو المناسبات الدينية والوطنية.
· ومكاناً للاتصال بالقادة والاستماع إلى خطبهم ومواقفهم عند الملمات.
ثم تتعرض في الجزء:
1-3. أنشطة علمية معرفية إبداعية
في هذا السياق تقول الأستاذة:
وتطور الإشهار (تقصد إشهار بيع الكتب) إلى نوع من التشخيص والعرض والتقديم والتفسير. ويقع التحلق للاستماع والاستفسار، ويستقرئ العامة المتعلمين وباعة الكتب لقاء مقابل مادي، فنشأت الحلقة، والمسرح، وتبعته فنون أخرى لمواكبة النشاط المزدهر، وتنويعه، واستكمال جوانبه، واستثمار مناخه.
… فنشطت أنواع العلوم والفنون الاستعراضية، كفنون السيرك (سيدي احماد أوموسى) وترويض الحيوانات، والرياضات (المشايشة)، أو الغناء والرقص، وأشكال التعبير الجسدي، والألعاب البهلوانية، وألوان التهريج، وألوان الرقص، والعرض المسرحي، والألعاب، وأنواع العروض المختلفة.
وبالتالي تستوعب هذه الساحة ألوان الإبداع العلمي والأدبي والفني والجسدي والمهني. وتترجم علوم الكتب، وتنفخ فيها الحياة بالعرض، والشرح، والتتبع، والإيضاح، مستعينة بالأدوات الإيضاحية، وبالتشخيص، وبالتحليل… فيتحلق الناس لمتابعتها.
وقد يستطيب البعض مثل هذه المناقشات الشيقة فيتخذونها مادة يعيدون تشخيصها وعرضها وتمثيلها.
يمكن أن نزعم بغير قليل من الاطمئنان أن هذا الفناء (تقصد بكسر الفاء) طوّر وظيفته لينسجم مع النشاط العلمي الكبير الذي يجري في الجامع وفي المدينة.
يتبع …