في خضمّ هذا الاحتفاء العربي اللافت بالشاب الإيراني حسن أحمديان، الذي برز في هذه الحرب الحالية محللا في برامج قناة الجزيرة القطرية، لا يبدو الأمر مجرد إعجاب عابر بشخص أو بأسلوب، بقدر ما يعكس حالة أعمق من التململ داخل الوعي الأكاديمي والإعلامي العربي .

فالمشهد الذي ظل لسنوات طويلة أسير ثنائية مملّة بين أكاديمي منغلق على نظريات جامدة، ومحلل مُسيّس لا يتقن سوى إعادة إنتاج الخطاب الجاهز، بدأ يواجه نوعاً من الرفض الضمني من طرف جمهور صار أكثر تطلباً ووعياً. هذا الجمهور لم يعد يكتفي بلغة خشبية أو بمواقف مستهلكة، بل يبحث عن خطاب يمتلك الجرأة والعمق في آنٍ معاً.لقد جاء أحمديان الأستاذ في جامعة طهران ، في هذا السياق، ليملأ فراغاً واضحاً في بنية الخطاب التحليلي العربي، لا لأنه بالضرورة يقدم “الحقيقة المطلقة”، ولا لأن الجميع يتفق معه، بل لأنه ببساطة يعيد الاعتبار لفن الحِجاج وقوة الفكرة. فالرجل لا يعتمد على الصراخ ولا على الإثارة الرخيصة، بل يبني مواقفه على منطق متماسك، ويخوض النقاش بثقة هادئة تُغني عن الضجيج الذي اعتاده المشاهد في كثير من الاستوديوهات العربية. وهنا تكمن المفارقة: أن ما يُحتفى به اليوم ليس استثنائياً في ذاته، بل هو في الأصل الحد الأدنى المفترض في أي محلل جاد.
إن هذا الالتفاف حول نموذج مثل أحمديان يمكن قراءته كنوع من الاحتجاج الرمزي ضد رداءة جزء من النخب الإعلامية العربية، التي فشلت في الارتقاء إلى مستوى اللحظة التاريخية وتعقيداتها. فبدل أن تكون هذه النخب في موقع إنتاج الفهم وتوجيه النقاش، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى مجرد أدوات لتكريس السطحية أو تبرير الواقع. لذلك، فإن الحفاوة بالمحلل الإيراني لا تعكس فقط إعجاباً بشخصه، بل تمثل في جوهرها إدانة صريحة لمشهد إعلامي عربي ما يزال عاجزاً عن إنتاج خطاب نقدي رصين، قادر على إقناع العقل قبل استمالة العاطفة.