د . مولاي علي الخاميري – أستاذ جامعي – مراكش
الحلقة الثامنة : تنظيم ابن عزوز المراكشي للمعرفة الصوفية
من الملاحظات الأساسية الواضحة في كتاب ابن عزوز المراكشي : ( تنبيه التلميذ المحتاج ) أنه قام بتنظيم المعرفة الصوفية تنظيما علميا ومنهجيا يرتكز على الجرد والتبسيط ، وعزل الأبواب والمضامين ، وإعادة بناء الجسور من جديد وفق رؤية معرفية تُنَقِّي ما علق بالتصوف من أوحال ، وتزيل خلل التداخل المضر بالمعرفة المذكورة بسبب الزيادة ، أو النقص ، أو الحذف ، أو التجزيء في الفهم والممارسة ، فجمع بذلك الشمل من جديد ، وقسم كتابه إلى ثلاثة فصول أساسية هي : في فضائل العلم بالشريعة .
في الطريقة وفضائلها .
في علم الحقيقة وفضائلها .
يقول ابن عزوز في الصفحة : 97 مبينا دوافع التأليف : ( وبعد ، فقد اختلج في صدري أن أصنف هذا الكتاب في الجمع ما بين الشريعة والطريقة والحقيقة ، وفي الرد على من أحدث فيها ما ليس منها على مذهب الصوفية رضي الله تعالى عنهم ، ملتمسا في ذلك التقريب من العلم القريب ، وطالبا به الغفران من الحميد الحنان ، فإن أعظم العلوم مقاما ، وأقومها أصلا وفروعا ، وأقواها حجة ودليلا ، وأجلاها سبيلا هو العلم الجامع بين الشريعة والطريقة والحقيقة…….) .

وهو موقف نقدي أولي منه ، يسلم فيه بأن التصوف الحقيقي لا يمكن أن يحصل إلا بتكامل مضامين العلوم الثلاث ، وأن من يقتصر على علم واحد ، أو علمين فهو واهم في ادعائه الانتماء للتصوف ، ولمزيد من التوضيح والإصرار قام المؤلف بتبيان إضافي للعلوم الثلاث بمقتضيات فكرية وسلوكية واجبة في حق الشيوخ والمريدين والأتباع ، عبر عنها بزيادات وعناوين مُكمِّلة هي عبارة عن ردود دقيقة على من ابتدع في الشريعة والطريقة والحقيقة بما ليس فيها من أقوال وأفعال وأحوال ، ثم ختم كتابه بالحديث عن النموذج الكامل للمعرفة الصوفية ، وجسده في الرجل الذي يفهم الدين بالجمع ما بين الشريعة والطريقة والحقيقة .
تسلسل محتوى الكتاب على النحو كما سلف يدل على مكانة ابن عزوز الصوفية ، وعلى علمه الواسع بها ، وعلى صحة تصوره ، وكذلك على رغبته في إصلاح ما تسرب للمعرفة المذكورة من مفاسد ، ولهذا أتمنى من كل إنسان متصوف ، أن يطلع على هذا الكتاب ، وأهيب بمختلف الزوايا والتكتلات الصوفية أن تدرجه ، وكتابا ابن عربي والشيخ زروق المتقدمين ، وأشباهها مما سلف من حلقات ضمن برنامج العلم والسلوك والتذاكر مع المريدين والمحبين والأتباع المتعطشين لتلك المعرفة في نصاعتها وحقائقها وفوائدها ، فلا يجب أن نكرر في عصرنا فتح ما اغلقه ابن عربي والشيخ زروق وابن عزوز من أبواب الخبل والفتنة داخل الحقل الصوفي المغربي والعربي بتبريرات الجهل ، والإقبال على الدنيا وزخرفها باسم التصوف البرئ مما لحقه ، وَوُصِم به من آثار المفسدين ، المدسوسين عنوة في وسطه كما نبه على ذلك علماء أجلاء رحمهم الله .
سيرى القارئ أن ابن عزوز لما أراد التعريف بالشريعة والطريقة والحقيقة جعل الشريعة قطب الرحى ، وركز على ما جاء في القرآن الكريم من أمر ونهي وقصص وتوحيد ، وفصله على هذا الشكل في الصفحتين : 99\100 : ( فالأمر بالإيمان والإسلام والإحسان ، والنهي عن المنكر في البيع والشراء والنكاح والطلاق والميراث ، والظِّهار واللعان والسلم والإجارة ، ومثل ذلك ، وهو المعبر عنه بالشريغة ، ونزلت في ذلك آيات ، ووقعت فيه أحاديث .
والقصص هو خبر من اهتدى ، وبأي شيء اهتدى ، وخبر من ضل وهلك ، وبأي شيء ضل وهلك ، ونزلت في ذلك آيات ، ووقعت فيه أحاديث ، وهو المعبر عنه بالطريقة .
وأما التوحيد : فهو معرفة الله ، والعلم به وبأسمائه ، وصفاته ، وأفعاله في خلقه ، وهو المعبر عنه بالحقيقة ، ونزلت في ذلك آيات كسورة الإخلاص ، وآية الكرسي ، و ” الله نور السماوات والارض – سورة النور ، الآية : 33 ” ومثل ذلك مما لا يحصى ، ووقعت فيه أحاديث ، والكل شريعة وطريقة وحقيقة في الاصطلاح ، والكل مشروع جاء به الكتاب والسنة ، وكانت عليه الصحابة رضي الله عنهم……) .
والكتاب مليء بمثل هذا التكامل المعرفي ما بين الشريعة والطريقة والحقيقة ، وكذلك الأمر كان عند الأقطاب الربانيين المزاولين في زمن ازدهار التصوف ، وارتكاز أهله على العلم الواضح .
وبمرور الوقت ، وتفشي الجهل ، وتدخل الذات بعللها تحول التصوف إلى مجرد ملكية خاصة للشيوخ ، ولأرباب الزوايا الفاسدين ، فبادروا إلى إفراغه من معرفته الأصيلة ، وشيدوا مكانها تصورات ومفاهيم خاطئة ، تنسب قسرا وجهلا للتصوف وصحبه ، واستمر المشوار على هذه الحال حتى استشعر بالخطر الداهم علماء أجلاء ، فنهضوا بالمهمة العلمية من جديد ، واستطاعوا أن يبينوا ما شابها من أخطاء ، سارت بين أهل التصوف ، وروجوها لسنوات ، وصارت عندهم هي المَحتِد والهدف ، ولا زالت تنتشر وتسود إلى يومنا للأسف الشديد .
وحتى أساهم في الجهد المبذول لتنقية مسار التصوف من كل الشوائب العالقة به سأسوق للقارئ أبرز انتقادات ابن عزوز للتصوف وأهله على مستوى الشريعة والطريقة والحقيقة ، وقد وضعت لها عناوين مُبَيِّنة ، وجعلتها في قالب متسلسل على النحو التالي :
1 – نقد عام لأهم الظواهر التي قصمت ظهر التصوف ، واستغلها بعض المتربصين لقضاء مآربهم ، وادعاء ما ليس يجوز شرعا في حق كل إنسان ، يقول ابن عزوز في الصفحتين 105\106 : ( قال أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه ” لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي ، وحفظ الحدود ، وأداء الشريعة ، فاتباع القدم المحمدي نعمة وأي نعمة ، والزيغ عنها نقمة وأي نقنة ، فإن شؤم هلاك الدين لا يعادله شؤم ، ونعوذ بالله من ذلك ” ) .
2 – نقد العمل : وأعني به وجود المتصوف وسط الناس وفي المجتمع ، كيف ينبغي أن يبدو في سَمتِه وكلامه وعمله ، فلا ينبغي أن يتخطى قواعد الدين المتحكمة ، وهذا نوع من الانتباه المبكر لنوازع النفس الخبيثة ، ودعوة صريحة لتوخي الحذر ، ونشدان الصلاح والإصلاح ضمن حدود الشريعة ، يقول المؤلف في الصفحة : 106 : ( واعلم أيها الناظر أنار الله بصيرتك أن طعام الرجال يضر بالأطفال ، فصن الأسرار عن القاصرين ، وأهل الإنكار ، وشيد المكانة لمن يحفظ الأمانة ، والزم الباب ولا تترك شيئا من آداب الشريعة أصلا ، فإن تركت شيئا من الأدب أنت وغيرك كانت العقوبة إليك سريعة ، والزم حلقة الباب ، وزن حركاتك بميزان الشرع ، فبلزوم الباب وحلقته يقع الإيمان للعبد كما قال الله تعالى : ” فمن يكفر بالطاغوت ويومن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى “…..) .
3 – نقد المفاهيم ، ويفهم من خلال رؤية ابن عزوز في شقين متكاملين : شق منطوق يتوخى تحديد المفاهيم الصحيحة ، وشق مفهوم يحذر من صور الفساد التي انتشرت في وسط المتصوفة ، وأضحت محسوبة على التصوف لما ركن إليها الشيوخ والمريدون وأشاعوها بين الناس ، واكتفوا بها وأعدوها الأصل الأصيل الدال على المعرفة الصوفية ، وإن انعدم الأساس العلمي المؤيد ، يقول الكاتب في الصفحة : 145 : ( …….والمراد بالطريقة منهاح الولاية القويم ، والمنتهج فيه لا بد له من معرفة علمان وعملان ، فمن لم يتخلق بهما فلايصل إلى ذلك المقام ، ولوعاش ألف سنة ، فأما العلمان : علم الشريعة الغراء ، وعلم الحقيقة البكراء ، والمراد بعلم الحقيقة هو العلم بوحدة الله تعالى ، وأما العملان : عمل بظاهر الشريعة ، والتزام التكاليف الشرعية ، وندب المريدين إلى ذلك ، وعمل يترك صاحبه الخيالات والوسائط…….) .
4 – نقد الأوهام الخاطئة : مجال آخر كبا فيه التصوف ، وتصدى إلى تصحيحة ابن عزوز رحمه الله ، والمتأمل سيرى أنه نتيجة لما تقدم من اعوجاج فيما سبق من نقود ، فمن يدعي أنه مميز عن الناس لمجرد أنه تجلبب ، ولبس المرقعة ، ووضع التسبيح في يده وكتفه ، ثم ترك العمل بمقتضيات الشريعة كما شرعها الله للإنسان ، ولجمع المومنين فتصوره الخاطئ هذا قد يقوده إلى ما هو أشنع وأفظع ، يصعد به في سلم الأوهام والوساوس ، وأحاديث النفس المشوشة والفاسدة ، يقول في الصفحة : 227 : ( وقال معروف الكرخي رضي الله عنه : طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب ، وارتجاء الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور ، وارتجاء رحمةٍ مِمَّن لا يُطِيع اللهَ جهلٌ وحمقٌ ، ومن زعم أن الرجاء مع الإصرار صحيح ، فذلك يزعم أن طلب الربح في الفقر ، وقَدْحَ النار من ماء البحر صحيح ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا…….” ) .
5 – نقد يتجه إلى معالجة مقدار الجهل والتخلف المنتشر في الممارسة الصوفية ، يذكر بضرورة التشبث بفضيلة العلم ، وأهميته في مجال التصوف ، وكأن المُؤلِّف فطِن إلى الخلل المميت الذي وقع فيه أهل التصوف حين رضوا بضلال الشيوخ والمتحكمين بفعل العادة الجامدة والمعوجة ، وبقوا أُسَرَاء لما شاع عنهم من جهل صريح ، وتبعا لذلك بما اكتنف المعرفة الصوفية من ضيق وأعمال غامضة وجانحة عن الحق الصحيح نتيجة الفراغ المعرفي ، واكتفائها بالسلوكيات الفاسدة المتوارثة فيما بين الأجيال بدون تمحيص ، وعرض على ميزان قواعد الدين الصحيحة ، إنها الآفة التي لا تزال حاضرة ، تُعلي من قدر الأشخاص بلا مبرر ، بل في خضوع مذموم ، ورضى مشكوك في صحته ، وانحناء يشبه ما جرى في أيام العبودية ، يتحول معها مصدر التشريع والعلم من الله تعالى إلى العبد الجاهل والناقص ، والمخطئ ، والمذنب ، يقول المؤلف في الصفحة : 131 : ( قال الشغراني رضي الله عنه : ” سألت شيخنا الخواص رضي الله عنه عن قولهم : القرآن بحر لا ساحل له ، ما معناه ؟ فقال : معناه أنه يقبل جميع ما فسروه به المفسرون ، إذ لم يخرجوا عن قواعد أهل اللسان ، فما من شارح يقدر وجها في الآية إلا وذلك الوجه هو مراد الحق تعالى ، لأنه خاطب بذلك جميع عباده ، بخلاف كلام الخلق ، فإنه لا يقبل كل كلام فسروه به ، لأن الخلق قاصرون عن التكلم بكلام بسع أفهام الخلق أجمعين ” ) .
وعقب كلام الشعراني علق ابن عزوز قائلا : ( واعلم أنار الله بصيرتك أن الشريعة هي الجامعة لكل خير ، والمانعةُ مَن تمسك بها من أن يصيبه كل شر ، لأنها هي الأصل ، وعنها نشأ علم الحقيقة ، فإن علم الأحكام شريعة ، وسرها هو الحقيقة ، فلولا الشريعة ما كانت الحقيقة ، فإنها لبها ، واللب لا قيام له بنفسه غالبا ، وإنما قيامه بلباس الظاهر الحاصل له ، والحافظ من المضار ، فمن حفظ الشريعة وصل، إلى لبها ، ومن أضاعها حُرم الوصول إليها ، ومن ادعى الوصول إلى باطن الشيء قبل العثور على ظاهره غير مسلم له ، وقد أجمع جمهور الصوفية رضي الله عنهم على أن الشريعة بدون الحقيقة عاطلة ، والحقيقة بدون الشريعة باطلة……) .
6 – نقد متصوفة عصر المؤلف ، وهي التفاتة جديدة من المؤلف على درب بيان كَمِّ الاعوجاج والفساد المتفشي في ميدان التصوف ، وغَيرةٌ كذلك منه على المعرفة الصحيحة في حقيقتها ، ومسارها الصحيح الأصيل ، وتواصل فيما بين الأجيال للنهوض بمهمة القراءة والتحليل والنقد للمعرفة المذكورة ، ودفاع عنها ، وعن ضرورة وجودها واستمرارها لأنها باب من أبواب الممارسة الدينية الصائبة ، خاصة إذا بنيت على العلم ، وتخلصت من شوائب النفوس العليلة ، يقول في الصفحة : 266 : ( ومن عجائب هذا النوع من المدعين الولاية في هذا الزمان اتفاقهم مع أصحابهم في المراد والأغراض الدنيوية ، وما هو مراد الأصحاب من الشيخ هو مراد الشيخ من الأصحاب ، فالصاحب يريد من شيخه سعة الرزق ، وجلب الغنى ، والمكاسب الدنيوية ، وصلاح الأولاد ، وحفظهم من الآفات ، ودفع المكروه عنهم ، ويريد من شيخه أن يجوزه يوم القيامة إلى الجنة وإن كان مفرطا ، منهمكا في حقوق الله ، إذا لم يفرط في حقوق الشيخ فلا بأس عليه ، فيتحمل الشيخ ذلك كله لجهله ، وعمي بصره ، ويزعم بعضهم أنه مطلع على أسرار ربه ، ويدعي ذلك ، ويصرخ به للخلق ، ويدعي أن الله تعالى جعله على باب العطاء ، وجعل على يده النفع والضر ، فيصرخ التلاميذ بذلك ، ويصرخ الأصحاب أيضا بذلك ، أي بدعوة شيخهم من جهلهم بالطريقة جميعا ، فوقعوا فيما أمر الله أنبياءه أن يتبرؤوا منه ، فال الله تعالى : ” قل إني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا……قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن اجد من دونه ملتحدا……..قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله….” ) .
وأحب أن أضيف هنا ما ذكره ابن عزوز في الصفحة : 265 ، أي في الصفحة السابقة عن الصفحة المذكورة من باب التوكيد والرجاء ، والتحذير من هذه الآفة المطوقة التي تصدع بالانحرافات المتكررة في المشهد الصوفي بصفة عامة ، وفي الممارسة الصوفية في بلدنا المغرب بصفة خاصة ، والجديد في هذه العودة والتذكير أن المؤلف ركز على ما وصلت إليه العلاقة الجامعة ما بين الشيوخ والمريدين والمنتمين ، وما أصابها من ترد ، واستغلال متبادل لحقيقة التصوف ، كل ذلك صاغه ابن عزوز بلغة صريحة ، وبمواقف مشاهدة واضحة ، تستند على علم الرجل وغيرته ، وتهدف إلى تبرئة التصوف مما علق به بسبب تفشي جهل الشيوخ والمريدين والأتباع عموما ، ولعله يتضمن توجيها وحوارا مع الرافضين والمنكرين لحقيقة التصوف جملة وتفصيلا ، فهم في رأيه غير نزهاء ، وغير منصفين لأنهم يكتفون بالجانب المظلم ، ويغلبونه على جوانب الممارسة الصحيحة كما جلاها لنا علماء أجلاء من أمثال المؤلف ، وابن عربي ، والشيخ زروق ، فهؤلاء وأمثالهم هم المقتدون ، والمعتمدون في كل حديث عن التصوف ، يقول في الصفحة : 265 عن مرئيات عصره : ( ثم ظهر في آخر الزمان قوم يدعون الولاية بغير علم ، ولا عمل فشرعوا للناس تشاريع ، وألزموهم شروطا قواطع ، ونزلوا أنفسهم لأصحابهم وتلامذتهم في منزلة الربوبية ، واعترف لهم الأصحاب والتلاميذ من جهلهم بمحض الخدمة والعبودية ، والشيخ بالوهم ، وعدم العلم والعمل يزعم ويعتقد أن ما اصاب المريد والتلامذة من خير وشر فمن أجل خدمتهم له ، ومحبتهم فيه ، وما أصابهم من شر فمن أجل تفريطهم في خدمته ، وميلهم في بعض الأحيان عن صحبته ، والتلاميذ والأصحاب معترفون للشيخ بما في وهمه ، وواقفون عندما في زعمه ، وخالفوا ما ذكر الله العظيم في كتابه العزيز ” ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ” فوقعوا جميعا بمخالفتهم للكتاب والسنة في الشرك والبدع ، ونصبوا جميعا أنفسهم على مجانيق الخداع والخذلان ، فصار الشيخ وارثا لفرعون في حالته ، ومستخدما لعباد ربه بشهرة دعوته ، وصار التلميذ وارثا لهامان في عبوديته ، ومنتبها له في نشأته ) .
7 – نقد النموذج الفاسد ، وهو أعلى الذروة من نقود المؤلف للممارسات السيئة التي تحسب على التصوف ، وسنلاحظ أن ابن عزوز مزج فيها ما بين الصحيح المطلوب ، والخطأ المرفوض ، ولجأ فيه إلى رواية أحداث وأفعال عن أناس ، رآها العلماء الربانيون الغيورون مباشرة ، أو سئلوا عنها مما لا سبيل في الشك فيه ، ووقوعه ، يعني وقوع الانحراف المرفوض جريا على عادة كل الممارسات الدينية والعلمية إذا زاغت عن الطريق السوي ، ولم تتخذ من المعرفة السليمة متكأ لها ، ولم تمر على ميازين الشرع لتقرير حدود الصواب والخطأ في مضامينها ، وابن عزوز أوردها لنا في صور عديدة ومختلفة سأختار منها النصوص الثلاثة الآتية :
النص الأول ورد في الصفحة 293 : ( وقال الجنيد رضي الله عنه لرجل ذكر المعرفة عنده وقال : ” أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله تعالى ، فقال : إن هذا القول عند قوم تكلموا بإسقاط الأعمال ، وهو عندي عظيم ، فالذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا ، فإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله ، وإليه رجعوا فيها ، ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بي دونها ) .
النص الثاني ورد في الصفحة 292 : (….قال الشيخ الإمام عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه في كتابه المسمى شرح الخلوة ، في أوله من الوصايا : ” يا أخي رحمك الله ، قد سافرت إلى أقصى البلاد ، وعاشرت أصناف العباد ، فما رأت عيني ، ولا سمعت أذني أشر وأقبح ، وأبعد عن جناب الحق تعالى من أناس يدعون أنهم أولياء الله ، وأنهم من كمل الصوفية ، ومع هذا لا يومنون بالله ، ولا برسوله ، ولا باليوم الاخر ، ولم يتقيدوا بالتكاليف الشرعية ، ويقررون أحوال الرسول ، وما جاء به بوجه لا يرتضيه مَن في قلبه ذرة من الإيمان ، فكيف من وصل إلى مراتب الكشف والعيان؟ ) .
النص الثالث ورد في الصفحة : 271 : ( واعلم أيها الناظر أنار الله بصيرتك أن من عجائب ما بدع بعض المدعين الولاية بالوهم ، وعدم العلم مخالفتهم لطريق الولاية ، فما هو شرط مؤكد في الطريق رخصوا فيه ، وما هو قاطع عن الطريق أكدوا فيه ، فالشرط المؤكد في طريق الولاية الذي لا غناء عن السالك عنه هو أربعة مسائل : الصمت ، والعزلة عن الخلق ، والسهر ، والجوع ، فالصمت موجب النجاة ، وتقوية الباطن على ذكر الله ، والعزلة عن الخلائق موجبة الأنس بالله ، والوحشة من خلق الله ، والسهر موجب الاعتكاف على ذكر الله بالقلوب ، أو بالألسنة ، والجوع المفرط موجب لتلطيف الجسم ، وتقوية الروح ، وضعف البشرية ، وقمع الشهوات النفسانية ) .
لما اطلعت على هذا النص ، وعرضته على ما يحري بين أهل التصوف في زمننا تساءلت : هل تلك الشروط متوفرة في ممارسة أهل التصوف الآن ؟ وهل احد منهم يبدو عليه أثر الصمت والعزلة والسهر والجوع كما أبان عنها ابن عزوز رحمه الله ؟! .
انظر إلى سموتهم وما يبدون عليه من أثر التقلب في النعم والملذات ، وبمقدار يفوق حتى ما يشاهد على المترفين ، المقبلين على الحياة وشهواتها بشراهة ونهم ، فالخلل قديم ، تغذيه النفس باعوجاجها ، المستشري في تركيبات الإنسان على مر العصور ، فمن شروط التصوف الأساسية أن يعيش المرء باعتدال واضح وإن أقبلت عليه الحياة بزينتها وزخرفها ،
وللأسف لم يسلم من هذه الآفة إلا قليل القلة من أهل التصوف الربانيين ، والمؤلف رحمه شعر بميل النفس الإنسانية إلى الفساد ولهذا دعا كل الناس ، وأهل التصوف على وجه الخصوص إلى الرجوع إلى كتابه : ( تنبيه التلميذ المحتاج ) ومراجعته باستمرار ، وهو ما أشرنا إليه في بداية هذا المقال على شكل طلب لأهل الزوايا والشيوخ والمريدين ، ورجوناهم أن يهتموا بالكتاب المذكور ، وبغيره المتجه إلى الصلاح ، والداعي إلى الإصلاح بهدف تنقية التصوف ، وإشاعة معرفة صوفية بين الناس ، تنقذهم من الجهل ، وتعصمهم من الخطأ ، وتدلهم على الله دلالة صائبة ، وتترقى بحياتهم في مصاعد النجاة والرضى ، والقرب من الله تعالى ضمن المعاني الإيجابية والشريفة للشريعة ، والطريقة ، والحقيقة ، يقول المؤلف في زهو كبير بمؤلفه ، وحق له الزهو والطلب ، الصفحتان : 310\311 : ( فمن أراد الترقي عن حضيض النفس والهوى إلى أوج جنة المأوى فعليه بمطالعتي كتابي هذا مرة بعد مرة ، فإنه نعم الأنيس للعاشق ، ونعم الجليس للصادق ، ونعم الرفيق لأهل الطريق ، ونعم السلاح لأهل المجاهدة ، ونعم الرَّبَاح لأهل المشاهدة ، لو رآه الشبلي لاصطفاه ، والغزالي لدرسه ووعاه ، والجيلاني لتكلم به بعد أن صبحه بخير ومساه ، والحلاج لباع نفسه واشتراه ، وابن أدهم لاكتفى بحلته وحلاه ، ومعروف الكرخي لهام بحبه وتولاه ، والخواص لقال : يا حسرتاه على ما فاته من لقياه ، وداود الطائي لأعشقه وحباه ، وبشر الخافي لوهبه روحه عند لقياه ، والتستري لناجى به ، ونادى باسم الله مجراه ومرساه ، والبسطامي لارتاح بروحانيته لما فيه وارتضاه ، وحبيب العجمي لأحبه ، وجعله في حضرة حشاه ، والسبتي لفرح به وارتضاه……) .
فعلا الكتاب يستحق كل ذلك وأكثر……
رحم الله ابن عزوز المراكشي ، وأحسن إليه على ما فعل ، وما كتب وترك ، وما خط للتصوف من حدود ، فَرَّقت في معرفته بين حدود الصواب والخطأ ، وأقامت في ممارسته خطوطا عريضة وواضحة بين مدى الصلاح والفساد ، ينتفع بها المهتم ، والمنتمي ، والشيخ ، والمريد ، والعاشق ، والباحث ، والغيور………
( يتبع )