الصفحة الرئيسيةرأي وإبداع

بيير لوي ريمون // اطلبوا اللقاح ولو في الصين

إذا كنا في حاجة إلى بلورة إضافية على دخولنا عالما متعدد الأقطاب، فلا بد أن يكون التلقيح المعيار المناسب. ثمة تكاتف إعلامي يحيط بالمنطقة الغربية طالما أن اللقاحين اللذين « غزيا » العالم منذ أن بدأت حملة التلقيح « واسعة النطاق » أمريكي من جهة، وبريطاني من جهة أخرى.
لقاحان غزيا العالم ؟ حملة واسعة النطاق ؟ هل تطابق العبارتان الحقيقة فعلا ؟
لا يوجد مفهوم أكثر التباسا وتعقيدا من «الحقيقة»…جميعنا يعلم كيف تلاعبت به إدارة ترامب بترويج «حقائق بديلة» وكيف تعقد الآن آمال عريضة على تمكن إدارة بايدن من مقاربة الحقائق بمقاييس الواقع البراغماتية.
والحقيقة الواقعة في موضوع التلقيح أن « تغريب » الخطة التلقيحية بناء على الركيزة الاقتصادية « الطبيعية » وهي أن « الثري هو من يدفع » عزز الفجوة التقليدية بين الدول الغنية والفقيرة، على خلفية جيوسياسية كرست تفجر منطق « ثنائية الأقطاب » عملا بمبدأ أن القيادات التقليدية المتحكمة في موازين القوى العالمية تضعضع شأنها بمفعول مجموعات دول صاعدة مثل « دول البريكس » ومنطقة «ميركوسور» على سبيل المثال لا الحصر.
ليس الأمر خاطئا، لكن الاضمحلال و التلاشي المسجلان في المنطقة الغربية جيوسياسيا تركا الباب مفتوحا في وجه صراع نفوذ اقتصادي شرس أخذ يسمع صوت الدول الصاعدة، لكن في معركة لم تحسم بعد.
أثار انتباهي هذا الأسبوع روبورتاج بثته خدمة الإذاعة العمومية الفرنسية تناول صعوبات المغرب في الحصول على التلقيح. فقد اشتكى متحدث باسم مجلس أطباء المغرب في موضوع مزايدات دول، غربية طبعا، « طلبت (ودفعت) خمسة أضعاف ما تحتاجه من تلقيحات »…

ليست مثل هذه المصادرات مفاجئة. وليس مفاجئا أكثر أن تصبح الأرضية مفروشة لدول مثل الصين والهند للتوجه إلى «الجنوب» في دبلوماسية اقتصادية بات تزاحم مساعي الشمال لمواصلة المعركة، هذا إن بقي أمل في الشمال أصلا لمواصلة معركة يعتبرها كثيرون خاسرة.
سمعنا هذا الأسبوع قصة طائرة الخطوط الملكية المغربية الرابضة في مدرج مطار بومباي تنتظر شحنتها من تلقيح «أسترا زينيكا» بريطاني المنشأ لكن هندي الصنع، وقد كان متوقعا أن تتسلم الشحنة منذ الـ15 من كانون الأول- ديسمبر الماضي. شحنة تضاف إلى جرعات مطلوبة من مؤسسة سينوفارم الصينية.
بدأت الجرعات تصل، رغم التأخير. وانطلقت حملة تطعيم واسعة النطاق بالمغرب. لكن ما نريد أن نلفت إليه النظر، هو أن دبلوماسية الصحة كسرت ثنائية الاستقطاب بين الشمال والجنوب إلى غير رجعة حينما كرست صعود الكتلة النامية التي أصبحت أكثر من نامية.
لم تحل دبلوماسية الصحة محل الدبلوماسية التقليدية بعد، لكنها فرضت نفسها دون نقاش. وقد أبرز الرهان الصحي الحالي أن السباق مع الزمن الذي يتنزل فيه يطابق بكل المقاييس صراع الزمن الأصلي الذي فرضه تعدد الاقتصادات و تبعيتها لبعضها.
طلب التلقيح في الصين و الهند له أكثر من دلالة : دلالة ثقافية تبرز أن ثقافة الاختراع والانتاج ثقافة مشتركة، دلالة سياسية تجبر الغرب على الترخص مع اقتصادات مبنية على معدلات نمو صاروخية، ودلالة أخلاقية، تفرض إخراج التعاملات العالمية من قوقعة أنماط التفكير والاستنتاجات الجاهزة التي صارت مأزقا.

arArabic