المراكشية: متابعة
سجلت الكميات المفرغة من منتجات الصيد الساحلي والتقليدي بالمغرب ارتفاعاً بنسبة 19 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2026، لتبلغ 965 ألفاً و832 طناً، مقابل الفترة نفسها من السنة الماضية، في وقت يظل فيه ثمن السمك بعيداً عن متناول فئات واسعة من الأسر المغربية، التي تواجه ضغطاً متزايداً بفعل غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

وتكشف الأرقام الصادرة عن المكتب الوطني للصيد مفارقة تطرح أكثر من سؤال حول انعكاس ارتفاع الإنتاج على أسعار البيع للمستهلك. فبالرغم من زيادة الكميات المفرغة، ارتفعت القيمة التجارية لهذه المنتجات بنسبة 6 في المائة، لتتجاوز 8,7 مليارات درهم، وهو ما يعكس استمرار ارتفاع القيمة الإجمالية للمبيعات، دون أن يعني بالضرورة تحسن قدرة المواطنين على اقتناء السمك بأسعار مناسبة.
وبحسب التقرير، يعود هذا النمو أساساً إلى ارتفاع مفرغات الأسماك السطحية بنسبة 25 في المائة، لتصل إلى 812 ألفاً و567 طناً، فيما سجلت مفرغات الرخويات زيادة بنسبة 7 في المائة، لتبلغ 49 ألفاً و383 طناً. في المقابل، تراجعت كميات الأسماك البيضاء بنسبة 13 في المائة إلى 79 ألفاً و185 طناً، وانخفضت مفرغات الصدفيات بنسبة 74 في المائة إلى 166 طناً، والطحالب بنسبة 12 في المائة إلى 19 ألفاً و66 طناً.
وتعيد هذه الأرقام إلى الواجهة النقاش حول الفارق بين وفرة المنتوج في الموانئ والأسعار التي يصل بها إلى الأسواق، خاصة أن السمك يشكل أحد مصادر البروتين الأساسية في النظام الغذائي، لكنه أصبح بالنسبة إلى عدد من الأسر مادة يصعب إدراجها بانتظام ضمن الوجبات اليومية، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد النفقات المرتبطة بالمواد الغذائية الأساسية.
ولا تقتصر الضغوط على السمك وحده، إذ يجد المستهلك المغربي نفسه أمام موجة غلاء تطال الخضر وغيرها من المواد الغذائية، ما يفاقم تآكل القدرة الشرائية ويجعل تدبير القفة اليومية أكثر صعوبة، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط. وفي هذا السياق، لا يكفي تسجيل ارتفاع في الكميات المفرغة أو في القيمة التجارية للمنتجات البحرية لقياس أثر القطاع على الحياة اليومية للمواطن، ما لم ينعكس ذلك على الأسعار النهائية وجودة العرض وإمكانية الولوج إلى الغذاء.
وعلى مستوى الموانئ، أظهرت بيانات المكتب الوطني للصيد أن الموانئ الأطلسية سجلت تفريغ 13 ألفاً و477 طناً، بزيادة نسبتها 7 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، غير أن القيمة التجارية لهذه الكميات تراجعت بنسبة 10 في المائة إلى 519,8 مليون درهم. أما موانئ البحر الأبيض المتوسط، فقد بلغت المفرغات بها 952 ألفاً و355 طناً، بارتفاع نسبته 19 في المائة، فيما زادت قيمتها التجارية بنسبة 7 في المائة لتتجاوز 8,16 مليارات درهم.
وتطرح هذه المؤشرات سؤالاً أساسياً حول المسافة الفاصلة بين تطور نشاط الصيد البحري وانعكاساته الاجتماعية: كيف يمكن لبلد يسجل ارتفاعاً في كميات الأسماك المفرغة أن يظل جزء من مواطنيه عاجزاً عن اقتنائها بانتظام؟ وبين أرقام الإنتاج وواقع الأسواق، تبرز الحاجة إلى فهم مسار المنتوج من الميناء إلى المستهلك، ورصد تكاليف النقل والتوزيع وهوامش الوساطة، إلى جانب عوامل العرض والطلب وتفاوت الأسعار بين المناطق.
فالمعيار الحقيقي لنجاعة سلاسل الإنتاج والتوزيع لا يقتصر على حجم المفرغات أو قيمة المبيعات، بل يشمل أيضاً مدى وصول المنتجات الغذائية إلى المواطنين بأسعار معقولة. ومع استمرار غلاء الخضر والمواد الأساسية وتراجع القدرة الشرائية، تظل قفة المغاربة الاختبار الأبرز لمدى قدرة السوق على تحويل الوفرة المسجلة في الإنتاج إلى منفعة ملموسة في الحياة اليومية.