الصفحة الرئيسيةمراكش الذاكرة

وجوه لا تعترف بها مراكش اليوم.. ٤/ لعنة المعتمد وانقلاب مراكش على مؤسسها

بقلم عبد الصمد الكباص / أرشيف المراكشية
 
هذه الوجوه أسماء لثقافات تناوبت على ذات المكان ، صنعت حياته ، و حولته إلى أسطورة، لا تعترف بها مراكش اليوم . إنها وجوه متقابلة في ذاكرة لا يسهر أحد على حماية آثارها .
 
لعنة المعتمد وانقلاب مراكش على مؤسسها
انقلبت مراكش على مؤسسها . ذلك ما يفصح به واقع الحال الذي يوجد عليه ضريحه بسيدي ميمون . فهي تصر اليوم على إهانته ، و إهماله في حطام قبر يبول عليه السكارى . لاشيء فيه يوحي أنه مرقد سلطان عظيم ، أو على الأقل مؤسس مدينة ، و يوما بعد تزداد حالته سوء . كما لو كانت بذلك تعلن شكلا غريبا من الاعتراف بجميله.
يتساءل الكثير من الطيبين ذوي النوايا الحسنة ، لماذا لا تقيم مراكش نصبا تذكارية لهذا الفنان من أبنائها ، أو لذلك الكاتب ، أو ذاك الوطني أو الرياضي ، لماذا لا تخلق مدارا ثقافيا لأهم المواقع التي نشأ فيها كتابها و مفكروها و سياسيوها ، فتحفظ في ذلك ذاكرة جديرة بأن تصان و أن تحترم ؟ لكن طيبوبة هؤلاء تعميهم ، لأن الإجابة تعلن بوضوح عن نفسها و تقدم بالقرب منهم برهانها القاطع . فإذا كانت المدينة تحتقر مؤسسها ، و تهينه في كل لحظة بخراب يحيط قبره ، فكيف لها أن تعترف بهؤلاء أو تمنحهم احترامها .
من يرى مآل يوسف بن تاشفين ، يقتنع أن المدينة التي سميت بالحمراء ، تفرغ نفسها من تاريخها ، كما حدث بالضبط مع ابن رشد و غيره ، كما لو كانت تبعث برسالة واضحة بأنه لا حاجة لها بتراثها . ذلك ما تؤكده الفوضى و التدهور الذي يهيمن على المدينة العتيقة ، و على مآثرها التي انقرض بعضها مثلما حدث مع معمل السكر التاريخي بطريق تسلطانت. ربما أن مراكش مقتنعة أن نسيان البدايات و طمرها مَعْبر حتمي لاستدعاء المستقبل .
في شهر فبراير 2013 حطت بمطار المنارة طائرة خاصة تقل ثمانين كاتبا إسبانيا ، جاؤوا في رحلة جماعية على نفقتهم ، من أجل توقيع كتاب جماعي صدر في حلة بديعة تكريما لذكرى الشاعر المعتمد ابن عباد . نظموا احتفالاتهم فيما بينهم ، و زاروا ضريح المعتمد باغمات ، دون أن يأبه لهم أحد من المسؤولين بالمدينة الحمراء .لا استغراب في ذلك لأن تجاهل المثقفين ثابت لا يتغير في هذه المدينة .
الطريف في هذه الرحلة أنها كانت ردا للاعتبار لشاعر حاول ابن تاشفين إهانته بأسره و سجنه باغمات . كان يرغب أن يرى فيه المأسور الذليل . أن يجعل اغمات شاهدا أبديا على هذا الإذلال الذي أراد للتاريخ في امتداده المستقبلي أن يكون علامته الكبرى .
لكن كل شيء انقلب إلى ضده ، و صارت اغمات جرحا لصيقا باسم ابن تاشفين ، لأن لعنة الشعراء كما قال آية وارهام الشاعر المراكشي في مساهمته في الكتاب المذكور إذا انصبت على مكان تَحوَلَ إلى جحيم لا خلاص منه. تحولت اغمات إلى قرية منسية تقتات من الفقر الذي فُرض عليها . و تحول ابن تاشفين إلى ماهو عليه اليوم .
مراكش تأسر اليوم ابن تاشفين في حطام قبر لا يستطيع أحد أن يستنتج منه أن الراقد فيه هو السلطان الذي تنسب إليه كل هذه البطولات ، بطولة الزلاقة ، وبطولة عشقه لزينب النفزاوية حتى أنه أسس مراكش تلبية لرغبتها ، و بطولة تمديده الحكم العربي بالأندلس . إنها تجعله يعيش إذلالا أسوأ من ذلك الذي فرضه على المعتمد . بل العكس هو الذي وقع ، فمنذ 1970 بُني للمعتمد بمكان أسره ضريحا فخما ،جديرا بهيبة ذكراه ، و صار مزارا يقصده الشعراء و المؤرخون و عموم السياح الذين يأتونه من مختلف أنحاء العالم ، يتعرفون فيه على وجه مكر التاريخ ، ذاك المكر الذي عبر عنه الشاعر أحمد بلحاج آية وارهام قائلا :» أعجب من لعبة القدر مع الناس في حياتهم ومماتهم ، فهذا المعتمد الذي أريد إذلاله وامتهان كرامته قد صار شامخا في مماته بهذا الضريح الذي يأويه ، أما من أذله فهو يقبع في قبر منسي بئيس داخل ضريح متآكل الجدران ، مشبع بالرطوبة ، يبول على جوانبها المشردون والسكارى ، وكأنه قبر مجهول لم تكن له في يوم من الأيام يد أسهمت في صناعة التاريخ .» مراكش اليوم هي لعنة المعتمد على ابن تاشفين
arArabic