الصفحة الرئيسيةثقافة \ أبحاث

قراءة في كتاب “الأنوار لا تتزاحم” ومأزق الإنسان الوجودي/3.بقلم الدكتور م.ع.الخاميري

ملاحظة أولية : قامت هذه القراءة لكتاب : ( الأنوار لا تتزاحم ) في طبعته الأولى لسنة ( 1443 هج / 2022م ) الصادرة عن دار أبي رقراق للطباعة والنشر بالرباط على تتبع أفكار الكتاب المتنوعة ، ومحاورة مضامينه الأساسية بأسلوب يقوم على الفهم والتعقب والتعقيب المشارك في فهم المعاني وتوسيعها بحسب ما يسمح به سياق الأفكار المطروحة ، واعتَمَدَت في ذلك على قواعد وآليات تساعد على الاستيعاب الصحيح ، وإبداء الرأي المناسب والتوجيه المساهم في عملية الرصد وحصول المتعة المعرفية ، وستُقَدِّم محصولَها عبر حلقات .

الحلقة الثالثة :

ثانيا : نسق المشاكل المعالجة في الكتاب : حجمها كبير ، ومحتوياتها عديدة ومتنوعة ، وفيها شيء من التعارض المخالف لما ورد في نسق الإفادات ، والمشاكل المقصودة بالكلام في هذا الحيز لها ما يبررها ، ولها قوة تجعلك تستشعر بالاستسلام أمامها في الكثير من الأحيان .

هذا هو الشعور العام إزاء كلمة ( مشكل أو مشكلة واستشكال ) بمعناه الوجودي ولكن عندما نربطها بموضوع الأنوار ستطلع علينا بكثير من الملامح والصور المختلفة انطلاقا من المشكل الفطري والوجودي للإنسان نفسه ،  وفي نظري بروزُ تلك المشاكل ، وبقاؤها ، واستمرار نَغَصٍها يتمثل في غياب التوازن الواجب والضروري بين أنوار الروح وأنوار العقل ، وقد قلت سابقا بأن مفهوم التكريم يقتضي السماح للإنسان بالمشاركة في تسيير الكون بحرية ومسؤولية ، ومن دلالاته القوية هنا أن مشكل المواءمة والملاءمة ما بين النورين قد تركه الله للإنسان ليصنعه لنفسه بنفسه مسايرة لتغيرات الواقع ، والوقائع
المستمرة ، وفيه جزء كبير من مفهوم المكابدة والابتلاء الذي يختلف دوما ما بين الأفراد ، وما بين الأزمان والأمكنة ، وفيه كذلك مظهر من مظاهر الاستنجاد وتجريب ما رُكِّبَ في الإنسان من وسائل تفيد التفكير والتدبر المستمرين ، إما بطريقة إيجابية ، وهذا هو المطلوب والمحمود ، وإما بطريقة سلبية ، وهذا هو المرفوض المذموم 

لا يجب على الإنسان أن يبقى حائرا أو معوجا في معرفته وتقويمه للنورين معا ، فإنسانيته وتركيباته النفسية والجسدية تفرض عليه أن يسعى للبحث عن التوازن المطلوب الذي هو المسؤول الوحيد عن الإنسان المرجو في مفاهيم الوجود الواسعة ،  ففي حال تعذره  وفقدانه سنكون إزاء معضلة كونية ، وأمام إنعراج خاطئ ، وانزياح سلبي إما إلى ظلمات النفس الكئيبة ، وإما إلى تغول العقل وجنوحه لجهة الغلو والتطرف في معادلاته ومواقفه ، وإذ ذاك ستتغير الحقائق الأزلية فيصبح الإنسان إلها ، ويصبح الإله قابلا للنظر والتحليل كما هو حال الآدمي ، وقد يُتهم بالظلم والحيف ، وتنسب له كل هفوات الإنسان وخيباته في حياته الفردية والجماعية .

انطلاقا من هذا التصور وبإيعاز من الموقف الفكري الصائب والمبحوث عنه في حياة الإنسان الصالح والمتزن ، مَن يملك هُوِيته ، ويومن برسالته الوجودية سأتتبع نسق المشاكل المصاحبة لموضوع الأنوار كما تعرض لها الأستاذ التهامي الحراق ، وكما فهمتُها وتفاعلتُ معها في جميع مضامينها واتجاهاتها .

أول مشكل يطالعنا يتعلق بتحديد مفاهيم المصطلحات الرائجة في الكتاب ، والمسايرة لمعالم تحديد المفاتيح التي ستمكننا من التواصل مع تفاصيل مأزق الإنسان الوجودي ، يقول المؤلف في الصفحة : 46 عن مدلول التنوير كما حدده كانط : ( هو خروج الإنسان من القصور الذي ترجع إليه مسؤوليته ، ذلك القصور الذي يعني ” عدم قدرة المرء على استخدام فهمه دون قيادة الغير ، لقد جعل كانط مدار التنوير حول ” نضج ” العقل ، أي حول ضرورة رفع الوصاية عنه ، وإقداره على التفكير خارج كل حجر ، والتخلص من حالة القصور عن استعمال الفرد لقدرته على التفكير ، ومن حالة العجز عن استعمال ملكة الفهم بكل جرأة وشجاعة ، ذلك أن ” رفع ” تلك الوصاية و ” التخلص ” من ذينك القصور والعجز هما ما يؤسس شرط التنوير في نص كانط الشهير : ما الأنوار ؟ ) .

المشكل المصاحب لمثل هذه التحديدات هو أنها تكون ظرفية بالمفهوم الزمني ،  ومعبرة عن حساسية ثقافية سائدة على مسرح التفكير في وقت ما ، وخاضعة للتأثيرات المنتشرة والمتجاذبة ما بين الرفض والقبول ، والمشكل الأكبر هو كيف ستصير عنوانا عاما ، وخصوصية ثقافية تهم كل الناس ، وكل الثقافات والشعوب والأمم ، هنا لا بد من عملية التحوير والتغيير والشرح والتفسير والزيادة والنقصان ، أي القيام باختبارات واختيارات متتالية لاحتواء كل الاعوجاجات الملاحظة تماما كالحقائق العلمية قبل أن تصل إلى بر التسليم واليقينية ، إنها تحتاج إلى خبراء من أهل المعرفة والخبرة بالحياة والإنسان لتسود لدى الجميع ، ولتصبح من احتياجات الإنسان الإيمانية  وخلاصاته النفسية والفكرية وهو يبحث عن معاني وجوده .

ثاني مشكل هو كيفية الترويج للحقائق على أنها حقائق ، تتوحد في النفوس على هيئة واحدة وإن كانت تتمدد بألوان مختلفة ، ويتقبلها العقل ، ويفهمها على أنها البلسم الواقي من الاصطدامات والتبعثرات التي تُشَرِّد الإنسان ، وتجعل مسار فكره مشتتا ومتخاصما ، تلك مهنة العقول الكبيرة في كل حضارة وثقافة وعبر تسلسل الأزمنة ، وبالرغم من ندرة العقول المتحدث عنها إلا أن وجودها في تربة الوجود يبعث الأمل في النفوس ، ويغري بضرورة السير والبحث ، يقول الأستاذ التهامى الحراق في الصفحة : 53 \ 54 : ( فيما نؤكد أننا ننطلق من مقدمة مغايرة ، مفادها أن القرآن الكريم وحي إلهي ، وأنه نص يشكل تماسا استثنائيا بين المتعالي والتاريخي ، بين المطلق والنسبي ، بين الإلهي والبشري ، وأن القرآن الكريم نزل في التاريخ لكنه يحمل نفسا وحيانيا يتجاوز التاريخ ، نزل على رسول بشر لكنه بشر لا كالبشر ، إذ هو مؤهل بالنبوة لحمل ذاك النفَس الخالد إلى سائر البشرية ، هذه الجدلية الخاصة التي تميز النص القرآني هي التي تتيح للمؤمن أن يحاور الوحي في كل زمان ومكان ، وأن يقرأه قراءة تنظر في بعده التاريخي الذي لا يلغي الأفق الوحياني الثابت والخالد في هذا النص ، والذي يحاور دخيلة المومن بشكل دائم ) .

ثالث مشكل هو امتداد شرعي لمشكل كيفية الإيمان بالحقائق ، والإبقاء عليها على أنها حقائق عامة ، تشكل ملاذا فكريا للإنسان بمعناه الوجودي ، ويقع بواسطتها الخلاص الموعود ، المشكل المقصود هو مشكل القطيعة التي تحدث ما بين الحقائق في أدمغة الباحثين ، فلا يكفي التعرف على الحقائق ، وبسطها للقارئ بما لها وما عليها بل لا بد من الاجتهاد في كيفية تشويرها بالأمان الفكري من خلال إيجاد الأجوبة الصالحة لكل اعتراض ، أو قصور في الفهم .

والغريب هو مماثلة التجاور الموجود بين المشكلين على أرض الواقع لتجاور آخر ورد في كتاب : ( الأنوار لا تتزاحم ) وبلغة تذكر بثنائية القرب والبعد المتحكمة في الحقائق ومقطعاتها الاعتراضية ، يقول الأستاذ الحراق في الصفحة 55 : ( بعد أن استحضرنا خلفية تعاملنا مع النص القرآني ، والتي نفهم بمنظارها إسهام إقبال في خلق حوار بين أنوار الإسلام وأنوار الحداثة ، سيكون علينا أن نضيء هذا الإسهام الإقبالي عن طريق مناقشة وجهة نظر مخالفة لوجهة نظر إقبال ، إنها وجهة نظر المفكر الإيراني داريوش سايغان الذي اتهم بعض محاولات إقبال لعقد حوار معرفي بين أنوار الإسلام وأنوار الحداثة ب ” البهلوانية الفكرية ” ) .

المشكل الرابع هو مشكل الجمع بين المتعارض ، وما أكثر وجوده ووجاهته في مثل مسارات موضوع الأنوار الفكرية ، هذا المشكل منتشر في الكتاب بشكل لافت وبأوصاف وتحديدات يستشعر بها القارئ على مستويات عديدة ، وتدل عليه كثرة الصيغ اللغوية التي توحي بصعوبة التحديد والتوجيه ، والإرجاع المتكرر ، والتذكير بفحوى الإشكالية المدروسة مع مطلع كل حديث جديد وعلى طول فصول الكتاب .

سأكتفي بالتذكير على مجريات المشكل الرابع على ثلاث نقط أساسية :

النقطة الأولى هي نقطة عامة توحي بوجود التعارض ، وبضرورة معالجته في الإطار الممكن له ، وبالأدوات المسعفة على تحليله وفهمه ، يقول الأستاذ الحراق في الصفحة 51 : ( بهذه المراجعة النقدية نحن لسنا أمام تحجير للسماء ، ولا أمام حضور للدين في حدود مجرد العقل ، واختزال للدين في واجبات أخلاقية ، ذلك أننا وكما كان قد سجل باسكال بحق ” إذا خضعنا كل شيء للعقل كان الدين خلوا من أي أمر سري معجز أو فوق طبيعي ، وإذا أخللنا بمبادئ العقل كان الدين عبثا وسخافة ، لذا تجعلنا هذه المراجعة النقدية أمام أفق تنويري تحفيزي على إعمال العقل ، وفي ذات الوقت إزاء حضور للدين يكون فيه العقل منفتحا يعي حدوده ، ويستوعب ما يتجاوزه ويتفاعل معه ، أي عقل يعترف بكل الملكات الإنسانية للبحث عن الشيء في ذاته ، وإدراك الحقيقة في ذاتها ) .

النقطة الثانية تخص الحقائق في كلياتها ، وكما دلت الدراسات المتعلقة بها على العديد من
نواقصها ، ولي فيما كتبه الأستاذ الحراق انطلاقا من الصفحة : 96 بعنوان : ( وقفات مع بعض التباسات القراءة المعاصرة للقرآن الكريم ) أكبر الأمثلة على معضلة الجمع بين المتعارض إلى درجة أن كل قراءة لم تسلم من مؤاخذات المؤلِّف نفسه ، وقس على ذلك بقية المؤاخذات الممكنة من لدن المهتمين والباحثين في الموضوع ، يقول الأستاذ التهامي الحراق عن جزئية التواصل المفقود بين أرضية الحضارات الإنسانية المختلفة : ( ولذا حين يقرأ كثير من المفكرين الغربيين اليوم القرآن الكريم مترجما يجدون عنتا في التواصل معه لأنه يقع خارج مألوف تقاليد الفهم في تعقلاتهم وقراءاتهم ، ومن ثم يكونون دوما في حاجة إلى ترجمات تفسيرية تعيد بناء المعاني بشكل يحقق استيعاب القرآن الكريم في معقولية القراءة وتقاليدها النسقية ) ( راجع المحتويات الممتدة من الصفحة : 69 وإلى الصفحة : 92 ) .

النقطة الثالثة هي نقطة حية ونموذجية للإشكال العريض المتمحور حول كثرة المآخذ بين المفكرين أنفسهم ، وهذا الوضع بقدر ما يدل على وجاهة مختلف القراءات وغناها المعرفي وهوية إيمان صاحبها بالطريق المختار للدرس والمعالجة بقدر ما تخلق تشويشا مبالغا فيه في ذهن القارئ ، فذلك الوضع القلِق يدل على عجز العقل الإنساني في بناء مشروع حضاري يجمع ولا يشتت ، ويخلو من المؤخذات المُعكِّرة للأجواء ، كما يدل على انغلاق مجهود الباحثين الذاتي بعدم الترفع والاعتبار والمساهمة في بناء صرح فكري جماعي نزيه ، ويستحيل أن نصل مع ما ذكر إلى نهاية معتبرة ، أو حلول فعالة في جمع الشتات ، ولَمِّ الشمل ، والمضي إلى الأمام بخطى مقنعة وخالية من تلكؤات فكر الإنسان وتكلساته التقوقعية حول محراب الذات ، والانبهار بالجزئي المتقطع ، والارتكان إلى ما يحقق المصالح الشخصية بعيدا عن الاهتمام بالإنسان واحتياجاته الروحية والعقلية التي توازي تركيبه وما يبحث عنه في وجوده ، يقول الأستاذ التهامي الحراق في صحوة فكرية تُحسَب له ، وتبين زيفَ بعض مدعي العلم والتفكير والمعرفة ، كما تبين حجم التبعية العمياء ، وحجم الاغتراف من معين ذات مسمومة ، تهدم كل ما له صلة بها وبتراثها وإن كان مفيدا وصحيحا ، وتتخذ من معاول الهدم بخبث وسبق وإصرار منهجا متعمدا للزعم وإثبات الخواء السلبي في كيانها ، يقول المؤلف في الصفحة : 79 :  ( لم يلتفت الأستاذ هاشم صالح وهو تحت سطوة الانبهار إلى الآراء العلمية المتباينة حول كتاب ” قرآن المؤرخين ” بحيث أن أهمية الأعمال الصادرة فيه ، وطبعته الأنيقة ، والترويج الإعلامي الذي ظفر به كل ذلك لا ينبغي أن يحجب عنا المؤخذات العلمية العديدة التي وجهت إليه ، مثل كونه أقصى من الاعتبار المصادر
الإسلامية في النظر للقرآن الكريم حين اعتبره نقطة وصول في الوقت الذي تعتبر تلك المصادر أعمق بكثير كما أتت به بعض دراسات الكتاب ، أو كون الكتاب أصر على رد القرآن الكريم إلى ما اعتبره ” أصولا ” في التراثات  السريانية والآرامية والعبرانية والكتابية السابقة ، أو حين ادعى مؤلفوه الإتيان بالجديد فيما الكتاب هو تجميع لخلاصات الدراسات القرآنية الاستشراقية خلال القرنين السابقين بشكل خاص…..) .

هذه نماذج من المشاكل المطروحة في طريق كل باحث جاد على أنوار الشرق ، وأنوار الغرب ، بعض تلك المشاكل هي نتيجة حتمية لمختلف التباينات المرصودة في بنيات التفكير والتحليل المختلف في المنطلقات والتداول والأهداف ، وهذا النوع يُقبَل ليُمَحَّص ويُدرس ، ويعزل غثه عن سمينه ، في حين يمكن أن نتعامل مع المشاكل المتصلة بالذات وأمراضها وهوسها وانبهارها بالآخر إلى حدود الإحساس بالهزيمة النفسية والفكرية بالكثير من اليقظة والانتباه الفكري ، وهذا النوع مرفوض بالرغم من وجوده في جملة من البحوث والمؤلفات العربية ، وبالرغم من تصدره للمشاهد الفكرية ، والدعوة إليه من خلال الأعمال المترجمة المنتقاة بعناية وقصد ، أو من خلال التبني المنبهر الذي تتغشاه أيديولوجيات إقصائية بالأساس .

( يتبع )

arArabic