الصفحة الرئيسيةملفات خاصةمراكش الذاكرة

في مدينة مراكش الحمراء …لا بناء يعلو على صومعة الكتبية

أثناء التجوال في شارع محمد السادس وفي مركبة للأحصنة التي تسمع أصوات حوافرها وهي تعبر شوارع مراكش التفت أحد المرافقين إلى الزميل فوزي عويس وأشار له هل تعرف اذا قال أحدهم للآخر أنت “بهجاوي” ماذا يعني؟ لم يترك الفرصة ليجيب وقال تعني أنك مراكشي فالبهجة هي الاسم المرادف لها.. وكانت لنا زيارة “بهجوية” استمرت حوالي الأسبوع تقريبا نستطلع أحوالها ونتجول بأسواقها وقصورها التراثية والجبال الرائعة المحيطة بها.

بيوت مراكش كلها حمراء ولذلك أسموها مراكش الحمراء وهذا اللون هو ما يميز المدينة عن غيرها من المدن . واختياره كان بسبب لون التربة والحجر الذي تبنى به البيوت ولأن هذا اللون من شأنه أن يمتص درجة الحرارة العالية التي تعيشها في النهار لتتحول الى نسمات صحية وباردة عند المساء وفي الليل.

يحيط بالمدينة سلسلة جبال يمكن مشاهدتها وأنت تسير في أحد شوارعها الفسيحة المزدانة بأشجار النخيل وفيها أكثر من 15 ألف شجرة نخيل تتزين بها الشوارع والحدائق والساحات والبيوت، وعلى بعد 19 كلم على الطريق المؤدي الى “تارودانت” هناك قرية تدعى “تامصلوحت” ويطلق عليها “قرية المعجزات” وفيها مناظر طبيعية وقصبات أثرية بناها ملوك الأطلس الأوائل واذا أكملت الطريق بعد “أمليل” تصعد على أعلى جبل في المغرب يسمى جبل “توبقال” يصل ارتفاعه الى 4165 مترا لا تغادره الثلوج البيضاء طيلة السنة يوفر لمراكش ولضواحيها مياه الشرب ومقصداً سياحياً لا يعوَّض، وهو الى جانب جبال “أوريكا” التي تبعد مسافة 60 كلم عن المدينة فهناك تعيش وكأنك في أيام الربيع بعدما تترك مراكش بنهارها الساخن لترى شلالات المياه وخريرها الذي ينساب من أعالي الجبال عبر الأودية الخضراء .. منظر يتجمع فيه الناس والعائلات يقضون أياماً أو ساعات يلتقطون فيها الصور التذكارية والحلوة.

حدائق المنارة والمامونية

نقف أمام حدائق المنارة التي أصبحت شعارا لمدينة مراكش وفيها أربعة أبواب رئيسية اعتز بها السلاطين واعتنوا بها وفيها مسبح كانت تستحم فيه الخيول المملوكة للسلطان قبل النزول الى ميدان المعركة، وفيها تقام حفلات ومهرجانات على مستوى دولي لما تحويه من مساحات خضراء واسعة.

تمر بالقرب من فندق المأمونية الذي كان يقصده رئيس وزراء بريطانيا “ونستون تشرشل” ليقضي فيه اجازته الشتوية وهو الآن محاط بسواتر اسمنتية يجري العمل على اصلاحه وترميمه وتحيط به حديقة خضراء ترتفع فيها أشجار النخيل.

تقترب من المدينة القديمة وترفع عينيك الى السماء لترى صومعة “الكتبيَّة” التي تنتصب في خيلاء كما يقولون أسسها السلطان “مولاي عبدالسلام” وهي عبارة عن مسجد وصومعة ارتفاعها تقريبا بحدود 74 مترا صارت معلما للمدينة ورمزاً لها ومن احترامهم لها أصدرت السلطات المعنية قراراً تمنع بموجبه بناء أي عمارة تعلو هذه الصومعة ولا أحد يسمح له بأن يزيد البناء على “المنارة الكتبية” فهي الشامخة وحدها والباقية وحدها والأبنية الحمراء غالبا ما تصل الى حوالي 15 مترا بارتفاع طوابقها.

مشاهد غريبة بساحة الفناء

الى جانب مسجد “الكتبية” تطل على ساحة الفناء وهي بحق أحد أهم مظاهر ومعالم المدينة التي لم تكن في الأصل سوى مكان التقاء للقوافل التي تمر عبرها ونزلت فيها قبيلة من قبائل الأطلسي ومعهم كمية من التمور أقامت فيها لينفد زادها وتسقط فيها حبات “النواى” على الأرض لتنبت مكانها أشجار النخيل وتتحول الى واحة جميلة مع مرور السنين.

أهالي مراكش يقولون إن من لم يزر ساحة الفناء كأنه لم يعرف المدينة ولا تاريخها ولم يقف على عادات سكانها. وهذه شهادة “مليكة أوفقير” في كتابها “الغريبة” تصور المشهد كالتالي: “أنا مغربية عميقة الجذور في مراكش وليس في المأمونية أشعر أنني في بلدي. لا تساوي الفنادق الباذخة شيئا عندي، أنا من طبقة دنيا، ساحة جمع الفناء الذي يستخدم ساحة اضراب حيث كانت قد عرضت أجساد ورؤوس المنكل بهم، عندما يحل المساء كنت أجلس على مقاعد خشبية حول طاه مرح يشوي أسياخ الدجاج ويطهو الطاجن باللحم.”

هنا تتجسد مظاهر الجنوب الغربي الأطلسي وتشاهد أشياء غريبة لم يسبق أن شاهدتها في أي مكان من قبل، حيث حلقات للشعر وأخرى للطرب وبعدها نساء يجلسن للتنجيم والى جانبهن حلقة رقص شعبية وآخرون يبيعون طواقم أسنان ورائحة الشواء تخرج من وسط الساحة كأنها تؤشر إلى وجودها ، فالسياح الأجانب وخاصة الفرنسيين والاسبان تراهم في كل زاوية.. وتبقى تدور وتدور مع طوفان من البشر تسمع فيها أصوات المنادين الى جانب الأفاعي وعمليات الدجل والشعوذة وبائعي العصير الطازج .. ساحة تموج بالحركة خاصة في فترة المساء والليل وفي اللحظة التي تقرر أن تغادرها تحدوك الرغبة من جديد للعودة اليها.

أغلى من باريس

مدينة المليون نسمة حازت عدة تسميات عبر التاريخ لكن مراكش الحمراء بقيت الأكثر استعمالا لترابط الاسم بالمعنى وان كانت عمليات الخصخصة القادمة اليها من اسبانيا لم تؤثر في خصوصيتها بل عملت على تحسين خدمات الكهرباء والنقل العام فيها، حيث أسند هذان القطاعان الى شركات أسبانية وبالنظر الى وضعها الاقتصادي الرائد فقد شهدت منطقة ممر النخيل اقبالاً غير عادي من رجال أعمال وأثرياء خليجيين بتملك وشراء القصور وهناك أكثر من 40 شخصية من الأمراء السعوديين والخليجيين لهم فيها قصور بغاية الروعة والمعلومات المتداولة تشير الى أن المتر المربع من الأرض وصل سعره الى 30 ألف درهم وثمن المنزل في مراكش أصبح أغلى من باريس بعد أن تحولت الى عاصمة المؤتمرات ووصل عدد الأجانب فيها الذين يمتلكون المنازل حوالي الـ 6 آلاف أجنبي وهذا ما رفع أسعار العقار والمنازل.

 

وما إن تغادر ساحة الفناء حتى تقابلك احدى البوابات الـ 14 التي كانت تسور المدينة القديمة وهي الأسوار التي بنيت على يد “السعديين” حيث عرفت المدينة بتاريخهم أجواء ألف ليلة وليلة واحتلت مكانة الصدارة في الرقي والازدهار وفي تلك الحقبة من حكم السلطان أحمد المنصور الذهبي ترك أهم المنجزات والقصور التراثية.

مقابر الأسرة السعدية أشبه بعالم مفتوح من الداخل تفتن بالزخرفة التي تتوزع على أرجاء القصر ونشاهد نماذج من المعمار الأندلسي بخصائصه الفنية.

قصور وسجون

من التحف الجميلة الرابضة في مراكش بخلاف القصور الملكية الأربعة وقصر للاقامة والاستقبال التي يتردد عليها الملك محمد السادس هناك قصر “الباهية” الذي يعود الى عهد الدولة العلوية بني عام 1866 على يد “موسى بن أحمد” حاجب السلطان “سيدي محمد بن عبدالرحمن” والذي يشار اليه بالوزير الأول بأحمد الذي كان يسير شؤون الدولة، والسلطان عرف بتعدد الزوجات وحبه للنساء والجواري ففي داخل القصر تطالعك غرف الحريم والضيوف وحفلات الرقص حيث يتجمع السياح الأجانب في حلقات يستمعون فيها الى شرح من دليل سياحي مغربي أو دليلة تتقن اللغة الفرنسية جيدا.

وأثناء الانتقال من قصر “الباهية” الى قصر “البديع” تستوقفك الأحياء القديمة ليروي لنا أحد الشباب من المجلس البلدي للمدينة حيث خصص لنا مرافقون مع سيارة بعد أن أبدينا الرغبة لعمدة مراكش السيد “عمر الجزولي” بالقيام بجولة استطلاعية وسياحية وتقديم المساعدة لنا.

رواية الشباب الجامعي المغربي أشارت الى أن اليهود كانوا يعيشون في “عَرْصَةْ الملاَّح” وهي تسمية يعرف بها تجار اليهود حيث يمارسون تجارتهم في تلك الأمكنة القريبة من باب “الدوكالة” بحي “القصبة”، أي أن “عَرْصَةْ الملاَّح” مشهورة بأنها زقاق خاص باليهود المغاربة وهو زقاق ينتشر في معظم المدن مثل الصويرة وفاس وتارودانت أيضا.

نواصل الجولة عبر الأزقة القديمة وندخل قصر “البديع” الذي يجري فيه مرة كل سنة المهرجان الوطني للفنون الشعبية هذا القصر بني بالقرن السادس عشر أيام حكم السلطان أحمد المنصور الذهبي وهدم بعد 100 سنة من بنيانه على يد مولاي السلطان “اسماعيل السعدي” وهو من أجمل القصور التي زرناها ومعروف أن السلاطين مغرمون بالنساء والجواري حيث كان لهذا السلطان أربع زوجات شرعيات ونحو 25 جارية وهو ما يمكن معرفته من واقع تعدد الغرف المغلقة والمفتوحة على بعضها البعض.

هذا القصر فيه سجن يسمى سجن المنسيين ننزل اليه تحت الأرض، يوحي اليك أنك لن تخرج منه أبدا من طريقة بنائه وغرفه المنعزلة والتي لا ترى فيها النور مطلقا وان وضعت بعض الفتحات في الممرات الطويلة والمحكمة باغلاقها لايصال الهواء للتنفس، غرف أشبه بالقبور المظلمة لأن الداخل مفقود والخارج مولود.. وفي تلك اللحظة تذكرت رواية “مليكة أو فقير” ووصفها للسجون المرعبة وأيقنت معنى السجن المؤبد والمنسي كما يقول المغاربة ونحن نستمع الى شرح من دليل سياحي عن السجن بادر أحد الزملاء الذين كانوا معنا في الجولة بأن سجن أبوزعبل المصري بأربع نجوم أمام كهذا نوعا من السجون المخيفة.

وهناك قصص مشابهة تسمعها من المغاربة عن حكاية قصر السواني بمكناس أيام حكم “مولاي اسماعيل” أحد أقوى حكام الدولة العلوية الذي ركز دعائمها وتزوج أكثر من 500 امرأة عام 1500م واشترى عبيد البخارى وعرف بقسوته ودفن المنحرفين والمعارضين بحوائط القصر.

يقال والعهدة على الراوي إن مولاي السلطان اسماعيل السعدي بعد أن قام بهدم القصر وازالته ومحو آثار سلفه أمر بنقل كل محتوياته الى مدينة “مكناس”.

الشاي المغربي

لحظات ونقف أمام “المنبر” وهو من روائع الفن الاسلامي استغرق انجازه حوالي 8 سنوات، وصنع في مدينة قرطبة في عهد علي بن يوسف بن تاشفين من حكام المرابطين سنة 1106م، و”منبر جامع الكتبية” مصنوع من خشب الأرز ولا يزال محافظا على جودته.

نواصل “المسير” وهو التعبير الدارج باللهجة المغربية ويعني اكمال المشي سيرا على الأقدام لتحلو الرحلة على جلسة شاي مطبوخة على الطريقة المغربية وهو شاي أخضر صيني يوضع فيه النعناع المغربي الذي يحتسيه المغاربة على مدار الساعة خصوصاً أهل الوسط والجنوب وبالمناسبة فقد سجلت المغرب أرقاماً قياسية باستيراد الشاي الأخضر حيث احتلت الدولة الأولى بالاستيراد من الصين.

نعاود الاتجاه نحو فندق المنصور الذهبي الذي يقع في قلب المدينة وفي وسط شارع محمد الخامس الفسيح والواسع وذي الممرات المزينة بالورود بالوسط وأشجار النخيل على الجانبين والفنادق السياحية الممتدة على طول هذا الشارع الذي مشينا فيه جريا لممارسة الرياضة الصباحية وفي جو بارد قبل أن تلسعنا شمس مراكش اللاهبة في عز النهار بفصل الصيف.

سياحة استطلاعية حاولنا العثور فيها على مواطنين من بلاد الخليج والشام لكننا لم نلحظ ذلك العدد الكثيف وعلمنا فيما بعد أن قسما كبيرا منهم يقضي أوقاته بين المطاعم والحفلات الليلية وآخرون يسكنون مع عوائلهم في بيوت خاصة بهم منذ زمن يذهبون للاستراحة هناك وجل السياح كانوا من الاسبان والفرنسيين وقلة منهم من بلاد الانكليز والأمريكان فاللغة السائدة هي الفرنسية أولاً والاسبانية ثانياً والعربية على الطراز المغربي الذي بالكاد أن نفهمه اذا ما كان الحديث يدور بين مواطنين مغربيين لكن عندما يتعرفون عليك من خلال لهجتك يبادرونك بالسلام والتحية والترحي

arArabic