الصفحة الرئيسيةملفات خاصةمراكش الذاكرة

عادات سكان مراكش في رمضان: عار الجار على جارو

 (أرشيف المراكشية)بقلم أحمد الرافعي

يبدو أن حرص مراكشيي المدينة العتيقة, مع اختلاف تلوينات ساكنة أحيائها الشعبية, على التمسك بإحياء التقاليد والطقوس الرمضانية, نابع من تجذر هذا الموروث, إلى حد بعيد, في ذاكرة المدينة التي ظلت تنهل من عبقه وتغرف من معين تاريخه.

ولا غرابة أن يجد الزائر, قبل أيام من حلول رمضان, عبر أبواب المدينة العتيقة والتواءات أزقتها الضاربة في القدم, فضاءات تجارية صغرى أحدثت بالمناسبة, هي عبارة عن “سويقات” منتشرة هنا وهناك, تضيق بما جمعت, لكنها تسع ساكنة تتحرك بحيوية ونشاط لا يخلوان من دعابة مراكشية, عند اقتناء لوازم هذا الشهر الفضيل.

يعرض الحرفيون أدوات ومتطلبات المائدة الرمضانية من أواني خشبية وفخار وما إلى ذلك من مستلزمات, بينما تتأهب ربات البيوت لمقدم “سيدنا رمضان” لإعداد الذخيرة والمستحضرات اللازمة, في الوقت الذي تستعد فيه فئة الشباب مستبشرة بمطلع هذا الشهر الكريم لاحتراف بيع أي شيء من حلويات وفطائر وعجائن أو خضر وفواكه موسمية وغيرها من المتطلبات التي يتزايد الإقبال عليها في شهر الصيام.

وسواء ولج الزائر المدينة من أبوابها التاريخية المعروفة أو من مداخلها الأمامية أو الخلفية المحدثة, فإنه, لا محالة, سيدرك أن رمضان مراكش داخل أسوار المدينة العتيقة وأحيائها الشعبية يكتسي نكهة خاصة, ذلك أن تلقائية السكان وعلاقاتهم الإنسانية وحميمية تواصلهم اليومي بقلوب مفتوحة, مثل أبواب بيوتهم, تحمل هذا الزائر على الاعتقاد بأن الأمر يتعلق بأسرة واحدة في بيت واحد.

وتتعدد صور تجليات هذه الحميمية لدى ساكنة المدينة العتيقة, عبر تقديسهم لبعض المفاهيم الاجتماعية الأصيلة والآخذة في الاندثار حاليا, وهو ما يبعث على الأسف, ويأتي في مقدمتها مفهوم “الجار”, حيث يشكل شهر رمضان والتحضير لمقدمه مناسبة للسؤال عن الجيران, وتفقد أحوالهم وما إذا كانوا في حاجة إلى شيء ما.

وتشكل مشاطرة الجيران لبعضهم أفراح أول صيام لأطفالهم من خلال اقتسامهم أجواء الفرحة فيما بينهم, أحد أبرز مظاهر الحب والتآخي بين الجيران, إذ تضم مائدة بيت الطفل في صيامه الأول في بعض الأحياء المراكشية الشعبية سبعة أصناف من التمور والحساء “الحريرة” والبيض والشباكية أو البغرير وغيرها من الحلويات, وترد هذه الأصناف من بيوت الجيران السبع الأقربين تعبيرا منهم عن الفرحة والمشاركة في هذا الحدث السعيد.

وبخصوص إعداد الحلويات والمستحضرات الرمضانية عموما, من طحين وتوابل ومقومات أخرى, فيتم عادة بطرق جماعية ويبدأ قبل أسبوعين أو أكثر, حتى يتسنى للجيران أولا برمجة مواعيد التحضير بين الجيران والمساهمة الجماعية ثانيا في مساعدة من هم في ضائقة أو حاجة من الجيران بتمكينهم من اقتناء هذه المتطلبات وذلك دون إحراجهم أو التقليل من قيمتهم داخل دائرة الجوار في الحي.

أما “الجورة”, كما يصطلح عليها وفق العرف المراكشي, فهي نابعة من تعاليم الديانة الإسلامية والسنة النبوية الشريفة, فلا يمكن لأحد الجيران, على سبيل المثال, أن يتعشى “شواء” دون أن يذيق منه جاره, الذي لابد وأن يكون اشتم أهله رائحة هذا الشواء, خاصة وأن بيوت المدينة لصيقة ببعضها, وبالتالي لا يجوز, من الناحية الأخلاقية, أن يأكل المرء لحما فيما يتأوه جاره جوعا, وهذا أكثر من عربون على شيم النبل والشهامة والمروءة.

ولمزيد من التأكيد, يقال بأن الوجبات التقليدية المراكشية الشعبية, من طنجية ورفيسة أو “تريد”, وكسكس, أعدت لتؤكل جماعة, والجماعة في عرف المراكشيين القدامى, تعني أهل البيت والجيران, و”عار الجار اعلى جارو” ماهي إلا دليل على رسوخ التكافل والتآزر بين الجيران, كما تتجلى هذه العلاقة في أبهى صورها التضامنية من الناحيتين الدينية والدنيوية, في منتصف شهر رمضان وفي ليلة ال27 منه (ليلة القدر), حيث تخرج نساء الدرب في جماعات لأداء صلاة التراويح, قبل إعدادهن لوجبة “الكسكس” التي تخصص لرواد المساجد في هذه الليلة المباركة ثم تقاسم فرحة العيد وإخراج زكاة عيد الفطر, من خلال التزاور والتوادد على اعتبار أن الجار, يندرج ضمن الأهل والأقارب, وأن صلة الرحم تشمله في المقام الأول, فهو يحظى بنصيبه من زكاة الفطر إذا كان محتاجا, مثلما يجد الجار الفقير في عيد الأضحى من يتولى شأن أضحيته.

وينبغي التذكير في هذا المجال, أن النسيج العمراني التقليدي في مراكش, كان يجمع بين الميسورين والمتوسطين والبسطاء جنبا إلى جنب, فـ”الرياض” يتواجد بـ”قاع الدرب” محاطا بدور التجار المتوسطين والحرفيين البسطاء, وكانت هذه التركيبة تسمح بل وتساعد على إشاعة ثقافة التضامن الاجتماعي الذي تساهم طقوس رمضان في ترسيخها.

arArabic