المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

(4) ﻓﻘﻪ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ : ﻗﻀﺎﻳﺎ ﻧﺴﻮﻳﺔ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻓﻘﻪ ﻋﺎﺋﺸﺔ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﺎ

السبت 3 نونبر 2012

توضيح: لابد من التأكيد عليه في مستهل هذه المداخلة.
بما أننا سنتحدث عن قضايا من فقه صحابية صديقية جليلة، فننبه إلى أننا لا نفتي ولا ننشئ أحكاما أو ننزلها على أية نازلة، كل ما هنالك أننا نتحدث ونتكلم في الفقه كلاما طابعه تاريخي يروى عن أنثى عالية المركز أم من أمهات المؤمنين، ويتعلق بشؤون لها اتصال كما يقال بجمع المؤنث السالم، بمنأى عن الفتوى والاستفتاء، سنصف ونسجل بعض القيم التراثية الشرعية التي تحافظ للمرأة على كرامتها. إن للفتوى مؤسستها برجالها ونسائها المأذون لهم بالنطق بالأحكام الشرعية، ومن لا إذن له وإن كانت له أهلية، كما يقول التستري فعليه بخويصة نفسه.

إن النصوص التي سنعتمدها أصيلة، لكنها قابلة للتأويل أي أنها حمالة لعدة أوجه، ولكل عالم رؤيته ومنهجه في القراءة، وعملنا في هذه المداخلة محدود في العرض والتحليل من غير تدخل.


(4) ﻓﻘﻪ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ : ﻗﻀﺎﻳﺎ ﻧﺴﻮﻳﺔ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻓﻘﻪ ﻋﺎﺋﺸﺔ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﺎ
لم يعرف عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ضرب امرأة قط. فعن عروة عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة قط، ولا ضرب خادما له قط، ولا ضرب بيده شيئا، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء فانتقم من صاحبه إلا أن تنتهك محارم الله فينتقم"41.
 
إذا كان رسول الله صلـــى الله عليه وسلـــم قد غضب عندما ضربت عائشة بمــرأى منه ومسمع، و أنكر هذا الفعل من خليله أبي بكر، وإذا كانت عائشة تقرر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسبق له أن رفع يده على امرأة، ترى هل روعيت هذه المسلكية في كتب التفسير أثناء تأويل قوله تعالى في الناشز " فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن" النساء/34. علما بأن من وظائف ألسنة الشرح والبيان لما في كتاب الله. وقد دعيت المرأة في هذه الحالة ناشزا أخذا من الوقوف على النشز،وهو المرتفع البارز من الأرض وهي صورة حسية للتعبير عن حالة نفسية، فالناشز تبرز وتستعلي بالعصيان والتمرد.
 
سنحاول التماس الجواب على هذا السؤال المتعلق بضرب الناشز، بطريقة اعتباطية من خلال ثلاثة مصادر أحدها اعتزالي يرجع إلى العصر الوسيط، والثاني سلفي معاصر، والثالث معاصر لفقيه مغاربي، متنور.
 
1- فكيف قرأ الزمخشري جار الله محمود بن عمر (ت 538 ) تلك الاية. يقول: " أمروا بوعظهن أولا، ثم هجرانهن في المضاجع، ثم بالضرب إن لم ينجح فيهن الوعظ والهجران.
 
وقيل اكرهوهن على الجماع واربطوهن، من هجر البعير إذا شده بالهجار. وهذا من تفسير الثقلاء.
 
وقالوا يجب أن يكون ضربا غير مبرح، لا يجرحها ولا يكسر لها عظما ويجتنب الوجه. " ولا تبغوا عليهن سبيلا" فازيلوا عنهن التعرض بالأذى والتوبيخ والتجني وتوبوا عليهن، واجعلوا ما كان كأن لم يكن بعد رجوعهن إلى الطاعة وترك النشوز " إن الله كان عليا كبيرا" فاحذروه واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم. يروى أن أبا مسعود الأنصاري رفع سوطه ليضرب غلاما له، فبصر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فصاح به، أبا مسعود لله أقدر عليك منك عليه. فرمى بالسوط وأعتق الغلام.
 
وإن الله كان عليا كبيرا" إنكم تعصونه على علو شأنه وكبرياء سلطانه،ثم تتوبون فيتوب عليكم، فأنتم أحق بالعفو عمن يجني عليكم إذا رجع".42
 
فقد نسب الزمخشري الضرب بشروطه إلى آخرين، أما مذهبه فالمعاملة بالحسنى والتأسي بعفو الله وغفرانه. فعلى تاويل الزمخشري يمكن أن تكون " تخافون" خطاب لمجموع من يصلح لهذا العمل من ولاة الأمور والأزواج، فيتولى كل فريق ما هو من شأنه.وذلك نظير قوله تعالى في سورة البقرة " ولا يحل لكم أن تاخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله" الآية البقرة/ 229.
 
فخطاب لكم للأزواج وخطاب "فإن خفتم" لولاة الأمور كما في الكشاف.
 
لقد وضع الزمخشري الآية في سياقها العام وربط فيما بينها وبين الآيات المساوقة و الماثلة وانتهى إلى أن حكم الضرب ليس من حق الأزواج، وإنما هو حد، وحينئذ فمرجعيته إلى القضاء.
 
وسيستفيد من هذا التأويل العلامة محمد الطاهرابن عاشور في التحرير والتنوير.
 
2- النموذج السلفي سنسوقه من ضلال القرآن للسيد قطب.
 
" واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن".
 
هذا الإجراء أول واجبات القيم رب الأسرة. فإذا لم تنفع لهوى غالب، أو استعلاء بجمال أو مال أو بمركز عائلي أو بأي قيمة من قيم الاستعلاء، ولم تتبين بأنها شريكة في مؤسسة وليست ندا في صراع. هنا يأتي الإجراء الثاني:" واهجروهن في المضاجع"
 
المضجع موضع الإغراء والجاذبية التي تبلغ فيها الناشز قمة سلطانها، فإذا استطاع الرجل أن يقهر دوافعه تجاه هذا الإغراء، فقد أسقط من المرأة الناشز أمضى أسلحتها.وللهجر شروط:
 
- ألا يكون هجرا ظاهرا في غير مكان خلوة الزوجين.
 
- ألا يكون هجرا أمام الأطفال، لأنه يورث نفوسهم شرا وفسادا.
 
- ولا هجرا أمام الغرباء يذل الزوجة، فالمقصود علاج النشوز لا إذلال الزوجة.
 
- فإذا لم ينفع ينتقل إلى الخطوة الثالثة:
 
الإجراء الثالث: " واضربوهن"
 
ويمنع أن يكون هذا الضرب في الحالة الطبيعية العادية43 للانتقام، ويمنع أن يكون إهانة للإذلال والتحقير، ويمنع أن يكون إرغاما على معيشة لا ترضاها. بل ينبغي أن يكون ضرب تأديب مصحوب بعاطفة المؤدب المربي كما يزاول الأب مع أبنائه.
 
ولكل مرحلة حد ينبغي عدم تجاوزه.
 
وينتهي إلى القول بأن هذه التوجيهات والملابسات التي أحاطت بها ترسم صورة لصراع الرواسب الجاهلية مع توجيهات المنهج الإسلامي، وهذه تشبه صورة الصراع بين هذه الرواسب وهذه التوجيهات في شتى المجالات قبل أن تستقر الأوضاع الإسلامية الجديدة وتعمق جذورها الشعورية في أعماق ضمير المسلم.44
 
ومن مظاهر تلك الترسبات الجاهلية التي تلبست بالدين و كانت لا تعترف للمرأة بفضل، ولا تستصوب لها رأيا والتي تصدى لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإنكار، ورد الأمور إلى نصابها، والتنويه بدور المرأة في النهي عن المنكر ما روي عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: " أتت سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو امرأة أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستأذنه على أبي رافع قد ضربها. قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي رافع: مالك ومالها يا أبا رافع؟ قال: تؤذيني يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بم أذيته يا سلمى؟ قالت: يا رسول الله ما أذيته بشيء، ولكنه أحدث وهو يصلي. فقلت له: يا أبا رافع إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر المسلمين إ إذا خرج من أحدهم الريح أن يتوضأ، فقام وضربني. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ويقول:" إنها لم تامرك إلا بخير"  .45
 
ففي نظر السيد قطب، رحمه الله، أنه كلما تلاشت الرواسب الجاهلية وتبذدت كلما سما السلوك، وأشرقت معالم الود والرحمة بين الزوجين، وحل التفاهم والألفة بدل الجهالة وركوب الهوى.
 
3- تاويل محمد طاهر ابن عاشور.46 للآية:
 
"الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم، فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله.واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا".النساء/ 33-34.
 
استئناف إبتدائي لذكر التشريع في حقوق الرجال والنساء والمجتمع العائلي.
 
فالقوام من الناحية اللغوية هو الذي يقوم على أمر شيء من الأشياء فيتولاه بحسن التدبير والإصلاح. ومن ثم فقيام الرجال على النساء هو قيام الحفظ والدفاع، وقيام الاكتساب والإنتاج المالي. فإن حاجة النساء إلى الرجال مستمرة وإن كانت قد تقوى أو تضعف.
 
" والتي تخافون نشوزهن" هنا ينبغي أن نفرق بين المغاضبة والنشوز. فالمغاضبة والعصيان يعرضان للنساء والرجال ويزولان.
 
أما النشوز فهو استعلاء و إصرار على العصيان والترفع على الزوج، و إظهار كراهية لم تكن معتادة منها بعد أن عاشرته.
 
ومن ثم جعلوا الإذن بالموعظة والهجران والضرب مرتبا على هذا العصيان. واحتجوا بما ورد في بعض الآثار من الإذن للزوج في ضرب زوجته الناشز، وما ورد من الأخبار عن بعض الصحابة أنهم فعلوا ذلك في غير ظهور الفاحشة. وعندي أن تلك الآثار تحمل محمل الإباحة، وقد روعي فيها عرف بعض الطبقات من الناس أو بعض القبائل، فإن الناس متفاوتون في ذلك، وأهل البادية لا يعدون ضرب المرأة اعتداء، ولا تعده النساء اعتداء. وقد ثبت في الصحيح أن عمر بن الخطاب قال: كنا معشر المهاجرين قوما نغلب نساءنا، فإذا الأنصار قوم تغلبهم نساؤهم، فأخذ نساؤنا يتأدبن بأدب نساء الأنصار.
 
ويجوز أن يكون " تخافون نشوزهن" أن يكون المخاطب مجموع من يصلح لهذا العمل من ولاة الأمور والأزواج، فيتولى كل فريق ما هو من شأنه. وبهذا التأويل أخذ عطاء إذ قال لا يضرب الزوج امرأته ولكن يغضب عليها. قال ابن العربي في أحكامه هذا من فقه عطاء وفهمه للشريعة ووقوفه على مظان الاجتهاد، حيث علم أن الأمر هنا بالضرب إباحي، ووقف على الكراهية من طريق أخرى، كقول النبي صلى الله عليه وسلم" ولن يضرب خياركم". و أنا أرى لعطاء نظرا أوسع مما رآه ابن العربي، و أنه وضع هذه الأشياء مواضعها بحسب القرائن ووافقه على ذلك جمع من العلماء. قال ابن العربي: وانكروا الأحاديث المروية بالضرب. و أقول تأولوها.
 
ولذلك يكون المعنى"واللاتي تخافون نشوزهن" أي تخافون سوء مغبة نشوزهن، ويقتضى ذلك بالنسبة لولاة الأمور أن النشوز رفع إليهم بشكاية الأزواج.و أن إسناد فعظوهن على حقيقته، والوعظ لا حد له، و أما إسناد " واهجروهن في المضاجع" فعلى معنى أنه أذن للزوج في ذلك، و إسناد " واضربوهن" فهو حد يتولاه ولاة الأمور .فالضرب خطير وتحديده عسير، وقواعد الشرع لا تسمح لأحد بأن يقضي لنفسه.
 
ويختم قائلا:" يجوز لولاة الأمور إذا علموا أن الأزواج لا يخشون وضع العقوبات الشرعية مواضعها، ولا الوقوف عند حدودها أن يضربوا على أيديهم، ويعلنوا لهم أن من ضرب امرأته عوقب، كيلا يتفاقم أمر الإضرار بين الأزواج، لاسيما عند ضعف الوازع الديني"47.
 
محمد الطوكي / كلية الاداب مراكش
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]

محمد الطوكي / كلية الاداب مراكش

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل