الصفحة الرئيسيةمنوعاتمراكش الذاكرة

تشرشل: مراكش من أجمل الأماكن في العالم 

 أرشيف المراكشية : عبد الرزاق  القاروني*

   ونستون تشرشل الملقب بالأسد العجوز، رئيس وزراء بريطانيا ومهندس النصر على النازية، خلال الحرب العالمية الثانية، والزعيم البريطاني الشهير الذي أصبح رمزا لوطنه، وصفه رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون، بكونه أعظم رئيس وزراء في تاريخ بريطانيا، خلال كلمة ألقاها في البرلمان، بمناسبة الذكرى الخمسين لرحيله. عرف بكونه من المولعين بالرسم والثقافة الإسلامية، ومن الكتاب والأدباء المميزين والغزيري التأليف، مما مكنه من الحصول على جائزة نوبل للأدب سنة 1953.   

   تعرف على مدينة مراكش سنة 1935 إثر نوبة قلبية، فأغرم بها وسكنت روحه وشغاف قلبه العليل، فصار يأتي إليها للاستجمام في فصل الشتاء، حيث كان يقيم بفندق المامونية ليكتب مذكراته أو ليرسم من شرفته لوحات فنية خلدت هذه المدينة. كما كان يجلس، من حين لآخر، على كرسي، تحت باقة من النخيل، بمحاذاة سور باب دكالة، غير بعيد عن حي الحارة ليرسم لوحاته الفنية الجميلة، والسيجار الكوبي من نوع “روميو وجولييت” لا يفارق شفتيه، حتى إنه اشتهر بمقولة “كوبا دائما على شفاهي”. 

   رسم تشرشل العديد من اللوحات عن مدينة مراكش، التي كان يسميها محبوبته، والتي وصفها تارة بأنها من أجمل الأماكن في العالم، وتارة أخرى بكونها باريس الصحراء أو المدينة التي هبطت إلى الأرض من عالم الخيال. وقال عنها للرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، مباشرة بعد مؤتمر الحلفاء بأنفا سنة 1943: “لا يمكنك أن تقطع كل هذه المسافة إلى شمال إفريقيا دون رؤية مراكش، دعنا نقضي يومين هناك، وسأكون معك عندما ترى غروب الشمس فوق جبال الأطلس”.

   وتعتبر الفترة الممتدة ما بين 1930 و1939 أغنى فترة في حياة تشرشل الفنية، التي تصل إلى نصف قرن من العطاء الزاخر والمتواصل. فبعد سقوط الحكومة المحافظة سنة 1929، فقد تشرشل حقيبته الوزارية، وتفرغ للفن، حيث رسم في هذه الفترة أغلب لوحاته التي تصل إلى حوالي 530 لوحة. 

– لوحات مراكش هدايا لرؤساء أمريكيين

   من خلال النقد التشكيلي، تعد لوحة “صومعة مسجد الكتبية” من أجمل الإبداعات الفنية واللوحة الوحيدة التي رسمها تشرشل، إبان الحرب العالمية الثانية. وقد أهداها لصديقه الرئيس الأمريكي روزفلت، غداة مؤتمر أنفا. وبعد وفاة هذا الرئيس، انتقلت اللوحة لابنه إليوت الذي باعها سنة 1950 لجورج وودورد، من مقتني اللوحات الفنية، الذي باعها بدوره للكاتب ومنتج الأفلام ومحب اقتناء اللوحات الفنية نورمان هيكمان، الذي ساهم في إنتاج فيلم حول تشرشل، تحت عنوان “الساعات الجميلة” سنة 1964. وبعد وفاة هيكمان، أصبحت اللوحة في ملكية زوجته الثانية التي منحتها لابنتها، لتباع، بعد سنوات، من طرف رواق راو للتحف القديمة بحوالي 03 ملايين دولا ر أمريكي. 

   ويحكي كينيت بوندار، نائب القنصل الأمريكي بمراكش في بداية أربعينيات القرن الماضي، أن روزفلت، بعد مغادرته لمراكش، أرسل إليه رسالة يقول فيها إنه لو سبق له أن تعلم فن الرسم، لمكث مع تشرشل بهذه المدينة، مضيفا أنه يبدو من الصعب، ضمن هذه المناظر الهادئة جدا، اسيعاب كون إفريقيا الشمالية قد أصبحت رهانا سياسيا، ومبرزا أن مراكش تبدو بعيدة كل البعد عن الحروب وإشاعاتها.

   ومن أجمل لوحات تشرشل، أيضا، لوحة تحمل اسم “مراكش”، أهداها إلى مارغريت، ابنة الرئيس الأمريكي هاري ترومان سنة 1951، الذي قال بخصوصها: “لا أستطيع التعبير عن سعادتي وتقديري لهذه اللوحة الجميلة لجبال الأطلس، سأحتفظ بها كواحدة من أثمن ممتلكاتي، وسأتركها لابنتي بعد وفاتي”. وبعد وفاة الرئيس ترومان سنة 1972، انتقلت ملكية اللوحة إلى مارغريت التي قررت بيعها في مزاد علني، بما يناهز مليون دولار أمريكي.

   وحسب فرنسيس كريستي، الخبير الفني في دار سوثبي للمزادات بلندن، فإن لوحة مراكش ليست فقط ذات أصل عريق، بل إنها نموذج رائع يدل على تألق تشرشل، وتظهر مكانا كان محببا للغاية إلى قلبه. وتعد هذه اللوحة آخر اللوحات التي رسمها تشرشل بالألوان الزيتية على قماش، وهي عبارة عن مشهد لجبال الأطلس في خلفية لأحد أبواب مراكش. 

   كانت مراكش من الأماكن المفضلة لدى الزعيم البريطاني للرسم، والابتعاد عن متاعب السياسة، والتمتع بمباهج الحياة، ومرسما مفتوحا على الهواء الطلق، ومعينا فنيا لا ينضب. وقد ترك لنا عنها لوحات تصور شوارع المدينة، وبعض معالمها وطبيعتها وسكانها، وتزخر بالألوان الفاتحة والزاهية  التي تبعث على الأمل، وتنبعث منها السكينة والطمأنينة.

– تشرشل وعائلة الباشا الكلاوي

   يعد تشرشل من أصدقاء الباشا التهامي الكلاوي. وكان وراء إقناعه بترك ابنه البكر حسن يمارس هواية الرسم، نظرا لما يتوفر عليه من موهبة في هذا المجال. وبهذا الخصوص، يقول هذا الابن: “لولا ذلك اللقاء المصيري مع ونستون تشرشل سنة 1943، لحال موقف والدي من تعلقي بالرسم دون ممارسة حياة الفنان العجيبة والمرضية هذه”، مضيفا “لم يكن بالإمكان أن أكون رساما، لولا الشهادة التي قدمها تشرشل في حقي، حينما قال لوالدي إنني أمتلك موهبة جيدة، وعلي أن أتابع دراستي في الفن التشكيلي، وذلك ما كان، فقد أصبحت تشكيليا بعد دراستي الفن بباريس. وأنا ممتن لتشرشل بهذا الجميل”. وفي إطار آخر، يؤكد هذا الفنان بأن الحادث الذي أثر في تفكير أبيه تأثيرا عميقا هو زيارة تشرشل، حيث قام الزعيم البريطاني بزيارة لمكتب أبيه، ونظر إلى لوحة معلقة هناك، فسأله عن الفنان الذي رسمها، فأجابه الباشا الكلاوي بأن هذه اللوحة هي من إنتاج ابنه حسن، فتعجب تشرشل من ذلك قائلا بأنه يظن أن هذا الشاب يرسم أحسن منه.

  وتشاء الأقدار، بعد بضعة عقود من الزمن، أن ينظم ما بين 2012 و2014 معرض بين لندن ومراكش يحمل عنوان “لقاءات في مراكش”، ضم ثمان لوحات لتشرشل و17 لوحة لحسن الكلاوي. وعن هذا المعرض، يقول هذا الأخير: “إنه لشرف عظيم، بالنسبة لي، مشاركة المعرض مع إنسان، لا يحظى بمكانة عظيمة في التاريخ فحسب، بل ولعب دورا كبيرا في حياتي”. إن تنبؤات تشرشل لم تخطئ إزاء موهبة الكلاوي، الذي أصبح اليوم أحد أشهر فناني المغرب، ومن الوجوه البارزة للفن التشكيلي على الصعيد العالمي.

– الرسم فعل علاجي

   بدأ تشرشل يرسم منذ سنة 1915. وعند بلوغه سن الأربعين، أصبح الرسم لا يفارقه أينما حل وارتحل، حتى في أهم رحلاته الرسمية. وقال، ذات مرة، بخصوص الرسم في كتابه الذي يحمل عنوان “الرسم كتسلية”: “الرسامون سعداء لأنهم لا يشعرون أبدا بالوحدة، فالضوء واللون والسلام والأمن أشياء ترافقهم إلى آخر أيام حياتهم”. لقد كان الرسم، بالنسبة له، استراحة المحارب وفعلا علاجيا، يجدد به قواه ويتداوى به من حالة الاكتئاب التي تعتريه، بين الفينة والأخرى، والتي كان يسميها بالكلب الأسود. فكلما أصيب بنوبة اكتئاب، كان يحمل الفرشاة بين أنامله، ليطلق العنان لإبداعه ليأتي عل شكل رسومات انطباعية مستوحات من فضاء وديكور مدينة مراكش والمناطق المحيطة بها. وفي هذا الإطار، تقول سارة توماس من دار سوثبي للمزادات: “بدأ تشرشل الرسم متأخرا، وكان يعتبره هواية، ولم يكن يعتبر نفسه رساما محترفا. كان شيئا أحبه حقيقة”، مبرزة “الأهم هو أنه وجد في الرسم راحة من ضغوط عمله. لقد كان عملا علاجيا، حيث كان يرسم بينما كان يفكر في الخطب والقرارات”.

– هتلر العدو اللدود لتشرشل رسام هو الآخر

   كان أدولف هتلر العدو اللدود لتشرشل، هو الآخر، رساما ماهرا، فشل في الالتحاق بأكاديمية الفنون بفيينا، فراح يرسم اللوحات المائية وعمره 18 سنة. وخلال مساره الفني، رسم هذا الزعيم النازي حوالي ألفي لوحة ما بين 1905 و1920. ومن الحقائق العجيبة عنه أنه كان يعشق الرسم والغناء، وتمنى، في فترة من حياته، أن يبقى مجرد رسام لا يهتم سوى بالحامل والسند والألوان، لكن مجريات وتفاعلات الحرب العالمية الأولى أدت إلي تغيير مساره من فنان منقطع كليا للفن إلي جندي متشرب، حتى النخاع، بالحماس الوطني لبناء الأمة الألمانية. وحول ميولاته الفنية، يقول هتلر في كتابه “كفاحي”: “لطالما تمنيت أن أصبح رساما”، مضيفا: “أنا فنان أساء من حولي فهمي”، ومصرحا، في سياق آخر: “لقد أصبحت سياسيا ضد رغبتي، لو عاد بي الزمن إلى الوراء لما اخترت الدخول إلى معترك السياسة، ولكنت فنانا أو فيلسوفا”.

   قال هتلر لتشرشل، خلال الحرب العالمية الثانية: “نحن لا نريد محاربتك، نحن نريد استسلامك”، لكن تشرشل لم يستسلم لتهديدات الزعيم النازي، ورد عليه: “هناك مواقف لا ينفع فيها الكلام، وإنما ينفع فيها القتال”، وكانت النتيجة أنه حاربه ببسالة وانتصر عليه. فهو القائل، في خطبته الشهيرة يوم 13 ماي 1940 أمام البرلمان البريطاني: “ليس لدي ما أقدمه سوى الدم والتعب والدموع والعرق… هدفنا هو النصر بأي ثمن”. 

   لقد كان تشرشل وهتلر رسامين ماهرين خلفا لوحات جميلة لعدة مناطق في العالم، لكن، في المقابل، تمكنا بآلتهما وخططهما الحربية من رسم خريطة جديدة ومغايرة للعالم، بعد الحرب العالمية الثانية، يغلب عليها الدمار ورائحة الرصاص، وتتحكم فيها عدة مستجدات في مجالات السياسة والجغرافيا والمجتمع.

– سيليا سانديس على خطى جدها تشرشل

  سيليا سانديس، الكاتبة والصحفية البريطانية، هي حفيدة تشرشل من ابنته البكر ديانا وزوجها دونكان سانديس، الوزير والديبلوماسي والسياسي البريطاني. تروي سيليا أن جدها كان مغامرا طوال حياته، وأنها كانت محظوظة بما يكفي للسفر برفقته مرات عدة، خلال الفترة الممتدة ما بين سنتي 1959 و1963. ومثل جدها، أغرمت سيليا بالمغرب ومراكش على الخصوص، فأصبحت تأتي إليهما، عدة مرات في السنة، لقضاء عطلتها أو لكتابة مقالات صحفية أو لمرافقة مجموعات من السياح عبر رحلات تشرشل إلى المناطق التي أحبها جدها كثيرا بهذا البلد أو بمراكش، التي كان يعتبرها من أحسن الأماكن في العالم. نشرت سيليا خمسة كتب حول مختلف مناحي حياة جدها الاستثنائية، وحاضرت حول شخصيته المتعددة الأبعاد في عدة بقاع من العالم، وكانت دائما تدهش وتمتع الحضور بمعرفتها الواسعة والدقيقة حول حياته الخاصة والعامة. 

– مراكش وذكرى تشرشل

   رغم وفاة تشرشل سنة 1965 عن عمر يناهز 90 سنة، فإن مراكش لا زالت وفية لذكراه، حيث تحتفظ ببعض لوازمه وأغراضه الشخصية المعروضة بجناح تشرشل بفندق المامونية، الذي يعتبر متحفا صغيرا يضم قبعته ومظلته، إضافة إلى لوحة غير مكتملة لحدائق المامونية الجميلة، التي تشهد على عشقه الكبير وزياراته المنتظمة لهذه المدينة.

*باحث وصحفي

arArabic