“من بومباي الى جامع الفنا و من اليوغا الى الدقة المراكشية
خيسوس غريوس بدأ استاذا لليوغا ثم فنانا موسيقيا و انتهى كاتبا مغامرا . غادر إسبانيا و عاش في الهند و طاف في أنحاء العالم من باريس إلى لندن إلى نيويورك و استقر به المقام بمراكش عاصمة الجنوب المغربي . اشتهر بروايته زرياب” التي استلهم فيها التراث الاندلسي .
في هذا الحوار يتحدث خيسوس عن قصته مع مراكش و علاقته بسكانها و طرائف إقامته بها ، عن الحياة في الدرب وشغب الأطفال . ويحكي عن سكانها السريين من شخصيات وازنة من كتاب و سينيمائيين و مبدعين أجانب …

حاوره: عبد الصمد الكباص (أرشيف مراكش)
سؤال : ما الذي يجعل كاتبا إسبانيا كخيسوس غريوس يختار مراكش مكانا لإقامته ؟
خيسوس : في حالات كثيرة من الحياة لا نستطيع الاختيار . فربما كما يقول المراكشيون المكتوب هو الذي قادني الى هذه المدينة . فبعد إنتهائي من كتابة روايتي زرياب انقطعت عن زيارة المغرب لمدة طويلة . بعدها جئت مرة واحدة إلى مراكش فسقطت في شباك عشقها و قلت مع نفسي هذه مدينتي سأعود إليها ذات يوم و أبقى فيها .
سؤال : في أية سنة كان ذلك ؟
خيسوس :
في بداية التسعينيات . لماذا حدث ذلك ؟ في تقديري فالكاتب في حاجة الى القليل من المغامرة . في إسبانيا لم أعثر على ما يشبع هذه الحاجة . الأكيد أن الوضع هناك في كثير من مستوياته الاقتصادية و الاجتماعية مريح لكن حس المغامرة لم يعد متاحا . بالعكس في المغرب ما زال بإمكانه ان يمنح هذه الفرصة و إن كان ذلك يتقلص يوما بعد يوم بسبب توغل مظاهر العولمة و منطقها .
أنا في مراكش مثلا أمكث في بيتي بالمدينة العتيقة أكتب محاطا بصمت سحري . و بعدها أخرج لأجد نساء الدرب يتحدثن مع بعضهن و كذلك الرجال و الأطفال .بعضهم يزور البعض في بيته و الجيران منفتحين على بعضهم . بمعنى آخر هناك حياة حميمية و دفء و هي أشياء لم تعد بإسبانيا .
سؤال : ماذا تعني بالضبط المغامرة بمراكش بالنسبة اليك ، هل هي لقاء أشخاص مختلفين و لغة مختلفة و ثقافة مغايرة ؟
خيسوس :
الدرجة اكتشاف ثقافة مختلفة . و بالتالي يمكنني أن أذهب للعشاء عند صديق فألتقي شاعرا فرنسيا و مخرجا إنكليزيا و سيناريست أمريكي و تشكيلي هولاندي و فنانة إنكليزية تشتغل في الاوبرا ولها مشروع لإنجاز أوبرا بمراكش و رسام مغربي ..يعني خليط من مختلف الثقافات و لقاء شخصيات مهمة مبدعة في مجالات متنوعة . يحدث هذا في مراكش لأنها أصبحت اليوم مدينة عالمية .
سؤال: جئت الى مراكش بعد انتهائك من كتابة رواية تاريخية عن زرياب ، ألم يؤثر عالم شخصية زرياب في اختيارك العيش بمراكش التي ربما جئت تبحث فيها عن أثر لهذه الشخصية و فنها في الحياة ؟
خيسوس :
ربما أن آثار ثقافته مازالت موجودة بمراكش . وأكثر من ذلك فهي مدينة مثقفة ، مدينة الفنون والموسيقى و الإبداع و الكتابة . إنها مدينة المبدعين و المغامرين القادمين إليها من مختلف أنحاء العالم . مثلا هناك سيناريست أمريكي معروف في سنه الستين يقيم بها منذ عشرين سنة .
زد على ذلك هذا الحضور المهم للثقافة الأندلسية بهذه المدينة . فالأندلس التي فقدت بإسبانيا مازالت آثارها في حياة الناس بمراكش و ثقافتهم ، في الأدب كذلك و الفلسفة . لحسن الحظ مازالت مراكش مدينة حية بالنسبة للثقافة …
سؤال :عندما قدمت الى مراكش لأول مرة ما الذي أثارك فيها ؟
خيسوس:
أولا الفضاء أي المدينة العتيقة و السور التاريخي و الجبال و المكللة بالثلوج و النخيل و خضرة الأشجار و الحمرة الحالمة أي كل هذه الأشياء المكونة لالتباس و غموض جمالها …لكي تلجها عليك أن تدخل من أحد أبواب وتتوغل في المسارب و الممرات الضيقة الملتوية لكي تفهم ماهي قليلا . لذلك كان ضروريا بالنسبة إلي أن أتحدث بالدارجة لغة الناس من أجل فهم عالمهم . لا أستطيع أن أمر من هذه الزنقة أو هذا الدرب أو هذا السوق دون أن أتمكن من معرفة عن ماذا يتحدث الناس. فالإقامة في مدينة ليست هي التواجد في المكان فقط و إنما التواصل مع إحساس الناس ..
سؤال:
اخترت السكن ببيت قديم بحي القصبة و هو حي عتيق بالمدينة، كيف تحس بعلاقتك بالمراكشيين ؟ كيف ينظرون إليك ؟ هل تحس أنهم يعتبرونك مراكشيا منهم ويعاملونك على هذا الأساس ؟
خيسوس :
ليس لي أي مشكل بالدرب الذي أعيش فيه فكل السكان يعرفونني و يتحدثون معي. لكن ما أفكر فيه من حين لآخر هو كيف ينظرون إلي ، فأنا الغريب وسطهم ولن أكون أبدا مغربيا بالنسبة إليهم ..
سؤال: و ماذا عن تعاملهم معك ؟
خيسوس :
إنه تعامل عاد . لامشاكل فيه . وهم يحترمونني كما أحترمهم . يتكلمون معي كلهم كبارا وصغارا . وعندما أمر بدراجتي من الدرب قد يعترض سبيلي طفل ليطلب مني إيصاله إلى مكان ما .
سؤال : لكن ألا يجد أوروبي مثلك عاش في مدينة أوروبية كل شيء فيها منظم بصرامة ، صعوبة في العيش بدرب عتيق بمدينة قديمة كمراكش ؟
خيسوس :
(يضحك ) في بعض الأحيان هناك صعوبة . مثلا الأطفال يلعبون الكرة في الدرب في كل يوم وفي كل وقت . إنهم يقيمون مقابلة مفتوحة طيلة السنة وهذا يحدث بعض الضجيج المزعج قليلا . كما أنني لم أكن متعودا على العيش في أماكن ضيقة . في المدينة العتيقة كل شيء ضيق الدروب و الأزقة و الممرات . لذلك فأنا أذهب من حين لآخر إلى أوريكا و الفضاءات المفتوحة ..
سؤال : لكن هل تفضل العيش في المدينة العتيقة أم المدينة الحديثة ؟
خيسوس :
بالطبع في المدينة العتيقة .
سؤال : لماذا ؟
خيسوس :
بسب الثقافة التي تنبض فيها . إذا كنت سأسكن في جيليز مثلا فلأعش بمدريد أحسن . لكن أفضل العيش في المدينة العتيقة لأنني أرغب أن أحس دائما أنني أوجد خارج إسبانيا..
سؤال: أنت تداوم على الذهاب إلى كافي دو فرانس بساحة جامع الفنا لتراقب الحياة هناك و تحتسي كأس نعناع ساخن . ماذا تعني لك هذه الساحة ؟
خيسوس :
الساحة تتغير كثيرا و مع الأسف هناك تغيرات تناقض روحها ، لكن لحسن الحظ” الحلاقي ” مازالت تحافظ على وجودها بها . إنها تجمع كبير للحكواتيين و الموسيقيين و الممثلين و هذا ما يثيرني فيها و هو شيء اختفى من العالم بكامله و لم يعد موجودا إلا بها .
و الأهم من كل ذلك فهي شيء غير قابل للضبط . مثلا لا أحد يستطيع أن يتحكم في ما سيقوله الحلاقي . إنها فضاء عمومي للحرية ، أي” آغورا ” عجائبية . لذلك أعتقد أن جامع الفنا حرية حية و تلقائية وهو شيء نادر في العالم اليوم الذي كل شيء موجه و متحكم فيه عن بعد …
سؤال : منذ سنة 2000 و أنت تقيم بشكل دائم بمراكش هل خدم ذلك عملك ككاتب ؟ وهل حفز مشروعك الإبداعي ؟
خيسوس :
بالطبع . ففي هذا الصباح فقط تلقيت مكالمة من ناشري بمدريد يؤكد لي موافقته على نشر عملي الجديد الذي يحمل عنوان ” قصص مغربية ” . و هوثمرة لإقامتي بمراكش استلهمته مما سمعته و رأيته هنا . و هناك كذلك المعجم الخاص بالدارجة المغربية و الاسبانية الذي لم يكن له ان يتاح لي كفكرة لولى حياتي بمراكش …
سؤال: في ماذا يفيد أن تكتب كتابا عن حياة مغربية و تقترحه على قارئ إسباني ؟
خيسوس :
إنه شيء مهم بالنسبة إليه لأنه سيمكنه من أخذ صورة عن تطور الحياة بالمغرب و تبديد الأحكام المسبقة التي تملأ أذهان الإسبانيين بخصوص المغاربة .
سؤال :هل تشكل مراكش بمعنى ما بالنسبة اليك منفى خارج الزمان ؟
خيسوس :
نعم ، إنها منفى اختياري ممتع . هناك جملة مشهورة لخوان غويتيصوللو تقول : من الخارج ترى جيدا ما يحدث عندك …
سؤال : كيف تعيش بمراكش ؟ و كيف ترتب يومك بها ؟
خيسوس :
أستيقظ في الصباح الباكر وبعد الفطور أشرع في الكتابة من السابعة صباحا إلى الواحدة و النصف ظهرا ، و في ما بعد الظهر أخرج لأرى المدينة و الناس أو لاستنشاق الهواء بالضواحي .. أنا جد مشغول هذه الأيام لأنني بصدد إنهاء مشروع سيناريو الفيلم الذي سيخرجه مخرج إنكليزي معروف سيحل بمراكش نهاية هذا الأسبوع ..
سؤال : هل تدور أحداثه بمراكش ؟
خيسوس:
لا بسيدي إيفني..
سؤال : أنجزت معجما للدارجة المغربية و اللغة الاسبانية ، كيف جاءت فكرة هذا المشروع ؟
خيسوس :
لأنه في إسبانيا الكثير من الناس يرغبون في تعلم الدارجة المغربية . هناك اهتمام أقوى بها لدواعي ثقافية أو مهنية أو حياتية . منهم من يرغب في العيش بالمغرب و منهم من أنشأ مشروعا و يهمه التفاهم مع من يساعدونه و منهم من يرغب في التواصل مع ثقافة السكان ..لذلك فكرت في قاموس لتلبية هذه الحاجة ..يضم المعجم تقريبا 4500 كلمة و الألاف من الأمثلة و العبارات المتداولة في سياقات مختلفة ..
سؤال : كيف وجدت الدارجة المغربية ؟
خيسوس:
لها علاقة بلغة منطقة الأندلس .و لها عمق شعري قوي . و طريقة الناس في التعبير جد طريفة وجميلة ..
سؤال: كيف نلخص مسارك فقد بدأت صحفيا ثم موسيقيا ثم رجل يوغا ثم كاتبا مغامرا ؟
خيسوس :
بدأت بالموسيقى وبعدها اكتشفت عالم اليوغا فأصبحت أستاذا فيها و أنشأت مجلة تعرف بثقافتها و ذهبت الى الهند و عشت هناك . قضيت تقريبا سبع سنوات في عالم اليوغا .و بعدها أشتغلت كموسيقي وانشأت فرقتين موسيقيتين جلنا بهما العالم و قدمنا عروضا بأشهر المدن كنيويورك و وباريس و لندن و غيرها .. بعدها اشتريت منزلا بميوركا فقررت المكوث فيه و التفرغ للكتابة وبعدها جئت إلى مراكش …
سؤال : عشت بالهند سبع سنوات و الآن بمراكش كيف تقارن بين عالميهما؟
خيسوس :
الاختلاف كبير بينهما . اليوم لست أدري حجم التغيرات التي حدثت بالهند لأن العولمة تتحرك في كل مكان .. انشغلت أكثر بالعالم الروحي للهند فهناك تنوع كبير..في جنوب الهند وجدت امرأة تعيش في العراء يعاملها الناس كولية صالحة يأتون اليها بأطفالهم لكي تباركهم . و عندما سألتهم عن قصتها قالوا أنها جاءت الى هناك قبل عشرين سنة ومكثت بمكانها متحدثة بلغة غريبة لا أحد يفهمها و أخذت تفعل أشياء غريبة فجعلوا منها قديسة ..إنها أشياء لا تحدث إلا في الهند كأولئك الصلحاء الذين يتجولون عراة في الطريق ..
سؤال: في النهاية ماهي مراكش بالنسبة اليك ؟
خيسوس : إنها بيتي . إنها مكاني الهادئ و دهشتي الدائمة … و عندما أذهب الى إسبانيا أشعر بنفسي غريبا هناك ..