الصفحة الرئيسيةملفات خاصةمراكش الذاكرة

كيف قُتل القاضي عياض ومتى ظهر ضريحه في مراكش؟

خاص بالمراكشية : مداخلة د. محمد بنشريفة في ندوة “من جامعة ابن يوسف إلى جامعة القاضي عياض .. حصيلة تسعة قرون من ثقافة أصيلة ومتميزة

لقد نظمت منذ سنوات ندوة حول القاضي عياض، وصدرت اعمالها عن وزارة الاوقاف المغربية في ثلاثة اجزاء كما خصصت مجلة المناهل” التي تصدرها وزارة الثقافة المغربية عددين للقاضي عياض وبلده سبتة ومع ذلك فما تزال ثمة جوانب لها صلة بالقاضي في حاجة إلى الكشف عنها ولعل منها الموضوع الذي اخترت الاسهام به في هذه الندوة وهو

حول ضريح القاضي عياض متى ظهر ؟ وكيف تم ظهوره وقبل الوصول الى هذا الموضوع لا بد من الاشارة الى ان المؤرخين اختلفوا في كيفية موت القاضي عياض، فمنهم من ذهب الى انه سم، وقال بعضهم أنه قتل قعصا بالرماح، وزعم آخرون أنه قتل في الحمام غير أن رواية ولد القاضي وهي اقدم رواية تظل أقرب الروايات الى الاخذ بها،

فهو يصف الظروف التي وصل فيها والده الى مراكش فيقول : فوصلها والحال متغيرة عليه فأقام بها تحت رقبة الى ان اجتمع بسيدنا أمير المؤمنين دام نصره (يقصد عبد المومن)، وكان منه رحمة الله عليه – من الكلام المنظوم والمنثور ما استعطفه به حتى رق له وعفا عنه …. وأمره بلزوم مجلسه واظهر تقريبه ومحبته وكان يسأله فيستحسن جوابه، فاقام على تلك الحال ومنزلته تزداد كل يوم سموا ورفعة، الى أن خرج أدام الله تأييده الى غزوة دكالة وخرج صحبته فعرض بعد مسير مرحلة، فاذن له في الرجوع، فرجع الى الحضرة، فأقام بها مريضا نحوا من ثمانية أيام ثم مات – عفا الله عنه ليلة الجمعة -نصف الليل التاسعة من جمادى الآخرة من عام اربعة واربعين وخمسمائة، ودفن بها في باب أيلان داخل السور قدس الله روحه ونور ضريحه (4)

ويفهم من صيغ الدعاء في هذا الكلام أنه كتب وعبد المومن على قيد الحياة، وهو في جملته يشي بان فم كاتبه كان مملوء بالماء، وهل ينطق من في فيه ماء ؟ ومهما يكن من أمر في نهاية القاضي فان من الثابت انه حمل مقيدا من سبتة الى مراكش وتوفي بها مغرباً عن بلده وبيته واهله، كما غرب ولده الوحيد فيما نعرف بان عين قاضيا في دانية البعيدة، وذلك بعد ان اصابه اعتقال و امتحان (5)، ثم وقع تعتيم مقصود على عياض ومؤلفاته اثر ذلك، بل ان قبره درس رسمه، وعفا اثره ولما تمض عليه مدة مديدة ولولا عناية ربانية تداركته و”عطفة” مراكشية تناولته لما كان هذا الضريح المشيد والمقام الجليل المعروف

اليوم الذي يقوم دليلا على تكريم العلماء الاتقياء وينتصب شاهدا بتعظيم الفقهاء الأولياء فكيف اذن بان قبر عياض بعد عفاء، وظهر عقب خقاء، ذلكم ما يحدثنا عنه نص جديد لم يستغله احد من قبل فيما احسب وقد ورد في سير اعلام النبلاء للحافظ الذهبي، وذلك من خلال ترجمة القاضي عياض في الجزء العشرين من طبعة هذا الكتاب التي وصلت الينا تامة في المدة الاخيرة، وها هو النص كما نقل من طرة بالاصل المخطوط للكتاب المذكور نظن انها هذه الطرة هي من الحاقات الذهبي، قال :

– اخبرني الشيخ الامام ابو عمر وابن جماح (6) ان قبر القاضي عياض بناحية باب اغمات كذا من مراكش بازاء كنيسة كانت هناك وكان لا يعرف لدروسه، واستيلاء النصارى على مدفنه وما حوله حين اباحه لهم بعض الملوك، وان في سنة اثنتي عشرة وسبع مئة أو قبلها، او بعدها بقليل أراد الله تعالى اظهار قبره فغضب ابو يعقوب المريني على نصاری ،مراكش، واباح أموالهم للمسلمين، فنهبت ديارهم وتخيلوا ان النصارى يدفنون الحلي التي لهم مع موتاهم، فحملهم ذلك على نبش القبور التي حول الكنيسة، فبيناهم كذلك، واذ ظهرت علامة قبر القاضي وتاريخه، ففرح الفقهاء بذلك، وامر القاضي ابو اسحاق ابن الصباغ بتسوية ما حول القبر، واشهاره واظهاره، وبني عليه قبة عظيمة ذات اربعة اوجه والزم الفقهاء بالتردد الى هناك لتلاوة القرآن ليشتهر القبر.

قال لي ابو عمرو : انا جنت الى القبة المذكورة ودعوت الله تعالى، فاستجاب لي والله أعلم (7)

قلت ان هذا النص جديد لم يستغله احد من قبل ان الاستاذ دو فردان الذي قضى عقودا من السنين يبحث في اضرحة مدينة مراكش لم يجد ما يقوله في تاريخ بناء ضريح القاضي عياض، وكل ما عنده ان الاحتمال ضعيف جدا في أن يكون الموحدون فكروا في اقامة ضريح لهذا البطل المالكي (8) كما ان له رأيا في شاهد القبر سنعرض له فيما بعد.

ومن هنا نعرف قيمة النص الذي بين ايدينا، فهو يشير الى مجموعة من الاحداث ويتضمن جملة من المعطيات التاريخية، وهي اخبار ومعطيات يصدقها ميزان النقل، ويقبلها برهان العقل.

يتبع

arArabic