المصدر: الصحافة الإسرائيلي (الجزيرة)
تتزايد في إسرائيل خلال الأسابيع الأخيرة الأصوات التي تحذر من اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن “إنجازات كبرى” و”نصر متحقق”، وبين واقع ميداني أكثر تعقيدا يكشف استمرار قدرة الخصوم على الصمود، وإعادة تنظيم صفوفهم، وفرض أثمان متواصلة على الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

هذه المراجعات لا تقتصر على الأداء العسكري المباشر، بل تمتد إلى جوهر المنظومة الاستخبارية والسياسية التي تبني عليها إسرائيل قرارات الحرب وتقديرات الحسم. فمن إيران إلى لبنان، وقبل ذلك في قطاع غزة، يتكرر النمط ذاته: تقديرات متفائلة بشأن الردع، ومبالغة في قياس الضرر الذي أصاب الخصم، وافتراض أن الضربات القاسية ستؤدي سريعا إلى انهيار الإرادة المعادية أو إسقاط النظام أو فرض تسوية بشروط إسرائيلية.
لكن الوقائع، مرة بعد أخرى، تسير في اتجاه مختلف، وتكشف عن أن ما يُقدَّم للجمهور باعتباره نصرا ليس بالضرورة سوى صورة سياسية وإعلامية مؤقتة، سرعان ما تتآكل تحت ضغط الميدان.
خطاب نصر لا يسنده الواقع
ينطلق الكاتب المخضرم في صحيفة يديعوت أحرونوت ناحوم برنيع -في مقال نشره الاثنين السادس من أبريل/نيسان الجاري- من نقد مباشر لخطاب “النصر العظيم”، معتبرا أن الوقائع نفسها لا تسنده. فإسقاط طائرات، واستمرار قدرة الخصم على إصلاح منظوماته والرد بالصواريخ والمسيّرات، كلها مؤشرات تناقض الاحتفالات السياسية. ويرى أن المشكلة لا تكمن فقط في الأداء العسكري، بل أيضا في طبيعة القيادة السياسية التي تستبدل بالتقييم الموضوعي خطابا تعبويا موجّها للجمهور.
واعتبر أن الحرب باتت لا تعود مجالا لإدارة عقلانية للمخاطر، بل تتحول إلى منصة لإنتاج الوهم: وعود بإسقاط النظام، وإيحاءات بحسم قريب، واحتفاء بنتائج ينافيها الواقع.
وتكتسب ملاحظة برنيع أهمية أكبر حين يربطها بمسألة أعمق، ألا وهي عجز الاستخبارات والسياسة عن التنبؤ بانهيار الأنظمة أو صمودها. فإسرائيل، مثل غيرها، أخطأت في تقدير مصير النظام السوري، وأخطأت في قراءة قدرتها هي نفسها على تجاوز صدمة السابع من أكتوبر سياسيا.
وأمام خلاصة حادة وواضحة، وهي أنه لا توجد معادلة ثابتة تقول إن الضربات القاسية تُسقط الأنظمة، ولا إن تصفية القادة تؤدي تلقائيا إلى تفكك البنية المعادية‘ إذ إن التنظيمات والأنظمة المتجذرة اجتماعيا وأيديولوجيا تستطيع امتصاص الضربات وإنتاج قيادات بديلة، بل وقد تصبح أكثر تطرفا لا أكثر مرونة، كما يزعم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في خطاباته المتكررة.
تقدير استخباري خطأ
ومن زاوية استخبارية أكثر تخصصا، تتناول خبيرة الأمن القومي شيرا بارابيباي شاحام -في مقال نشرته يديعوت أحرونوت أمس الثلاثاء- الخلاصة التي وصل إليها برنيع، إذ ترى شاحام أن الإخفاق ليس حادثة منفصلة، بل إنه نمط متكرر: مبالغة في تقدير الردع الإسرائيلي، ومبالغة في تقدير حجم الضرر الذي يلحق بالعدو بعد كل جولة قتال. ومن هذا المنظور، فإن المفاجآت التي ظهرت في سلوك حزب الله، كما في صمود النظام الإيراني، لا تُفهم باعتبارها استثناءات، بل باعتبارها نتيجة مباشرة لخلل منهجي في التقييم.
فالأجهزة الإسرائيلية -وفق شاحام- لا تخطئ فقط في فهم قدرات الخصم، بل تخطئ أيضا في فهم نيته، وفي تقدير المدة التي يحتاجها لاستعادة قدراته، وفي قياس أثر الضربات على قراره السياسي والعسكري.
وهنا تتبدى المفارقة الأخطر، وهي أن كل جولة قتال تُسوَّق داخليا باعتبارها إنجازا في الردع، لكن الجولة التالية تكشف أن الردع كان أضعف مما قيل، وأن العدو استعاد جزءا كبيرا من قدرته بسرعة أكبر مما قُدّر. وهذا ما حدث قبل السابع من أكتوبر 2023 مع حماس، وما يتكرر مع حزب الله بعد حرب 2024، وما يظهر أيضا في الحرب على إيران.
وما يجمع هذه الحالات هو الميل إلى قراءة الخصم من زاوية الرغبة الإسرائيلية لا من زاوية منطقه الداخلي؛ بمعنى أن إسرائيل افترضت أن خصومها سيتصرفون وفق كلفة الخسائر والتكلفة العالية التي تعرضوا لها، بينما يتصرفون وفق عقيدتهم وشبكاتهم التنظيمية، وقدرتهم على امتصاص الألم، وحساباتهم الطويلة الأمد. من هنا يصبح الردع الإسرائيلي أقل فاعلية مما يُفترض، وتصبح تقديرات “إضعاف العدو” و”تحييده” أقرب إلى أماني مؤسساتية منها إلى خلاصات راسخة.
لذلك تدعو شاحام مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي إلى تخصيص فرق تحقيق وتعلم للتعامل مع تشخيص أسباب الفشل المستمر، ونظام المفاهيم الخطأ، ثم تطوير آليات تقييم أكثر تواضعا ودقة، فضلا عن سيناريوهات متشائمة تميل إلى “الأسوأ” وليس “الأفضل”.
“من الأفضل أن تكون مستعدا للغاية، ومتيقظا للغاية، ومتشائما للغاية بشأن ما هو متوقع حدوثه، بدلا من رسم صورة غير دقيقة تنتهي بتقييمات متفائلة وربما متسرعة عن “إزالة” التهديدات و”إضعاف وردع” المنظمات مثل حماس وحزب الله. وحتى ظاهرة التفاؤل غير المبرر تثبت أنه حتى بعد أن يقوم الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية بالتحقيق مع أنفسهم، فلا مفر من لجنة تحقيق خارجية ستجري تحقيقا شاملا ومهنيا في الإخفاقات المنهجية والمشاكل المتأصلة”.
معضلة الإستراتيجية
أما المحلل العسكري في صحيفة هآرتس عاموس هارئيل، فيضيف -في مقال نشر أمس الثلاثاء- بُعدا ثالثا لا يقل أهمية، جاء فيه أنه حتى حين تحقق القوة الجوية والضربات المركزة نجاحا تكتيكيا كبيرا، فإن تحويل هذا النجاح إلى نتيجة إستراتيجية يظل معضلة قائمة. فالهجمات على إيران قد تكون أضعفت البنية القيادية وألحقت أضرارا واسعة، لكنها لم تدفع النظام إلى المرونة أو الاستسلام، بل ربما جعلته أكثر تصلبا وعنادا. وبذلك ينهار الافتراض الذي ساد في بعض الدوائر الإسرائيلية والأمريكية، الذي مفاده أن الضربات المكثفة ستفتح الطريق سريعا إلى صفقة كبرى أو إلى انهيار سياسي داخلي.
وفي هذا السياق، يبدو أن الحرب لا تُنتج ما وعد به خطابها التمهيدي. فبدل أن تؤدي الضغوط إلى كسر الإرادة الإيرانية، قد تدفع النظام إلى مزيد من التشدد، وبدل أن تمنح إسرائيل شعورا بالأمان، تتفاقم الخسائر على الجبهة الداخلية، وتظهر محدودية مخزون صواريخ الاعتراض، وتتوسع الفجوة بين صورة التفوق العسكري وصعوبة فرض نتائج نهائية على الخصم.
ولخص هرائيل حالة النظام الإيراني بأنه “نظام أضعف لكنه أكثر شرا وأكثر تطرفا”، مما يعبّر عن مأزق القوة: القدرة على الإيذاء لا تعني القدرة على إخضاع الخصم.
وتزداد الصورة تعقيدا حين ينتقل هذا المنطق إلى الساحة اللبنانية، فإسرائيل -بعد الضربات السابقة ضد حزب الله- أنتجت لنفسها رواية نصر أو شبه حسم زائفة، وروّج سياسيون وجنرالات وعلى رأسهم نتنياهو لفكرة أن الحزب فقد دوره التاريخي أو تم كسره، وتحول الإنجاز العسكري الجزئي -في الخطاب العام- إلى “هزيمة كاملة” للخصم، بينما كان الواقع أبعد كثيرا من ذلك.
فسرعان ما كشف اندلاع الجولة الحالية عن أن هذه القراءة كانت متسرعة، فالحزب، حتى بصيغة أكثر محدودية وانتشارا، ما زال قادرا على فرض كلفة موجعة ومتواصلة، وإطلاق الصواريخ والمسيّرات، وإعادة تنظيم نفسه ضمن مفهوم قتال مختلف معتمدا على حرب العصابات ونجاحه في امتصاص الضربات طوال فترة التهدئة واستثمارها في إعادة تأهيل صفوفه وقدراته.
تعويض الفشل بالخطابات
لا تقف تداعيات هذه الإخفاقات عند حدود التقدير الأمني، بل تمتد إلى المجال السياسي والإستراتيجي الداخلي. فعندما تُبنى قرارات الحرب على فرضيات متفائلة إلى مستويات الأمنيات الشخصية، ثم يتبين أنها غير دقيقة، تجد القيادة الإسرائيلية نفسها مضطرة إلى تعويض الفجوة عبر تصعيد الخطاب، أو تأجيل الحسم السياسي، أو تصدير روايات نصر زائف لتخفيف الضغط الداخلي.
وعليه، يصبح الحديث عن “الضربات الحاسمة، والعصر الحجري، وكسر الأعداء، والقوة العالمية” أداة لإدارة الرأي العام وامتصاص حالة الغضب واليأس بقدر ما هو وصف للواقع.
لكن المشكلة أن هذا الأسلوب يراكم فجوة خطرة بين توقعات الجمهور وبين ما تستطيع المؤسسة السياسية من خلفها العسكرية تحقيقه فعلا.
وقد ظهر ذلك بوضوح في غزة ولبنان وإيران، فالفجوة بين الأماني الشخصية ضمن حملات الدعاية الانتخابية وإعادة ترميم الصورة المرتبطة بفشل السابع من أكتوبر/تشرين الأول عبر الخطابات والتصريحات النارية التي تصطدم بواقع يستنزف كل شيء في الجبهة الداخلية. وبهذا لا يصبح الفشل الاستخباري مجرد خطأ مهني، بل يتحول إلى عامل يولد ارتباكا إستراتيجيا، ويضع القيادة السياسية أمام مأزق مزدوج: عجز عن الحسم، وعجز عن الاعتراف بحدود القوة في الوقت نفسه.
ومن ثم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في إسرائيل ليس فقط: لماذا لم يتحقق النصر الكامل؟ بل أيضا: لماذا تصر المؤسسة السياسية والأمنية على تعريف النصر بطريقة لا يثبتها الميدان؟
وبين الفشل في التقييم وأوهام الحسم، تبدو إسرائيل أمام معضلة أعمق من نتائج معركة بعينها: معضلة فهم حدود القوة، وحدود الاستخبارات، وحدود القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى استقرار سياسي وإستراتيجي دائم.
المصدر: الصحافة الإسرائيلي
(الجزيرة)