الصفحة الرئيسيةملفات خاصةمراكش الذاكرة

هل كان في اختيار موقع مراكش من طرف المرابطين خطأ في التقدير؟

من أطروحة الدكتور محمد  رابطة الدين /كلية آداب مراكش (خاص)

نقترح كمفتاح إلى مقاربة اختيار الموحدين لمراكش، معالجة التساؤل التالي: هل كان في اختيار موقع مراكش من طرف المرابطين خطأ في التقدير؟

مما يملي هذا التأمل على الأقل ملاحظتان: محتوى الأولى منهما، أن اختيار المدينة ومنذ بدايتها كعاصمة لتجربة سياسية مركزية لا تنتمي إلى المجال، ترتبت عنه حسبما يبدو مضاعفات سلبية على أهله، يمكن اختزالها في الإخلال بالتوازن بين سكان الجبل وحاجياتهم التي كان قسم منها يؤمنه سهل الحوز، لكونه كان يشكل مجالا حيويا لسكان الواجهة الشمالية من الأطلس الكبير الغربي

. ويتلخص مضمون ثانيهما فيما يظهر كاستثناء بخصوص الشروط التي اعتمدها المرابطون في اختيار موقع وموضع عاصمتهم مقارنة بما يلاحظ من الحيثيات والاعتبارات، التي جرى الأخذ بها في هذه المسألة بالذات، مجرى العمل بالقاعدة عند باقي التجارب السياسية التي عرفها المغرب خلال العصر الوسيط، والملاحظتان معا تشكلان فيما يبدو من جهة، صلب التأمل في المحور وتجعلان من النظر في التساؤل المطروح من جهة ثانية، مسلكا يمكن أن يسهم في تحقيق فهم سليم على الأقل لبعض الضوابط التي تحكمت في اختيار الموحدين لعاصمتهم.

طرح إشكالي إذن يطمح إلى تجاوز الأسباب القريبة لهذا الجانب من الموضوع، رغبة في استشفاف أسبابه العميقة، وتناول لا يقلل من قيمة ووزن فترة الانتقال التي غطت معظم النصف الأول من القرن السادس الهجري، الحادي عشر الميلادي، وإنما يسعى إلى وضعها في إطار أشمل من شأنه أن يقرب من فهم أكثر وضوحا للمسألة، ويعيد تقويم مساهمة فترة الانتقال نفسها في صنع التجربة الموحدية، واختيار مراكش عاصمة لها. فما هو الإطار المحدد لعناصر هذه الإشكالية؟

يمكن اختزال محتواه حسبما يبدو في تعارض لمصالح  استراتيجية بدأت مؤشراته الأولى في الظهور منذ منتصف القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي، بين مخزن فتي لم يتجاوز بعد مرحلةا لتأسيس، يريد حماية كيانه من المخاوف والمشوشات المحتملة الصدور عن أهل الأطلس الكبير الغربي، وإرادة هذا الطرف الأخير في ضمان الحفاظ على توازن اقتصاده الفلاحي على الأقل مع متطلبات ساكنته.

أما نقطة التقاء خطي التعارض فهي المجال الذي تم اختياره لتأسيس العاصمة المرابطية. ملاحظة يمكن رصد بعض مظاهرها ضمن ما عرفه المجال ذاته بعد التأسيس من تحولات في الوظائف والخاصيات التي تربطه بالجبل، فبدل الخاصية الاقتصادية التي اشتهر بها كنطاق رعوي، حلت وبوزن ثقيل الوظيفة الاستراتيجية، ومن مجال حيوي تابع للجبل إلى أرض انتزعت من يد أهلها لتصبح في يد قوة سياسية طارئة عليها. لم تكن لتخفي عدم اطمئنانها إلى أهله مادام هؤلاء قد حرموا من مصدر للعيش كانوا هم أصحاب الحق فيه، وأرغموا على احترام ما فرضته عليهم هذه القوة السياسية من أمر ونهي، مع ما يقتضيه ذلك لزوما من تنازل عن الحق في السيادة على المجال، والحرمان من منافعه والالتزام بأداء الجبايات… وهم الذين لم يكن أحد منهم يرضى أن «ينقاد إلى حكم أحد من غير قبيله».

من زاوية النظر هذه يبدو أن عمق القضية يكمن في مسألة مجال تسمح طبيعة مؤشراتها المتوفرة بضبطها في مشكل مزدوج الأسس، الأول فقهي والثاني وظيفي، فأما محتوى الفقهي منها: فحقوق شرعية أو عرفية لقبائل من أهل الأطلس الكبير الغربي، تضمن لها حقوق السيادة على المجال تملكا وتصرفا، أما مضمون أساسها الوظيفي فيتخلص فيما كان يمارس به من استغلال رعوي كان المستفيد الأول من منتوجه وموارده سكان الجبل، والأساسان معا تم المساس بهما، بانتزاع الحق من أصحابه وتحويله إلى طرف جديد، نتيجة لفعل سياسي ضاغط، تولدت عنه ردود أفعال من ساكنة المجال، تميزت هي الأخرى باستعمال آليات وأدوات سياسية كانت لها عواقب سلبية على مصير التجربة المرابطية.

من جملة الملاحظات التي يسمح هذا الطرح بتسجيلها: الترابط الحاصل بين الجبل والسهل، ملاحظة تضع الإصبع على مفتاح الإشكالية، لذلك يبدو مفيدا أن تتم معالجة هذا المحور ـ في حدود ما يخدم الموضوع ـ من خلال التساؤل أولا عن طبيعة ومميزات العلاقات الاقتصادية التي كانت قائمة بين الجبل والسهل قبل تأسيس مراكش؟ وثانيا عن العواقب التي أحدثها إنشاء العاصمة المرابطية على هذه العلاقات؟

أسئلة مترابطة ومتكاملة الحلقات، نعتقد أنها توفر إطارا مناسبا ودقيقا لإمعان النظر، من شأنه أن يسهم في فهم جوانب من الظرفية التي تحكمت في اختيار الموحدين مراكش عاصمة لهم.

arArabic