الصفحة الرئيسيةمراكش الذاكرة

حول القبة المرابطية في مراكش .. الهندسة والمعمار

تعتبر هذه القبة[1] المتواجدة بساحة بن يوسف قبالة المسجد الذي يحمل نفس الاسم، الشاهد الوحيد على العمارة الدينية المرابطية بمراكش. هذا وللتعبير عن رغبتهم في تطهير المدينة، قام الموحدون بمجرد سيطرتهم عليها بهدم كل معالم سابقيهم المعمارية. تم اكتشاف هذا المبنى خلال الحفريات الأثرية التي أجريت بالموقع من طرف الباحثين مونيي وتيراس سنة 1948 . وقد أظهرت عملية التنقيب أن هذه القبة كانت تشكل جزءا من مسجد الأمير المرابطي علي بن يوسف الذي هُدم إثر سقوط المدينة في أيدي الموحدين سنة 1130. وتمكننا النقيشة بالخط الكوفي التي تزين قاعدة القبة، رغم تعرضها للتشويه، من قراءة اسم السلطان علي ابن يوسف وهو ما يؤكد بناءها خلال فترة حكم المرابطين.

 يتكون المبنى من تصميم مستطيل يرتكز على أعمدة جانبية وتعلوه قبة مزخرفة من الخارج بأقواس منحوتة تعلوها شاريات تؤطر نجمة سباعية الأضلاع. هذه الزخارف شبيهة بتلك الموجودة بجامع القرويين بفاس (859هـ/1135) وبقهوة القبة بمدينة سوسة (القرنين11 و12 ) وتحيط بالقبة من الأعلى شرافات مدرجة.

تنفتح القبة من جهتيها الشمالية والجنوبية بقوسين مكسورين، أما في الجهتين الشرقية والغربية فنجـد قوسين متعـددي الفـصوص. وفي الجزء العلوي تصطف مجموعة من الفتحات التي تتخذ أشكالا متعددة. هذه الأشكال الهندسية نجد لها مثيلا بمسجد باب المردوم بطليطلة الذي يشبه إلى حد كبير القبة المرابطية أيضا على مستوى التصميم. لكن هذا المبنى الأندلسي يختلف عنها على مستوى الواجهة العلوية حيث تنتظم تسع قباب إحداها، في الزاوية الشمالية، تشبه إلى حد كبير القبة المراكشية[2].

غطي داخل المبنى بقبة مضلعة تذكر زخارفها الغنية والمتعددة المصنوعة من الجص بالفن الأموي بالأندلس. فهي ترتكز على أقواس مفصصة ومتجاوزة وضعت مباشرة على إفريز يشكل قاعد القبة. ويسمح تداخل هذه الأقواس فيما بينها من المرور من الشكل المربع للقاعدة إلى الشكل المثمن الأضلاع كما تتخللها مثلثاث غنية بالزخارف النباتية التي تحيط بربعية على شكل صدفة بارزة. هذا العنصر الزخرفي المتواجد بكثرة خلال الفترة القديمة لا يمثل إلا استحضارا لماض عريق عرفته موريتانيا الطنجية[3] من قبل.

أما الفراغات الموجودة في الزوايا فتملؤها قباب صغيرة ذات مقرنصات. هذه العناصر الزخرفية القادمة من إيران وصلت إلى الغرب الإسلامي عن طريق القاهرة خلال الفترة الفاطمية[4]. تعلو هذه التشكيلة الهندسية والزخرفية قبة صغيرة ذات تقليد أندلسي أما القاعدة المثمنة التي تحملها فتنفتح بواسطة أقواس ذات أضلاع مستقيمة ومنحنية يبدو أنها مستوردة من مصر، كما نجدها بمسجد تلمسان نهاية القرن 11 وبداية القرن 12 م وبضريح السيدة عاتقة (1100-1120) بالقاهرة وكذا بالجعفرية بسرقسطة (النصف الثاني للقرن 10).

بفضل تصميمه المرتكز تحت قبة، يشبه هذا المبنى المرابطي بمراكش إلى حد كبير القباب الجنائزية، إلا أن الحفريات كشفت عن وجود بركة بداخلها وقنوات لجلب الماء إليها تعود كلها إلى فترة بنائها، وهو ما يدل على أن وظيفتها لها علاقة بالوضوء. ومما يؤكد هذا الطرح العثور بعين المكان على ميضأة مؤرخة بفترة حكم علي ابن يوسف وتنتمي للمسجد الذي بناه الأمير المرابطي وتعرض للهدم فيما بعد على يد الموحدين .

بالرغم من قلة الأبنية الدينية التي تعود للفترة المرابطية بالمغرب التي تجسد التأثيرات المتبادلة فإن هذا الصرح يندرج ضمن التقاليد الهندسية لقرطبة التي شاعت خلال الفترة المغربية-الأندلسية بكل من مراكش وفاس وتلمسان والجزائر.

————————————————

هامش

[1] تعرف أيضا بقبة الباروديين أو قبة السعديين. وتستعمل كلمة قبة عادة للدلالة على بناية جنائزية. إلا أنها تستعمل أيضا للإشارة إلى بنايات ذات تصميم شبيه بها ومختلف الوظيفة كجناح داخل حديقة أو داخل صحن مسجد.

[2] تحولت إلى كنيسة كريستودي لا لوز، وهي مؤرخة بواسطة نقيشة بسنة 999. وتنتمي إلى مدرسة طليطلة. وتصميمها منتشر بالعالم الإسلامي من إسبانيا إلى أفغانستان. وحد المرابطون تحت رايتهم بلاد إسبانيا ابتداء من سنة 1086 في حين ظلت طليطلة بين يدي المسيحيين.

[3] اسم المغرب تحت حكم الرومان.

[4] نجدها أيضا في قيروان وبجاية وقلعة بني حماد وتلمسان وفاس.

arArabic