الصفحة الرئيسيةثقافة \ أبحاث

ضرورة المصاحبة النقدية للمعرفة الصوفية .. ح12 مناقب أبي شعيب

د . مولاي علي الخاميري – أستاذ جامعي – مراكش

الحلقة الثانية عشرة : حين اختصر البحث في التصوف على مفاهيم الولاية والكرامة( نماذج من كتب المناقب والتراجم – أوهام كتاب المواهب السارية في مناقب أبي شعيب السارية)

كتاب ( المواهب السارية في مناقب أبي شعيب السارية ) لمؤلفه محمد بن إدريس القادري الحسني ( ت 1350هج ) يعتبر مثالا آخر على ما أصاب المعرفة الصوفية من ضعف فكري ، وركاكة لغوية ضمن سياق الحديث والتأليف الكاشف عن مزاعم الذات ( الأنا ) الخفية ، ويكرس نهج اختصار تلك المعرفة ، ودورانها حول الأشخاص والأوهام المتسلطة على العقل بدل البحث عن الأفكار والمعالجة المتعالية مع قضايا الإنسان العقلية والعقدية والاجتماعية ، ولم يعد بمقدور المؤلفين المقتنعين بمباحث الذات من مثل الولاية والكرامة – وما أكثرهم في الأزمنة المتأخرة – أن يتخطوا منطقهما ، فَفُتِح الباب بذلك للحكي المتناقض مع قواعد الدين وضوابط العلم ممارسة وتأليفا .

تحيرني فكرة حارقة كلما اطلعت على مثل هذه الكتب التي لا تريد أن تدخل إلى عالم التصوف من أبواب المعرفة الرشيدة كما رأينا ذلك في حلقاتنا الماضية ، ولا تلتفت إلى طرق الإصلاح المتاحة ، والمأمور بها جميع الناس ، مثل الصلاة وتعليم القرآن وغيرها كما سيثبت المؤلف ذلك لأبي شعيب رحمه الله باقتضاب شديد مقارنة بإصراره على الإتيان بالخوارق المُعَرَّضَة للريبة والتشكيك خاصة عندما لا تَستنِد على أدلة الوقوع ، وتتكرر مضامينها في الكثير من المؤلفات ، وتُكتَب أوصافا في حق جمع من المتصوفة المنتمين لصنف القصص الذاتية الخفية…..وعوضا عن ذلك تُكثِر من التلفيق والاختراع المقرون بأوهام تخص المؤلف وحده ، وربما يكون ( الولي ) بريئا منها ، ولم يُحَدِّث بها إطلاقا ، فتكون مستوحاة من خيال الأتباع ، وضعفهم ، وانخداعهم ، وتتوارث بقبحها وعللها فيما بين الأجيال حتى تصبح حقيقة مزعومة وليست صادقة ، تدل على كل ما يتصل بمفاهيم الولاية والكرامة .

ويجب أن أنبه بتأكيد على أنني لا أحمل أي شيء في نفسي اتجاه أي مذكور طيلة حلقة الموضوع ، ولا أنكر أي جانب من تلك المعرفة ، يتوفر على شروطه العلمية ، ولا يتناقض مع مبادئ ومضامين شريعتنا الغراء في كل أبعادها الصحيحة والأصيلة .

مضمون كتاب ( المواهب السارية…….) يطلعنا على ما تأخرت عليه مفاهيم المعرفة الصوفية من انحطاط ، وتَحَوُّلٍ سلبي ومختصر ، متعلق بالأشخاص أكثر من الفكر ، وفي أحيان وأمثلة أخرى تجد أولئك الأشخاص ليس لهم ما يبرر الحديث عنهم من الناحية العلمية ، وما يُوصفون به يدخل في إطار العواطف والصداقات والتهيؤات المتخيلة بلا دليل ، ولا فحص ، وبتشابه وتكرار ، ويخضع لمقتضيات الروايات الشفاهية الثنائية المضللة ، ويلخص لنا قبضة الجهل التي جثمت على المعرفة الإنسانية بصفة عامة ، وعلى المعرفة الصوفية بصفة خاصة .

القصد من وراء تأليف كتاب ( المواهب السارية……) كان هو الكشف عن الكرامات ، واتخاذها دليلا وحيدا مع ما لذلك من عيوب الإثبات من جهة قواعد العلم الدالة على صلاح الناس وبركاتهم ، ونفعهم للخلق ، وسنرى كيف تم ذلك من خلال محتوياته الحريصة على ذكر الكرامات ، والتعريف بها ، وبصاحب السيرة أبي شعيب السارية رحمه الله وشيوخه ، ومن أخذ عنه ، ثم الختم بذكر الأحوال والأبدال…….

1 – مبحث الكرامات : الاعتراف بوجود الكرامات ، ووقوعها وفق دلائلها ووقائعها الصحيحة شيء مُسَلَّمٌ به بطريقتين مختلفتين ومتناقضتين : التسليم المطلق ، القابل لكل الأقوال والأحوال بلا روية ، ولا تمحيص ، وإن خرج الأمر عن مقتضيات أحكام الشريعة ، وأصحابُ هذا التسليم يُبدون الكثيرَ من الإذعان والتعليق والتصديق ، ومنهم بسبب الحماسة الزائدة من يضيف ويولد ويمطط إلى ما لا نهاية………ثم التسليم المضبوط بضوابط قواعد الدين من باب الإيمان بقدرة الله تعالى المطلقة كما جرى في قصة الخضر عليه السلام .

وكان المعول أن لا ينتهي مقصود البحث في الكرامات عند تلك الأبواب المعروفة ، القابعة في الذات ، ولا يقف عند الكلام العام الممكن ، لأن النظر هنا يجب أن يتم عبر عارفين بالعلم وبالأحوال ، وأن تُدرَس كل حالة على حدة ، وتُعرَض مواقفها على تلك الضوابط ، مع التشديد أثناء الاهتمام والدرس بضوابط العلم ، وقواعد الدين حتى لا يُفتح هذا الباب أمام الدجالين والمدعين .

مؤلف كتاب ( المواهب السارية……) رسخ النظرة السائدة في هذا الباب ، فقد اكتفى بجمع أدلة الجواز ، والتدرج معها وفق الدليل الممكن ، والدليل العقلي ، ومواجهة أهل الرفض لها ، ثم ذكر بعض كرامات أبي شعيب السارية رحمه الله ، ويمكن أن نقول بعد هذا إنه لم يضف أي جديد للموضوع ، وهو عيب آخر ، يمس محتوى الكتاب ، ويشين البحث في الكرامات والولاية ، فمحصوله يدور في فلك الصور المتشابهة والمستنسخة .

أشار المؤلف الحسني في افتتاحيته للكتاب ، الصفحتان : 60\61 إلى سبب تأليفه له قائلا : ( قد طلب مني بعض الأحبة إلي ، الأعزة علي ، المعتنين بكرامات الأولياء ، المتعلقين بأذيال المنتخبين الأصفياء أن أكتب له ما وقفت عليه من كرامات الولي الأكبر ، والعارف الأشهر ، ذي السر الأبهر ، والضريح الأنور ، مربي المريدين ، ومرشد السالكين ، وقدوة العارفين ، وشيخ الأئمة المهتدين ، صاحب الكرامات السائرة مسير الشمس في حياته ، وبعد حلوله في الرمس سيدي أبي شعيب السارية رضي الله عنه وعنا ببركاته…….) .

وتحت عنوان ” في ذكر كرامات الأولياء لأنه احتيج إليها لأن الخطر منها عظيم ” أسهب في ذكر جواز وقوعها بأدلة الشيء الممكن ، وبأدلة العقل ، قال في الصفحة : 65 عن النوع الأول من الجواز : ( قال في الإحياء ، في كتاب الصلاة : الطبع مجبول على إنكار غير الحاضر ، فلو كان للجنين عقل لأنكر إمكان وجود إنسان في متسع الهواء ، ولو كان للطفل تمييز لأنكر ما يزعم العقلاء إدراكه من ملكوت السماوات ، وهكذا الإنسان في كل طور يكاد ينكر ما بعده ، ومن أنكر طور الولاية لزمه أن ينكر طور النبوة ……..) .

ويردف قائلا عن الأدلة العقلية : ( وهي جائزة عقلا ، إذ ليست بمستحيلة في قدرة الله عز وجل ، بل هي من قبيل الممكنات كظهور معجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، وجائزة أيضا عند أهل السنة من المشايخ العارفين ، والنظار والأصوليين ، وإمام الحرمين والغزالي والإمام الرازي……..) .

أريد أن أبين هنا بعض الأمور الضرورية لاستقامة الفهم الصحيح اتجاه الولاية والكرامة ، فقوله على لسان الغزالي رحمه الله : ( ومن أنكر طور الولاية لزمه أن ينكر طور النبوة ) لا يجب أن يفهم بهذا المعادلة الندية ، فالنبوة أشمل وأعم ، ودلائلها قوية وواضحة بمختلف وسائل الإيضاح والإثبات ، وهو ما لا نجده لدى المدعين للكرامات والولاية ، ولاسيما في الزمن المتأخر ، فمستنداتهم في الغالب ترجع إلى الاعتقادات المبنية على علاقات ثنائية ، وتهيؤات وروايات شفوية ضيقة جدا ، وبسبب تكرارها في الكثير من المؤلفات ذات الصلة برز فكر مساواتها مع النبوة ، وقوله ( وهي جائزة عقلا إذ ليست بمستحيلة في قدرة الله عز وجل ) فهذا مسلم به عند الجميع ، ولا يعد مكانا للمآخذ ، المقصود هو كيف تمارس طقوس الولاية والكرامة عند من يدعونها ، ففي أحيان تجد ما يدعيه ، أو يُدعى للولي أكثر وأكبر مما هو واجب في حق الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ، ويزداد الأمر سوءا عندما يرغمك السياق على ضرورة التسليم المطلق دون التفكير والتحليل ، ولذلك يلغون العقل ودوره في الحفاظ على فهم وتوازن الحياة ، ويقعون في شرك التناقض مع أدلتهم العقلية ، وقوله ( وإنكارها بدعة كما نقله القاضي أبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين والغزالي والإمام الرازي……..) فكثرة المؤيدين للولاية والكرامة من العلماء لا يعني التأييد المطلق ، الخالي من قواعد الدين ، وضوابط العقل ، ومن أراد أن يتأكد من هذا فليراجع الأمثلة التي ذكروها في مؤلفاتهم وكتبهم هل لها شرعية دينية وعقلية أو لا ؟! .

ولعل المؤلف القادري الحسني قد أحس بمأزق البحث في موضوع الولاية والكرامة بإعجاب الذات وهلوستها ، وجهلها ، وضعف معارفها ، وسيطرة الأوهام ، وعادات الدجل عليها ، وبالتالي عدم قدرتها على إقامة الميزان الشرعي والعقلي الصحيحين للمسألة فاستدرك الأمر حين وضع لها شروطا مقبولة ومقنعة على صعيد التصور والأحوال وفق مقتضى الشرع والعقل ، يقول في الصفحة : 67 : ( ” وكرامات الأولياء ” وهم العارفون بالله تعالى حسبما يمكن ، المواظبون على الطاعات ، المجتنبون للمعاصي ، المعرضون عن الانهماك في اللذات والشهوات ” حق ” أي جائزة وواقعة كجريان النيل بكتاب عمر ، ورؤيته وهو على المنبر بالمدينة جيشه بنهاوند ، حتى قال لأمير الجيش : يا سارية الجبل الجبل ، محذرا له من وراء الجبل لكمن العدو هناك ، وسماع سارية كلامه مع بعد المسافة…….) .

من عيوب كتاب ( المواهب السارية….) ركاكة أساليبه وتعابيره اللغوية عن عالم التصوف الخفي ، وهذا في حد ذاته قيد مانع لإجلاء الحقائق على مستوى النفس والفكر واللغة ، ولهذا سأحاول تبيان المراد بصيغ ، تتوخى الوضوح أكثر ، وأقول : فمن كان على هذه الأوصاف المذكورة والمرتبطة بكثرة الطاعات ، واجتناب المعاصي ، وسلامة القلب ، وعدم الافتتان بالملذات والشهوات ، ومن كان مثل عمر رضي الله عنه على مستوى الصلاح والعمل الدؤوب اتجاه دينه وقومه…… فكل منقبة تجوز في حقه بعلم ومعرفة على عكس المجهولين ، المتواضعين ، والمدعين بلا دليل وجيه ومقنع……اللهم إلا ما يلاحظ على صعيد الروايات الشفوية الضيقة والمتذبذبة والمتكررة على صفحات بعض المؤلفات .

2 – مبحث النقاش الهادئ لموضوع الولاية والكرامة كما تجسدت في سيرة أبي شعيب السارية ، ومن خلال ما ضمه كتاب : ( المواهب السارية في مناقب أبي شعيب السارية ) ولن أغوص في المسألة كثيرا ، ولن أتتبع أقوالها المتكررة بلا حس معرفي ، وسأقوم بدلا من كل ذلك باختصارها ، وتبيين مكامن الضعف الديني والعقلي فيها ، وسأحدد مساراتها في ثلاث نقط أساسية هي :

2 – ا – تذبذب الروايات وانقطاع سلاسلها المعرفية ، وغموض محتوياتها ، وتعارض المقصود منها مع ما يقتضيه سياق الولاية والكرامة من وضوح الموقف ، واتصال الروايات ، وقوة الدليل وتماسكه ، ففي الصفحة : 96 وعند الحديث عن شيوخ أبي شعيب يقول المؤلف القادري الحسني : ( وأما زيارته – أي الشيخ أبي شعيب – لأبي عبد الله ولد أبي جعفر ، فإن ثبت أخذه عن والده فأداء لحق الشيخوخة ببرور الأولاد ، وإلا فكان يزوره لنسبه الشريف ، وكان يذهب لأغمات فما ندري عمن أخذ بها…….) .

وقريب من هذا الإبهام قاله المؤلف في التعريف بأبي الفضل الجوهري أثناء الحديث عن رجال السند الروحي والتربوي لأبي شعيب السارية ، يقول في الصفحة : 105 : ( وأما الشيخ أبو الفضل الجوهري ، ووالده الشيخ أبو عبد الله الحسين بن بشر فلم نقف لهما الآن على ترجمة ، ويكفي في ترجمتهما أخذ أبي محمد عبد الجليل عن الأول مباشرة ، وعن والده بواسطة الولد ) .

وقد بلغ التذبذب في أخبار السند المذكور مداه حتى اعترف المؤلف بجهله لسند بعض أعلام السند المزعوم ، يقول في الصفحة : 100 : ( وأما أبو بكر بن خنيس فلا أعرف سنده ، وهو يروي عن ضرار بن عمرو…….وأما محمد بن السماك فلا أعرف سنده أيضا ، وهو يروي الحديث عن عدة من التابعين…….) .

نحن نعرف قيمة السند في الثقافة العربية القديمة عموما ، وفي مسلك المعرفة الصوفية بالخصوص وإذا ما قارنا تلك الأهمية بمثل هذا التهلهل والانقطاع في الروايات الخاصة بالولاية والكرامات سيكون الحكم حتما سلبيا وإن حاولنا أن نصلح حلقاته بالتجميل ، وأحيانا بالتلفيق ، وعلى العكس ينبغي أن تكون الأحاديث في موضوع الولاية والكرامة واضحة وقوية قياسا على ما جاء من أحاديث عن معجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم .

2 – ب – تناقض الروايات مع ما تقتضيه شروط الولاية والكرامات : أقصد هنا ذلك المنزع في التعريفات الذي يجمع ما بين وجهين متعارضين من حقيقة أعلام الصلاح ، المتحدث عنهم في تراجمهم الخاصة ، يقول المؤلف في الصفحة : 101 عن أبي ينور الدكالي : ( ومنهم أبو ينور عبد الله بن وكريس الدكالي من مشنزايه ، من أشياخ أبي شعيب أيوب السارية ، كبير الشأن من أهل الزهد والورع ، حدثوا عنه أنه مات أخوه فتزوج امرأته ، فقدمت إليه طعاما فحدث في نفسه أن فيه نصيب الأيتام الذين هم أولاد أخيه فأمسك ، وبات طاويا ) .

وشبيه بهذا ما راه المؤلف في الصفحتين : 102\103 أثناء التعريف بعبد الجليل بن ويحلان ، قال : (….فاكترى دارا – أي ابن ويحلان المذكور – بعشرة دنانير ، فاجتمع عليه مائة دينار في عشرة أعوام ، فقيل لصاحبها : من أين يؤدي لك عبد الجليل مَالَك عليه من الكراء ، وليس عنده شيء ؟ فبلغه ذلك فأهمه ، فرأى تلك الليلة في منامه رب العزة ، فوقف بين يديه ، فقال له : ما أهمَّك يا عبد الجليل ؟ قال : يارب أنت أعلم ، فلما أصبح سمع قرع الباب ففتح فإذا هو رجل في الظلام فناوله مائة دينار فانصرف عنه ، فأخذها منه ، وبعثها إلى صاحب الدار ) .

إن الشخص الذي يدعي هذا الصلاح وتتلبسه مثل هذه المواقف المرتبطة بقضايا الحياة سيكون في صلاحه المزعوم شك ، لأنه لم يفده في أي شيء ، وسيحوله إلى جاهل بأوضاع المجتمع وقواعد الحياة المتبادلة فيه ما بين الأشخاص ، بالإضافة إلى أن مثل هذه الأحاديث تؤدي إلى شيوع الاتكالية ، وتمييز الكسالى بدعوى الصلاح ، ويمكن أن تدل على نوع من الحيل الرائجة بدل الصلاح المطلوب ، وتعد طريقا سهلا ييسر المأمورية على كل من يطمع في الولاية والكرامات ، وتطلعه على كيفية تثبيت نفسه ، وإبراز دلائله الهشة ، والتزوير على الناس .

2 – ج – الادعاءات الخارجة عن دائرة الصدق في ادعاء الولاية والكرامة : من أبرز وسائل إثبات هذا المسار التشبه بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام مع الفرق الظاهر في كون ما لدى الرسل يكون مقرونا بدوافع ومقاصد ، فأمية نبينا المصطفى عليه السلام تقوم على إثبات قدرة الله تعالى على الاصطفاء والاختيار ، والإتيان بما فوق العقل البشري المرتبط بالأسباب ، وأما المقاصد فتتمثل في التحدي ، ومجابهة الظلم والطغيان ، وتصحيح مسارات الناس ، ولن تجد في معظم من ادعى الولاية والكرامة شيئا ، ولو قليلا من هذا باستثناء ما يعود على نفسه من منافع ، وقد يكون الرجل صالحا ، ويسعى في فعل الخير كإشاعة العلم في الناس ولكن لن يصل إلى مقام الأنبياء عليهم السلام ، المقرون بعامل الاصطفاء العلوي ، إنما هو فضول ينبع من بعض المميزات والقدرات الذاتية في حال الإيجاب ، وقد يكون من وحي الشيطان والنفس السيئة ، أو من وحي الحيل والشطارة العقلية التي توجد في كل الأزمنة ، وتستغل ظروف الجهل والضعف الفكري والحياتي الجاثم على صدور الناس ، مما يجعل مثل الأفكار المذكورة تنتشر ، وتستبد بالوضع الاجتماعي المزري ، ويُلجَأ إليها لتبرير مواقف الانخداع والانهزام ، والدرواشة المصطنعة ، وعلينا بهذا المنطق أن لا ننزوي وراء قدرة الله تعالى المطلقة ، فهذا أمر مُسَلَّم به للجميع كما قلت ، ليس في بابي الولاية والكرامة فقط وإنما في كل ما يتعلق بمفهوم التدبير الشامل لكل حركات الكون منذ نشأته وإلى ما شاء الله ، يقول المؤلف في الصفحة : 124 : (…..وقد جرت العادة بأن البشر لا يمشي في الهواء ، سيما وقد كان راكبا على دابة من ذوات الأربع ، لكن لما أن شاءت القدرة ذلك كان ، فكما بسط الله لهم الأرض يمشون عليها كذلك يمشون في الهواء ، كل ذلك بيد قدرته ، لا ترتبط قدرته تعالى بعادة جارية…..) .

ويقول في الصفحة : 126 شارحا لمعنى الأبدال : ( ويقال إنه – أبا شعيب – من ” الأبدال ” مفرده بدل ، ويجمع بدلاء ، وهم صنف من رجال دوائر الولاية ، وآخر رجال المقامات ، يكونون سبعة ، وضابط البدلية أن مَن سافر من موضع ، وترك جسدا على صورته حيا ، بحياته ظاهرا ، بأعمال أصله ، بحيث لا يعرف أحدا بأنه فقد فذلك هو البدل لا غير…..) .

استسمح القارئ مجددا على ركاكة التعبير وغموضه ، ولنوضح مضمون المثالين ، ونثبت التلبس الواقع فيهما بضوابط الدين الصحيحة كالقدرة الإلهية المطلقة ، والتشبه بما وقع لبعض الأنبياء عليهم السلام ، والاستفادة من رقم سبعة ودلالاته المتنوعة ، وببعض قصص القرآن والسنة ، هنا تتحول المقارنة إلى وسيلة لإثبات مماثل لها وبدرجات باهتة ومصطنعة لبعض الأشخاص بدون تمحيص ووضوح يشبه وضوح نسق الرسل عليهم الصلاة والسلام .

والمسوغات الذهنية مثل ما ذكرنا تحتاج إلى وقائع ملموسة تُبَرَّرُ بها ، وتؤكد على نجاعتها ، وصدق ادعاءاتها ، وهذا ما رواه لنا المؤلف بمثالين متقاربين ، يقول في الصفحة : 123 عن أبي يعزى رحمه الله : ( قال الشيخ أبو مدين رضي الله عنه: زرته – أبا يعزى – مرة في الصحراء وحوله الأسد والوحوش ، والطير تشاوره على أحوالها ، وكان الوقت وقت غلاء ، فكان يقول لذلك الوحش : اذهب إلى مكان كذا وكذا فهناك قوتك ، ويقول للطير مثل ذلك فتنقاد لأمره ، ثم قال : يا أبا شعيب : إن هذه الوحوش والطيور قد أحبت جواري فتحملت ألم الجوع لأجلي رضي الله عنه ) .

ومن دلائل الحياة والوقائع يحكي في الصفحة : 125 أن أباشعيب التقى بوزير عبد المومن بن علي ، وجرى بيهما كلام ، أساء فيه الوزير الأدب ( فصاح أبوشعيب ، فأجابته قصور الملك وتداعت ، فارتجت الأرض ، وتزلزلت ، وكادت تسقط ، حتى أكب عبد المومن بن علي على قدم الشيخ يطلب منه العفو ، ودعا على الوزير بسوء الخاتمة فمات كافرا ) .

إن مثل هذه الروايات تسيء لمقام الولاية والكرامة أكثر مما تحسن إليه ، وتثير أسئلة وإن كانت لا تذكر إلا أنها تروج بخفاء وستر ، بالإضافة إلى أنها تتعارض مع قواعد الدين ، وتشيع الجهل الجاثم على المجتمع ، بدل العمل والتنوير مما يعطينا أسبابا وجيهة نفسر بها أسباب كبوات المسلمين المتلاحقة ، وجهلهم وتخلفهم على كافة المستويات ، وهناك استنتاجات أخرى كبيرة على هذا الدرب لا داعي لذكرها .

وأبو شعيب السارية رحمه يجب أن ينصف بما فعله حقا داخل المجتمع من أفعال الخير وإن لم يهتد إليه المؤلف بما يجب من التعداد والتنويع ، فقد اكتفى بمرور مقتضب كما أشرت سابقا بسبب هوسه بالتأليف والاختراع حين كان عليه التوسع والفضفضة أكثر للدلالة على مجهود الرجل ، ولتعليم الأجيال الجديدة ، وإرشادها إلى طريق النجاح الفردي والمجتمعي ، وغرس وسائل الإصلاح الحقة في النفوس ، ودفعها إلى العمل المتواصل ، والاجتهاد المستمر فيه ، حتى نتمكن من إزالة الفهوم السيئة ، وكُلِّ خبث ، ونية فاسدة ، أحاطت بالمعرفة الصوفية ونضمن لها التطور والتجدد ، والنفع العلمي العام ، يقول المؤلف ، موردا ما يليق بمقام أبي شعيب وصلاحه ، ونفعه للعباد في الصفحتين : 92\93 نقلا عن التشوف : ( كان – أبو شعيب – في ابتداء أمره معلما للقرآن بقرية يليسكاون من بلد دكالة ، فكان يتوكأ على عصاه واقفا ، لا يقعد إلا وقت انصراف الصبيان ، ثم خاف أن لا يكون وَفَّى ما عليه من الحقوق ، فتصدق بجميع ما اكتسبه في التعليم…..كان رضي الله عنه من أول نشأته قائما على قدم العبودية لربه ، مُعرضا عن زينة الدنيا وزخاريفها ، تاركا للذيذ مطعومها ومشروبها ، مقتصرا على ما يقوم به أوده منها ، سابحا في بحر المجاهدات ، متفننا في فنون العبادات ، من الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ، ويوثرون مناجاة ربهم على كل مضاجع ، وتنسموا نفحات القرب في الأسحار فقاموا لمناجاة ربهم على قدم الاعتذار ، ففازوا بقرب ربهم ، وبلذيذ مناجاته المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم : ” المصلي يناجي ربه ” كما أنه نشأ رضي الله عنه على قدم كبير من الورع……..) .

هذه هي أوصاف أهل الولاية والكرامات الحقيقية ، فيها تعليم ونبراس للنشء ، وسلوك يحتذى ، مفتوح في وجه كل الناس ، لا شيء فيه خفي مما يدخل في هلوسات الذات ، وهذا هو ميدان التباري بين أولياء الله وخاصته للفوز برضاه ، والشعور بقربه الدائم منهم ( وفي ذلك فلتنافس المتنافسون ) حتى نستطيع أن نؤسس نهجا إصلاحيا ، واضح المعاني والمرافق ، يتوافق مع القصد الكبير للمعرفة الصوفية عبر تاريخها الطويل والجميل ، له قواعد وضوابط مستقاة من معطيات الدين الصحيحة ، تُرَغِّب ولا تنفر ، وتجلب الناس لدائرة الإيمان بفطرة وعقل وعمل ، وتجعل المبتغى من الدين متاحا للجميع بمساواة تناسب حظوظ الله فينا بكفاية وتدبير محكم ، يسمو بالإنسان ، ويدفعه للفعل ، والتخلص من عوائق الحياة ، ويخلصه من قيود النفس والشيطان ، وما يشبهها من أعمال بنيت على التمييز ، وادثرت بخبث تفكير الإنسان ، وغروره ، وتكبره ، وجهله ، وضعفه ، واعتقاداته الفاسدة ، وإعجابه بمؤهلاته التي هي عطاء من الله ، فعوض الشكر والحمد ، والنهوض لمنفعة الناس بها يتم تحميلها بأوهام من النفوس المريضة للسيطرة والتصدر باسم الدين ، وحاشا أن يكون ذلك منه ، لأن جميع طرقه مهيأة أمام كافة خلقه بعدل وإنصاف ، ووفق قدرته المطلقه ، ورحمته بجميع العباد .

( يتبع )

arArabic