ذ. محمد الطوكي / كلية الآداب مراكش
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه .

يقول الله عز وجل : “للذين أحسنوا الحسنى و زيادة ، و لا يرهق وجوههم قتر و لا ذلة أولائك أصحاب الجنة هم فيها خالدون .” (سورة يونس ، الآية 26) . ويقول سبحانه : “كل نفس ذائقة الموت ” (سورة آل عمران ، الآية 185) أولها بعض المفسرين قائلا : هذه تعزية الله للبشر في أنفسهم ” ففي ذكر الله عزاء من كل مصيبة و عوض من كل مرزئة(2) و من المعاني المحتفة بتعزية الله في البشر، الرحمة و المغفرة و الرضوان .و لنا في رسول الله (صلى الله عليه و سلم) الأسوة و القدوة ، فكل خطب إذا ذكرت وفاته عليه السلام يلطف وقعه .
أسرة الفقيد العزيز ، الحضور الوفي المؤبن ، إنه ليصعب على مكلوم مثلي أن يتحدث في هذه المناسبة التأبينية عن -المرحوم بعفو الله – الناقد والأديب و الطلعة سيدي عبد العزيز جسوس الذي رزئنا فيه بعد صحبة ثابتة ، الأصل بذرتها العلم و ثمرتها الإخلاص ، تراوحت بالنسبة لي بين الأربعين و الخمسين سنة ، فلم يحدث طوال هذه العقود ما يعكر صفوها أو يخدش بهاءها و رونقها ، بل كانت تزداد في كل يوم قوة و تتعمق رسوخا ، و لهذا لا غرابة عندما حم القضاء و اهتز الكيان جزعا أن تنسحب العبارة و لا تسعف تاركة المجال للصمت و الإشارة البرانية و الجوانية . وإذا كان مقام التعزية و الرثاء يستدعي ضرورة القول و استحضار شيء من مواقف الرجل و قيمه ، فإن مداخل مد القول فيه متعددة ، ويكفي أن أشير بإيجاز إلى إحداها . إنها الحكمة. وفي القرآن الكريم ” ومن يوت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ” (سورة البقرة الآية 268) . ومن أحسن ما قيل في تعريفها ” قول مجاهد و مالك : إنها معرفة الحق و العمل به ، والإصابة في القول والعمل . وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن ، والفقه في شرائع الإسلام ، وحقائق الإيمان ” (3) فمن مظاهر مكونات الحكمة التي أضحت سجية في مسلكيته رحمه الله . * أنه كان طيب السريرة مخلصا في عمله دؤوبا عليه لا يحس بالملل ينجزه بتلطف و أناقة . * ما أحصي عليه أنه نطق يوما بفحش أو هراء أو سب أو استعمل ما ينافي الأدب و يقدح في المروءة ، يناقش و يحاجج بالموعظة الحسنة و يجادل بالتي هي أحسن ، فإذا رأى شحا مطاعا، أوهوى متبعا أوإعجاب كل ذي رأي برأيه انسحب و نأى بجانبه . * صرف وكده رحمه الله في خدمة الأدب بمعناه الأخلاقي والإصطلاحي المعاصر ، و في نشر هذه اللغة التي استولى حبها على أعصابه و لم يقصر في تربية ملكتها لدى تلامذته و طلبته ، ولم يهادن في مناقشة الأطاريح من يستخف بها .
وأختم بتسجيل ذكرى جلسة جمعتني بالمرحوم خلال شهر الصيام الفارط (1446هـ) سألته ماذا يقرأ ؟ فكان جوابه كتاب الله عز و جل ، فعقبت ، أريد “إن سمحت” أن تطلعني على كيفية تلك القراءة ، لقد سبق لي أن استمتعت بتحليلك لنصوص إبداعية و أخرى وصفية , فقد اصطلح في تكوينكم الأكاديمي النقد القديم و البلاغة وانفتحتم على الحديث بأطروحتكم على النقد النفسي . فماذا عن قرائتكم للخطاب القرآني ؟ فكان جوابه : هذا سؤال إشكالي يصلح لبحث أطروحة أو جلسات لكن و باختصار مناسب لهذه اللحظة العابرة أقول : إن القرآن الكريم ببيانه الساحر خطاب تواشج فيه البعدان الجمالي و التواصلي على نحو يميز هذا الجنس على النصوص الإبداعية البشرية التي تعتد بالتلذذ بالبعد الجمالي البياني فقط ، إن مظاهر الجمالية في القرآن الكريم حاملة لجزء من تأثيره وقراءتي للقرآن الكريم تسبر هذين الغورين و تسير على الحبلين ؛ التذوق الجمالي و التحليل النفسي . قلت هذا كلام من مستوى عميق ولتقريب هذا النوع من التلقي النفسي للقارئ العادي نقدم هذا المثال . يقول سبحانه ” يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر و الصلاة إن الله مع الصابرين ” (سورة البقرة الآية 153) . ومن خلال تقديمه نجمع بين التحليل و مناسبة العزاء . ” فالآية تدعو المؤمنين إلى الاستعانة بالصبر و الصلاة استعدادا لمواجهة التضحيات و رفعا للمعنويات في إثر البلاء في الأموال و الأرواح ، و لا شك في أن الإنسان حين تصيبه الشدة تبدأ معنوياته في التدني ، و يحس بأن الأرض قد ضاقت عليه وأن المنافد قد أغلقت دونه ، و هنا يوجهنا القرآن الكريم إلى الوسائل التي تمد الإنسان في مثل هذه الحالة بالمعين الروحي و الزاد المعنوي ، و يأتي الصبر و الصلاة في مقدمة تلك الوسائل ، فالصاد في ( الصبر ، الصلاة ، الصابرين ) بتفخيمها و إعلاء نبرتها في النطق ، تشارك في إبراز هذه القوة المعنوية ، فكان الصاد بقوة أثرها السمعي تعمل بجانب أداء الصلاة و مجاهدة النفس على رفع المعنويات المنهارة .(4)
رحم الله فقيدنا العزيز سيدي عبد العزيزجسوس إنا لله و إنا إليه راجعون