المراكشية — الموقع الإخباري الأول في المغرب — تأسس سنة 2005
عاجل
أخبار

ما وراء الحرائق والنهب .. فرنسا تكشف الوجه الآخر لأزمة القدرة الشرائية

(إعداد المراكشية  (خاص

هل يمكن أن تتحول الاحتجاجات التي اجتاحت فرنسا يوم السبت 17 أكتوبر إلى بداية «خريف غربي» يعيد إلى الأذهان موجة «الربيع العربي»، لكن هذه المرة في قلب أوروبا، حيث تتسع الهوة بين تكاليف المعيشة وقدرة المواطنين على تحملها، وتتزايد الانتقادات للسياسات الاقتصادية والاجتماعية؟

مبنى البلدية التاريخي في ليموج يعود القرن 19
مبنى البلدية التاريخي في ليموج يعود القرن 19

السؤال يفرض نفسه أمام حجم التعبئة الشعبية، واتساع رقعة الاحتجاجات، وانتقالها من المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية إلى مواجهات عنيفة وعمليات نهب وتخريب طالت متاجر ومؤسسات عامة.

غير أن إطلاق تسمية «الخريف الغربي» يظل، في هذه المرحلة إرهاصات، أكثر منه وصفاً لحركة سياسية متبلورة. فالاحتجاجات الفرنسية لا تعكس بالضرورة مساراً موحداً في أوروبا، كما أن أوجه التشابه مع الربيع العربي لا تلغي الاختلاف في السياقات السياسية والمؤسساتية، ولا في طبيعة المطالب والفاعلين. لكن ما حدث يكشف عن أزمة ثقة اجتماعية تتجاوز الغضب الظرفي من الأسعار، لتطرح أسئلة حول قدرة النموذج الاقتصادي والاجتماعي الأوروبي على حماية الفئات المتوسطة والهشة من تراجع قدرتها الشرائية وتدهور بعض الخدمات العامة.

مئات الآلاف في الشوارع.. والعنف يطغى على المطالب الاجتماعية

وبحسب الأرقام التي أوردتها وكالة رويترز وصحيفة «لوموند» الفرنسية، شارك في احتجاجات السبت ما يقارب 550 ألف شخص وفق وزارة الداخلية، بينما رفع المنظمون التقدير إلى نحو 800 ألف مشارك. وانطلقت تجمعات عديدة بصورة سلمية، قبل أن تتحول بعض بؤرها إلى مواجهات وأعمال تخريب ونهب وإضرام النار في ممتلكات عامة وخاصة.

وشملت الأضرار مدناً عدة، من بينها باريس ومرسيليا وبوردو وليموج وليون وليل. وتعرضت متاجر ومؤسسات عامة للتخريب، فيما شهدت ليموج حريقاً خطيراً في مبنى البلدية التاريخي الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، وأفادت السلطات بأن النيران تسببت في أضرار جسيمة وانهيار أجزاء من المبنى. كما تعرض مكتب السياحة في ليون للتخريب والحريق، وشهدت مرسيليا اقتحام مبنى البلدية، فيما طالت أعمال النهب متاجر في مدن أخرى.

وأعلنت الحكومة الفرنسية، في حصيلة أولية مساء السبت، توقيف نحو 1200 شخص وإصابة 150 عنصراً من الشرطة والدرك. لكن وزير الداخلية أشار صباح الأحد إلى ارتفاع عدد الموقوفين إلى نحو 1800 شخص، وفق ما نقلته وكالة رويترز ووسائل إعلام فرنسية. وأوردت رويترز كذلك أن عدد أفراد قوات الأمن المصابين تجاوز 500.

وعلى مستوى الخسائر البشرية، توفي أحد المشاركين في باريس إثر توقف قلبي خلال الاحتجاجات، وفق رويترز، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن الوفاة نتجت مباشرة عن أعمال العنف. كما أصيب فتى يبلغ 17 عاماً بإصابة خطيرة أدت إلى بتر يده في مدينة سانت إتيان، في واقعة نُسبت إلى قنبلة أطلقتها الشرطة، وفتحت بشأنها تحقيقات لتحديد ظروفها والمسؤوليات المحتملة.

الخسائر المادية.. متاجر منهوبة ومبانٍ عامة مهددة

في بوردو، تحدث عمدة المدينة عن تعرض ما يصل إلى مئة متجر للنهب. وفي ليموج، وصفت السلطات الأضرار التي لحقت بمبنى البلدية التاريخي بأنها جسيمة، فيما اعتبر رئيس البلدية أن إعادة تأهيل المبنى تتطلب تمويلاً كبيراً. أما في مرسيليا، فأُعلن عن مساعدات مالية طارئة لدعم التجار المتضررين.

وفي القطاع التجاري، نقلت رويترز عن الرئيس التنفيذي لمجموعة «كارفور» أن نحو 50 متجراً تابعاً للمجموعة تعرضت للأضرار، بينها 20 متجراً جرى نهبها، مع خسائر تُقدّر بعشرات ملايين اليوروهات. ويظل هذا الرقم متعلقاً بالمجموعة وحدها، ولا يمثل إجمالي فاتورة الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الفرنسي.

وتشمل الخسائر أيضاً كلفة إصلاح الواجهات والمرافق العامة، وإعادة تأهيل المباني التاريخية، وتعويض التجار، وتنظيف الشوارع، فضلاً عن الأثر المحتمل على النشاط التجاري والسياحي في المناطق المتضررة. ومن المنتظر أن تتضح الصورة المالية بصورة أفضل بعد عمليات الجرد وتقييم الأضرار من قبل السلطات وشركات التأمين.

غلاء المعيشة أم أزمة النموذج الاقتصادي؟

لا يمكن تفسير ما حدث باعتباره احتجاجاً على ارتفاع الأسعار وحده. فالمطالب التي جمعت الطلاب والنقابات والعاملين وفئات اجتماعية مختلفة شملت أيضاً ظروف التعليم، ونقص المدرسين، وتراجع جودة الخدمات العامة، والاعتراض على سياسات الإنفاق العمومي والتفاوت الاجتماعي.

وتفيد التغطية الفرنسية بأن الحركة بدأت باحتجاجات مرتبطة بأوضاع المدارس ونقص الأطر التعليمية في بعض الضواحي، قبل أن تتسع لتضم فئات متضررة من غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة. وهذا التوسع يعكس تراكب أزمات متعددة: ارتفاع تكاليف السكن والطاقة والغذاء، ومخاوف بشأن الأجور والمعاشات، وشعور قطاعات من المجتمع بأن النمو الاقتصادي لا ينعكس بالقدر نفسه على ظروف عيشها.

وفي تحليل نشرته «لوموند» يوم 16 أكتوبر حول تطور القدرة الشرائية الفرنسية، ربطت الصحيفة موجة ارتفاع الأسعار التي بدأت سنة 2018 بزيادة أسعار الوقود، وهي من العوامل التي غذّت احتجاجات «السترات الصفراء». كما ربطت موجة التضخم بين 2021 و2023 باضطرابات الاقتصاد العالمي بعد جائحة كورونا، وارتفاع أسعار الطاقة بفعل الحرب في أوكرانيا، وزيادة أسعار الحبوب عالمياً.

أما الموجة الأحدث من التضخم، فأرجعها التحليل إلى ارتفاع أسعار المحروقات على خلفية الصراع في الشرق الأوسط، إلى جانب زيادة أسعار بعض المنتجات الغذائية الطازجة منذ الصيف، متأثرة بعوامل من بينها موجات الحر والجفاف.

وتؤكد هذه المعطيات أن الحروب ضاعفت الضغوط على الأسر من خلال الطاقة والنقل والإنتاج الغذائي. كما أن الأزمة أعمق من التضخم المسجل في مؤشراته الرسمية؛ إذ قد تستمر الأسر في الشعور بتراجع قدرتها الشرائية حتى عندما تتباطأ وتيرة ارتفاع الأسعار، لأن ذلك لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة. كما أن التوتر الاجتماعي يرتبط أيضاً بخيارات الضرائب والإنفاق العام، ومستوى الأجور، وتكاليف السكن، وتفاوت فرص التعليم والخدمات، ومدى شعور المواطنين بالإنصاف في توزيع الأعباء الاقتصادية.

ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة سنة 2027، يمنح هذا التصعيد القوى السياسية فرصة لتقديم قراءاتها للأزمة، لكنه يرفع في الوقت نفسه كلفة الفشل في معالجة أسبابها الاجتماعية. فالتحدي لا يقتصر على استعادة النظام في الشوارع، بل يمتد إلى استعادة الثقة في قدرة السياسات العمومية على حماية القدرة الشرائية، وتحسين التعليم والخدمات، وضمان توزيع أكثر إنصافاً للأعباء الاقتصادية.

وهنا يعود السؤال الأول: هل نحن أمام بداية «خريف غربي» جديد، أم أمام موجة احتجاج فرنسية واسعة ستبقى مرتبطة بخصوصية اللحظة السياسية والاجتماعية في البلاد؟

لا تسمح أحداث يوم واحد بحسم الإجابة. لكن المؤكد أن ما جرى يتجاوز مشاهد التخريب، ويكشف عن تراكم غضب اجتماعي تتداخل فيه الأسعار والخدمات العامة والتفاوتات الاقتصادية مع تأثيرات الأزمات الدولية. وستكون قدرة الحكومة على الاستجابة لهذه المطالب، لا فقط على ضبط الشارع، العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت هذه الاحتجاجات عابرة أم بداية مرحلة أوسع من الاضطراب الاجتماعي.

المصدر: وكالات 

اقرأ أيضًا

الطقس

أوقات الصلاة

صيدليات الحراسة

💊 صيدلية باب اغمات
💊 صيدلية المواسين

المصدر: نقابة صيادلة مراكش