ذ.عبد الجليل بدزي ـ مراكش
أولا: وجب تقديم الشكر العميم للأستاذ الباحث السي محمد بوعابد{1}، ذلك أنه هو من أصر على الرجوع إلى هذا الموضوع، الذي سبق أن كتبت حوله منذ مدة، ومتابعات الأستاذ وإصراره على التدقيق في القضايا وضبطها، دفع به إلى استفزازي مرة أخرى استفزازا جميلا من أجل الوقوف على الخلفية النقدية التي كانت وراء طرقه، فشكرا له مرة أخرى مع تقديري لجهوده المبذولة في هذا المجال.

ثانيا: سأقفز على جملة من التعاريف أهمها التعريف بقصائد “الحراز”، اعتبارا من أن المتابعين لابد أن يكونوا على بينة من هذا النوع من الكتابة الإبداعية لدى أشياخ الملحون، فلا داعي للرجوع إلى التعريف بها مرة أخرى.
ثالثا: بالنسبة للموضوع المطروح، والمتعلق بسؤال يتعلق بمن هو الشيخ الأسبق لكتابة قصائد الحراز في الشعر الملحون؟، حيث سبق للدكتور عباس الجراري أن أشار في كتابه الزجل في المغرب ـ القصيدة ـ{3}، إلى أن الشيخ الجيلالي امتيرد{4} كانت له “… جملة أولويات نرى حسب ما وصلنا من نصوص أنه سبق إليها في تطوير القصيدة الزجلية شكلا ومضمونا، سنذكر منها ما أمكننا أن نستخرجه من القصائد التي جمعنا له …”{5} ، وقد رصد من بين هذه الأولويات: من حيث المضمون [قصيدة الحراز]، ومن حيث الشكل [وزن السوسي]، حيث يقول: “… يبدو أن امتيرد كان صاحب فكرة التنكر للوصول إلى المحبوبة في محاولة لإغراء محرزها والإيقاع به، وذلك في حرازه الذي يقول في حربته:
حراز لالة لرسامو جيتو انصيب قلبو نصراني + كيف عارفو مازال {6}
أما بخصوص وزن السوسي، فيقول الدكتور عباس الجراري: “… نميل إلى أن {الشيخ الجيلالي امتيرد} أول من سبق إلى النظم عليه، وذلك في قصيدته الحراز ….”{7}. ويجدر التنبيه إلى أن الدكتور عباس الجراري قد أشار إلى ملاحظة هامة في أحد الهوامش يقول فيها: ” نلفت النظر إلى أننا في كل ما نعزو للزجالين من أسبقيات لا نعتمد على غير ما وصلنا من نصوص وما بلغ إلى علمنا من أخبار، وقد يكونون مسبوقين بغيرهم فيما ننسب لهم من أوليات، ولكن ما بين أيدينا من نصوص وأخبار لا يسعفنا في إثبات ذلك “{8}.
وقد شاركه موقفه هذا الأستاذ محمد بوعابد عندما أشار في كتابه حفريات في الشعر الملحون الصفحة 96 “… إلى أن الشيخ الجيلالي امتيرد كان سباقا إلى العديد من الأوليات إن على مستوى الشكل الفني العروضي لقصيدة الشعر الملحون من حيث الصياغة الإيقاعية، لمّا أضاف أوزانا لم تكن معروفة قبله، لعل أهمها الوزن المعروف باسم [السوسي] … كما أغنى قصائد الملحون بموضوعات لم يسبق لمن كانوا قبله أن تطرقوا إليها، وذكر من بينها [الحراز].
ولعل الملاحظة التي أوردها الدكتور عباس الجراري والتي سبق أن تطرقنا إليها قبلا، وتؤكد على أن الشيخ قد أشار إلى هذه الأولويات انطلاقا مما هو متوفر بين يديه من نصوص، مما جعله يترك الباب مواربا للبحث، الشيء الذي شجعنا على الحفر أكثر في ذاكرة ديوان الشعر الملحون، هذا الحفر الذي جعلنا نقف على رأي مخالف لما أشار إليه الجراري ومن سار خلفه من الباحثين، حيث ورد في كتاب معلمة الملحون للأستاذ محمد الفاسي في سياق حديثه عن سيرة بعض شيوخ الملحون، شيخا هو محمد المغاري الذي قال عنه: “… كان في أيام مولاي إسماعيل، وكان بزرهون وبه توفي وشعره في العشاقي، وله الحراز …. وحربته:
مال حرازك يا الغزال راضية + قاري بيبان الحيال لكن انداز{9}.
ويقول الشيخ ابن عيسى أن هذا الشاعر من فاس…”{10}
وإذا أمعنا النظر في الفترة التاريخية التي عاش فيها الشاعرين، سنجد أن الشيخ الجيلالي امتيرد كان مسبوقا زمنيا بالشيخ محمد المغاري، حيث الأول عاش على عهد السلطان العلوي محمد بن عبد الله، أما الشيخ محمد المغاري فقد عاش على عهد السلطان العلوي المولى إسماعيل، وهكذا يكون هذا الأخير أسبق زمنيا من الشيخ الجيلالي امتيرد، وهو ما يجعلنا نقول بأنه كان أسبق منه في النظم في هذا الغرض، ومادام حرازه على وزن السوسي فيحق لنا القول بأنه أيضا كان سباقا للنظم في هذا الوزن.
رابعا: الخلاصة: ولا يمكن بعد هذا أن نجزم بأن الشيخ المغاري هو أول من نظم حرازا على هذا الوزن، ذلك أن المقومات الفنية والجمالية التي يقوم عليها حراز المغاري تشي بأنه كان مسبوقا لهذا الغرض وهذا الوزن من طرف أشياخ لا يزالون مغمورين، وأن ديوان الشعر الملحون لا يزال يخفي أسرارا تحتاج إلى الكثير من الاجتهاد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1/ محمد بوعابد أبو ريم من مدينة مراكش مراكش، سليل دوحة الملحون وباحث مجد في هذا الإطار، إضافة إلى كونه شاعرا وناقدا ومترجما، من إصداراته التي أغنى بها المكتبة الأدبية المغربية: ديوان شعري تحت عنوان “ماء ريم” سنة 2011، ترجم وقدم رواية اللؤلؤة للروائي جون شتاينبك سنة 2007، كتاب من غوايات المتفرد ـ خوان غويتيصولو/ إعداد وترجمة وتقديم/ صدر الكتاب سنة 2021/ ثم كتاب حفريات في الشعر الملحون/ صدر سنة 2023، إضافة إلى مجموعة من الدراسات المنشورة على حائطه الفايسبوكي، ومداخلات في محاضرات جهوية ووطنية، ولقاءات إذاعية… أطال الله عمر الأستاذ وأقدره على العطاء الغزير.