المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

ﻓﻘﻪ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ : ﻗﻀﺎﻳﺎ ﻧﺴﻮﻳﺔ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻓﻘﻪ ﻋﺎﺋﺸﺔ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﺎ (3)ا

السبت 27 أكتوبر 2012

توضيح: لابد من التأكيد عليه في مستهل هذه المداخلة.
بما أننا سنتحدث عن قضايا من فقه صحابية صديقية جليلة، فننبه إلى أننا لا نفتي ولا ننشئ أحكاما أو ننزلها على أية نازلة، كل ما هنالك أننا نتحدث ونتكلم في الفقه كلاما طابعه تاريخي يروى عن أنثى عالية المركز أم من أمهات المؤمنين، ويتعلق بشؤون لها اتصال كما يقال بجمع المؤنث السالم، بمنأى عن الفتوى والاستفتاء، سنصف ونسجل بعض القيم التراثية الشرعية التي تحافظ للمرأة على كرامتها. إن للفتوى مؤسستها برجالها ونسائها المأذون لهم بالنطق بالأحكام الشرعية، ومن لا إذن له وإن كانت له أهلية، كما يقول التستري فعليه بخويصة نفسه.

إن النصوص التي سنعتمدها أصيلة، لكنها قابلة للتأويل أي أنها حمالة لعدة أوجه، ولكل عالم رؤيته ومنهجه في القراءة، وعملنا في هذه المداخلة محدود في العرض والتحليل من غير تدخل.


ﻓﻘﻪ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ : ﻗﻀﺎﻳﺎ ﻧﺴﻮﻳﺔ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻓﻘﻪ ﻋﺎﺋﺸﺔ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﺎ (3)ا
فقه عائشة ومنهجيتها في استنباط الأحكام:
 
  بما أن الفقه كما قدمنا هو عبارة عن أحكام شرعية جزئية مرجعيتها كامنة في الأدلة التفصيلية. فنحن بحاجة إلى التعرف على منهجية عائشة رضي الله عنها في استنباط الأحكام.
 
من خلال استقراء ما وصلنا من الأحكام عنها، نلاحظ أنها اعتمدت على:
 
1- القرآن الكريم: كان والدها أبو بكر من حفظة كتاب الله، وكتبة الوحي15، ولا شك أنه حرص على تحفيظ ابنته ما شاء الله من القرآن، وعندما حظيت بزواج الرسول عليه السلام توفرت جميع الدواعي لحفظه كله، وقد ذكر الزرقاني16 في مناهل العرفان العوامل الكثيرة التي توفرت في كتاب الله وساعدت الصحابة على حفظه، وعوامل أخرى تتعلق بالصحابة أنفسهم فمكنتهم من حفظ كتاب الله كله.
 
ويذكر السيوطي(ت 911ه) في الإتقان17 بعض هؤلاء القراء بأسمائهم التي وردت في كتاب القراء المنسوب إلى أبي عبيدة (ت 210ه). وفيهم من زوجات النبي عليه السلام، عائشة وحفصة وسلمة.
 
وإذا كان جمع القرآن في صحف قد أخذ طريقة رسمية في عهد الخلــفاء الراشدين فقد كان إلى جانب ذلك محاولات فردية من قبل بعض الصحابة مثل أبي بن كعب وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري. وهناك من استعــان بمن يكتب له كعائشة رضــي الله عنها. فعن أبي يونس مولى عائشة أم المؤمنين أنه قال: أمرتني عائشة، رضي الله عنها أن أكتب لها مصحفا، ثم قالت إذا بلغت هذه الآية: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" فآذني" .18
 
ومن خصائصها رضي الله عنها نزول بعض الآية بسببها. كنزول آية التيمم بسبب عقدها حين حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، وقال لها أسيد بن حضير: ماهي بأول بركاتكم يا آل أبي بكر"19 وإذا فقد كان لها مصحفها، ويعتبر من مراجع أحكامها، فقد وعته وسألت عما لا تعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت موضوعا لآيات من كتاب الله تعالى وشاهدة على نزول مجموعة من الآيات. وعلى سبيل المثال.فعن سورة النساء قالت عائشة رضي الله عنها كما في صحيح البخاري:" ما نزلت سورة البقرة وسورة النساء إلا وأنا عنده"20. وقد سميت هذه السورة بسورة النساء في المصاحف وكتب السنة وكتب التفسير ولا يعرف لها اسم آخر. ودعيت سورة الطلاق بسورة النساء الصغرى، وميزت عنها بسورة النساء الطولى. وقد اشتملت على أحكام كثيرة أكثرها تشريع معاملة الأقرباء وحقوقهم وعلاقة الأزواج فيما بينهم.
 
2- الأحاديث النبوية: يبلغ مسند عائشة الفين ومائتين وعشرة من الأحاديث( 2210) اتفق لها البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين ( 174 ). انفرد البخاري بأربعة وخمسين ( 54)، وانفرد مسلم بتسعة وستين ( 69 ). 21 ومسند الإمام أحمد الخاص بعائشة رضي الله عنها ينيف على ذلك. ولم يخرج عن الأحكام منها إلا القليل." قال الحاكم أبو عبد الله فحمل عنها ربع الشريعة"22 .
 
وقد قيل في حقها " خذوا شطر دينكم عن الحميراء...23 روى عنها خلق كثير فيهم والدها و امها أم رومان وعندما ذكر ابن حزم أسماء الصحابة الذين رويت عنهم الفتوى في الأحكام قدم عائشة على سائر الصحابة 24 فكان مقامها فيهم مقام الأستاذ من التلاميذ، فقد كان عمر بن الخطاب يحيل عليها كل ما يتعلق بأحكام النساء، أو بأحوال النبي البيتية.25
 
3- طرق الاستنباط:
 
  لم يكن الصحابة وفيهم عائشة بحاجة إلى تأسيس علم شرعي يعنى بالجرح والتعديل، فحملة الحديث والقراء معروفون يعايشهم الصحابة ويعرفونهم معرفة معتبرة، فمن جرب عليه الكذب أو أقيم عليه حد معروف، والفاسق والمنافق كذلك. كما أنهم لم يكونوا بحاجة إلى علوم الآلة التي استحدثت فيما بعد من نحو صرف ولغة وبلاغة، فبمجرد سماع النص يهتدون لمعناه ويفهمون مقاصده، ويستنبطون منه الحكم.
 
فقد قدمنا أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت على دراية بأسباب النزول، ورواية الأحاديث النبوية كما أنها حجة في أيام العرب و أنسابها، وراوية بامتياز لأشعار العرب، فلا تكاد مناسبة تسنح إلا وأنشدت فيها ما يلائمها من الأشعار، وربما أنشدت في المقام الواحد القصيدة من ستين بيتا، ناهيك عن استحضارها لمنطق الشرع أو المنهجية التشريعية وعلى رأسها خصوصية الفهم الإجمالي لأهداف القرآن الكريم والسنة النبوية ومقاصدها القائمة على العدالة الاجتماعية. وتأسيسا على ما تقدم سننظر في بعض القضايا النسوية التي تفقهت فيها.
 
أ- استدراكاتها على الصحابة: ألف العلامة بدر الدين الزركشي مؤلفا طريفا في هذا الموضوع أسماه: " الإجابة لا يراد ما استدركتــه عائشة على الصحابة، "لخصــه الحافــظ السيوطــي في جزء سمــاه:" عيــن الإصــابة في استــــدراك عائشة على الصحابة".26
 
والاستدراك يدخل في إطار تحقيق متن الحديث، فلربما سقطت منه كلمة أو جملة و بالتالي فإن الحكم المستنبط يصبح فيه مقال. والاستدراك يعيد للحديث أصالته. وهذه أمثلة من كتاب بدر الدين الزركشي: "تجد فيه أنها رضي الله عنها استدركت على كثير من الصحابة فهمهم للحديث، أو خطأ في استنباط من حكم آية أو وهما في سبب النزول، أو اجتهادا فيه مشقة على الناس"27 .
 
فمن ذلك أنه:
 
- قيل لعائشة إن أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، الشؤم في ثلاث: في الدار والمرأة والفرس. فقالت عائشة " لم يحفظ أبو هريرة. إنه دخل و رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قاتل الله اليهود. يقولون: الشؤم في ثلاثة في الدار والمرأة والفرس. فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله".
 
- وقد جاء الإنكار على وجه آخر كما جاء في مسند الإمام أحمد ... أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: " إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار". قال: فطارت شقة منها في السماء وشقة منها في الأرض وقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأة والدابة والدار".
 
ثم قرأت عائشة: " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبراها". الحديد/22.
 
قال بعض الأئمة: ورواية عائشة في هذا أشبه بالصواب إن شاء الله لموافقته نهيه عليه الصلاة والسلام عن الطيرة نهيا عاما، وكراهتها وترغيبه في تركها بقوله " يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب، وهم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون"28. وقد تبعها في ذلك ابن عباس، والامام مالك وقد سئل عن ذلك فقال: تفسيره فيما أرى والله أعلم، كم من دار قد سكنها أناس فهلكوا، ثم سكنها آخرون فهلكوا، ثم سكنها آخرون مملكوا29 و تاسيسا على ذلك قال ابن قتيبة: وأما الحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الشؤم في المرأة والدار والدابة" فإن هذا الحديث يتوهم فيه الغلط على أبي هريرة وأنه سمع فيه شيئا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعه".30
 
فمفاد هذا الحديث أن المرأة ليست مما يتطير منه أو يتشاءم، بل إن هذا الأمر منهي عنه لأنه يؤدي إلى الشرك بالله.
 
- وعن عائشة أنه ذكر عندها ما يقطع الصلاة: الكلب والحمار والمرأة. فقالت شبهتموني بالحمر والكلاب.والله لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأوذي النبي صلى الله عليه وسلم فانسل عند رجليه.31
 
- عن عروة قال: بلغ عائشة أن أبا هريرة يقول: إن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم قال:" لأن أقنع بسوط في سبيل الله أحب إلى من أعتق ولد الزنا"، و أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ولد الزنا شر الثلاثة". فقالت عائشة: رحم الله أبا هريرة أساء سمعا فأساء إجابة... 32 وأما قوله: ولد الزنا شر الثلاثة فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من يعذرني من فلان؟ قيل يا رسول: إنه مع ما به  ولد زنا. فقال  " هو شر الثلاثة" والله تعالــــى يقول: " ولا تزر وازرة وزر أخرى". و أخرج عن سفيان عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت في ولد الزنا: ليس عليه من وزر أبويه شيء، لاتزر وازرة وزر أخرى.33  
 
وأخرج ابن أبي شيبة وغيره في باب الإمامة في الصلاة. كانت إذا سئلت عن ولد الزنا؟ قالت: ليس عليه من خطيئة34 أبويه شيء . "ولا تزر وازرة وزر أخرى" الأنعام/ 164.
 
ب- لقد روت عائشة رضي الله عنها أخبار باطنية من حياة الرسول عليه السلام ما كان لنا لولا بقية أزواجه عليه السلام أن نعرفها، من ذلك ما روته عنه عليه السلام أنه " كان يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويساعد أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متفهما وعلى دراية بنفسية عائشة، جاء في مسند أحمد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يقول لها إني أعرف غضبك إذا غضبت ورضاك إذا رضيت فقالت وكيف تعرف؟ قال إذا غضبت قلت: يا محمد و إذا رضيت قلت: يا رسول الله. وفي سياق التلطف معها قالت:" خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، و أنا جارية لم أحمل اللحم و لم أبدن، فقال للناس تقدموا. فتقدموا. ثم قال لي: تعالي حتى أسابقك، فسابقته فسبقته. فسكت عني حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت، خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس تقدموا فتقدموا، ثم قال: تعالي حتى أسابقك فسابقته، فسبقني فجعل يضحك وهو يقول: هذه بتلك"37.

محمد الطوكي/ كلية آداب مراكش
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
محمد الطوكي/ كلية آداب مراكش

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل