الصفحة الرئيسيةثقافة \ أبحاث

القيم لدى كل من المعلم والباحث والصوفي / بقلم محمد الطوگي

ذ. محمد الطوكي

مقالة مهداة إلى فضيلة الأخ الدكتور جمال الدين الأحمدي، نجل العلامة اليوسفي المقاوم سيدي عبد السلام بن الشرقي،  وذلك بمناسبة تكريم مجلس مشيخة الزاوية المغارية بتمصلوحت إياه، وتخصيصه بيوم دراسي تحت شعار : ” الزاوية ودورها التربوي والتنموي”

الحضور الكريم، أحييكم داعين ومدعوين، وبورك في هذا الجمع المعطر بعرف الولاية والصلاح، والذي ترفرف على تربته وحرمه روح الولي الصالح العارف مولاي عبد الله بن حساين .

كلمتي في هذا المقام ستدور حول القيم بين درس الأخلاق في المدارس، واستشكالها في الجامعات، ومعاناة المجاهدة والتخلق في الزوايا والربط.

إن درس القيم في مؤسساتنا التعليمية قد أضحى من سقط المتاع لا قيمة له، وإذا قدر لمعلم أن يعرج عليها مر عليها باحتشام وبطريقة تقليدية تقريرية لا تلبث أن تتناسى بمجرد استظهار التلميذ واستحقاق نقطتها  وتطوى الصفحة، وتبقى مسلكيات التلاميذ على ما كانت عليه  شغب وعنف … إلخ .

وإذا قدر للقيم أن تعرض في الجامعة اشترط في معالجتها الموضوعية؛ حيث يضرب بسور بين الموضوع وذاتية الباحث ؛ ليخلص في النهاية إلى نسبية القيم، أو أن الأزمة التي نعاني منها ستنتهي بإفراز واستنبات قيم جديدة تبذذ ما نستشعره  من حيرة وقلق، وقد يذهب البعض إلى القول بأن مأساة القيم عائدة إلى بلبلة وسائط التواصل ووسائل الإعلام.

وكمثال لهذا النوع من المعالجة العلمية نسوق فقرة من محاضرات الحسن  اليوسي (ت 1102 هـ) عالج فيها سبب اصطراع القيم في عصره متذرعا بما هو نفسي وما هو اجتماعي. وهي فقرة تدل على دور مثقف عصر الوسيط وتهممه بخطورة القيم وما يشيع اليأس، واقتراح المناسب من الحلول والأفكار التي تحافظ للمجتمع على طمأنينته واستقراره. يقول “واعلم أن – ذم المعاصرين ومدح المتقدمين طبع مركوز في طينة الآدمي منذ كان، غير مخصوص بأهل زمان دون زمان،  وإن كان بعض الأزمنة  يخصها الله  بغير ما يكون في غيرها من خير  أو شر. غير أن الناس  لما دهتهم  هذه الداهية  من تأذي بعضهم ببعض، وعدم الظفر بالغرض من الغير، جعل كل  يستنقص  أهل وقته لمشاهدة البلاء  وعدم الجدوى فيهم، ويمدح من مضى، أما من لم يدركه فلتوهمه أنه على خلاف من رأى، وأما من أدركه فلانقطاع شره ووقوع الاستراحة منه مع بقاء بعض الجدوى في الوهم، ونزوع النفس إلى  الإلف المألوف، فلا تسمع  إلا فسد الزمان وذهب الناس ().

ولقاؤنا هذا حول الزاوية ودورها التربوي والتنموي يحيلنا على القيم في علاقتها بالعارفين، وهي النقطة الثالثة من بحثنا هي في نظرنا مسألة جديرة بأن توقفنا على الأصول التربوية التراثية الأصيلة التي هيمنت في العصر الوسيط وكان لها دور إيجابي في استقراره وانسجامه. وبإمكاننا دراستها بطريقة نقدية واستثمار الإيجابي منها في زمننا المتميز بأزمة القيم،  إلى حد ظهور أصوات عامية، وإن كانت خافتة ، تحاول فيما تحاول إثارة الشكوك في رأس القيم وأعني بها العلم وفضله، وتذهب بعيدا إلى حد اتهام اللغة العربية الحاملة له بالعقم والتخلف والجرأة على  التصريح باستبدالها … الخ.

إن شعار هذا اليوم الدراسي يدعونا إلى التساؤل عن معنى الزاوية ودلالة التربية.

ففيما يتعلق بالزاوية يمكن القول بأنها مقام رباني علمي تربوي واجتماعي وثقافي وسياسي.

وسأقف عند بعض سماتها، خاصة كونها مقاما ربانيا وعلميا.

فما المقصود بالرباني، لناتي بعد ذلك على  علاقته بمفهوم المقام .

الرب :

يقول ابن فارس في معجمه  “الراء والباء يدل على أصول :

1- فالأصل الأول: إصلاح الشيء والقيام عليه، فالرب المالك والخالق، والصاحب والرب المصلح للشيء، يقال رَبَّ فلان ضيعته إذا قام على إصلاحها، والرب المصلح للشيء. والله جل ثناؤه الرب ؛ لأنه المصلح أحوال خلقه.

وربَّيْت الصبي أرُبُّه وربَّيْتُه، أُرَبِّيه. 

2- الأصل الآخر: لزوم الشيء، والإقامة عليه، وهو مناسب للأصل الأول.

3- الأصل الثالث : ضم الشيء، للشيء، وهو أيضا مناسب لما قبله ().

وردت هذه الكلمة، رب، في كتاب الله قرابة ألف مرة ولا شك أن لهذا التواتر الشديد  أهميته، يقول الراغب الأصفهاني (ت502هـ)، في معجمه الاصطلاحي الخاص بغريب القرآن الكريم : “الرب في الأصل من التربية ، وهو إنشاء الشيء حالافحالا إلى حد التمام. يقال ربَّه، وربَّاه، وربَّبه. فالرب مصدر مستعار للفاعل، وفي العرف لا يقال الرب مطلقا إلا لله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات ().

فالتربية بحسب هذه الدلالات قائمة على :

– المربي  العالم بالمصالح.

– موضوع التربية: الشخص الذي يراد إيصاله إلى مستوى الكمال والانسجام.

– أخذ موضوع التربية بالنماء التدريجي من غير إكراه ولا عنف أو فظاظة.

– اعتماد طرق علمية لمباشرة هذه الفعالية التربوية.

– الغاية هي المصلحة، وتتمثل بالنسبة للإنسان في مصالحته مع نفسه وفي علاقته بخالقه، ومجتمعه، ومحيطه البيئي بجميع مكوناته.

هذا عن دلالة الرباني من تعريفنا للزاوية، فما المقام الذي يمثل الجزء الثاني من حد الزاوية ؟.

2- المقام : من الناحية الصرفية يجمع بين الحدث الذي هو القيام ضد القعود، والمكان الذي هو ظرف القيام.

والمقام من حيث علم الدلالة نقربه بما نحن فيه. إنه المجال الذي يدور فيه هذا الحدث الكلامي بأناسه بمختلف مراتبهم، وتبادلهم لأدوار الكلام، وأشيائه وكل ما يؤتثه، وبما أنه مجلس علم وذكر في تربة ولي صالح، انضاف إلى ذلك البعد الروحي الذي يشير إليه الحديث النبوي المروي عن أبي هريرة : ” ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة وتغشتهم الرحمة وتنزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده ” ()

وللمقام دلالة صوفية تربوية :

فهو كما قدمنا القيام، ومكان القيام، بالإضافة إلى حمولته العرفانية، وعلى المريد الذي يحله وينزله “أن يراعي أداء حق ذلك المقام ليدرك كماله، بقدر ما يستطيع الآدمي، ولا يجوز له أن ينتقل من مقامه دون أن يقضي حقه. فمثلا أول المقامات التوبة ثم الإنابة ثم الزهد، ثم التوكل وما شابه ذلك، فلا يجوز أن يدعي الإنابة دون التوبة، أو يدعي التوكل دون الزهد” ().

فالمقام إذا محطة أخلاقية صوفية يقيم فيها الصوفي أو المريد بإذن شيخه لفترة ويجتهد في استضمار محتواها الأخلاقي وتشربه داخليا، ثم يغادرها ويسمو إلى محطة أعلى، وهكذا إلى أن يصل إلى مرتبة الإنسان الكامل.

فمن دلالة التربية ودلالة المقام علاقة تلازم . فالتربية منهج والمقامات الصوفية الحاملة للقيم موضوع والمقصدية تخليق الإنسان داخليا واستنباتتلك القيم في شعوره ، ومتى تأصل ذلك في وجدانه انعكس في كلما ياتيه من تصرفات. فالقيم تستنبت داخليا لتنعكس بعد ذلك على الخارج لا العكس.

إن الاعتراف بوجود سلطة وجدانية ضاربة في أعماق الإنسان لهو تسليم بوجود رابطة بين شعورنا العميق وتجلياته في العالم الخارجي، فهذا الأخير هو انعكاس للأول.

فمن العادات المتأصلة والمحكمَّة في مسلكيات المغاربة، تقديرهم للعلم واعترافهم بفضله وتشجيعهم لمتحمله، وانفاقهم الطريف والتليد، تقربا إلى الله، في إقامة مؤسساته، وإكبارهم لرجالاته ورموزه.

فهذه فقرة واقعية ممثلة للمازية التي أشرنا إليها، اخترناها من السيرة الذاتية لمجتهد القرن الحادي عشر () أبي علي الحسن بن مسعود اليوسي (ت.1102 هـ) الذي يعتبر نموذجا للتربية التي أفرزتها زوايا المغرب الوسيط : يقول : في فضل العلم () من محاضراته :

“كنت في اعوام الستين وألف مرتحلا في طلب العلم فدخلت قرية في أرض دكالة، فرأيت رجلا مسنا قد لازم المسجد منقطعا عن الناس فجلست إليه مستحسنا لحاله. وفي الحديث إذا رأيتم الرجل قد أعطي زهدا في الدنيا وقلة منطق فادنوا منه، فإنه يلقن الحكمة.

فلما دنوت منه إذا هو يعظم العلم وأهله تعظيما بالغا، فازددت به عجبا، فكنت أجلس بين يديه فيحدثني ويصبرني على الغربة، ويحضني على العلم رحمة الله عليه. وأنشدني في شأن الغربة ملحونا :

     أنا الغريب المتوح    ***     صابر على كل هـَـنـَا  

إلى نتجرح ما نقول أح ***  في قلب من قطعت أنا

وأنشدني في مدح العلم ملحونا :

العلم  شمعا منيـــرا       يتنـــاوله الأكـــيـــــــــاس

ما فوق منو ذخيرا       يزول على القلب الإحساس

وأختم بفقرة يتحدث كاتبها عن دور علماء وشيوخ الزوايا في تخليق وتربية العامة. وهي فقرة مفعمة بالحنين إلى زمان جميل، كان عامة المغاربة فيه متصالحين في مؤسساتهم التربوية مع أنفسهم ومجتمعهم والكون بأسره يقول :

“كان أجدادنا متصالحين مع أنفسهم، كانت معتقداتهم جزءا من سلوكهم،فهم لا يقولون شيئا ويمارسون خلافه، كما يحدث الآن، كان ذلك مصدر الدعة والسكينة عندهم، لم يكونوا متخلفين أو رجعيين، كانوا في واقع الأمر يعيشون وفق ما يُقدَّم لهم المناخ الحضاري في سلوكهم وتفكيرهم، لم يكونوا يلجأون إلى صناع الفرجة في أفراحهم ولا إلى الممونين في طقوس مآتمهم، إنهم –أنفسهم- من كانوا يساهمون في إحياء السعيد منها، والقيام بما يستلزمه المأساوي من مساعدة ومواساة، وذاك ما كان يَمنح حياتهم نوعا من الهرمونية والانسجام في الروح والجسد

arArabic