مدونة مؤقتا لنكون معكم داخل البيوت … لنكن متفائلين
المراكشية : بوابة مراكش

​المسجد الجامع بباب دكالة بمراكش تاريخ بناء المسجد/3


د. عثمان عثمان إسماعيل | حرر بتاريخ 18/05/2020



عرفت المملكة المغربية نهضة معمارية متنوعة إبان عصر الأشراف السعديين. وقد شملت تلك النهضة مختلف أنواع العمارة الإسلامية من حربية كبناء الأسوار والحصون والأبراج والقلاع، ودينية كبناء المساجد والزوايا والأضرحة والقباب، ومدنية كتشييد القصور والمساكن والمصانع وغرس البساتين وتصميم المياه، ونتناول الآن بإيجاز دراسة بعض النماذج من العمارة الدينية لعصر الأشراف السعديين. وسوف لا يكون من قبيل الصدفة أن يقع اختيارنا على بعض روائع مدينة مراكش المعمارية، فقد كانت عاصمة الجنوب الحالية، قاعدة ملك السعديين ومقر سلطانهم وكرسي خلافتهم



 ذكر جورج مارسيه أن السيدة مسعودة بنت أحمد والدة السلطان أحمد المنصور السعدي أسسته عام 965 هـ ( 1557م)(13).
لكن الشيخ أبا العباس أحمد السلاوي يعطينا في الاستقصا تفاصيل اسم ونسب المؤسسة وهي الحرة مسعودة أم المنصور بنت الشيخ الأجل أبي العباس أحمد بن عبد الله الوزكيتي الورززاتي الصالحة الحريصة على اقتناء المفاخر الراغبة في فعل الخير، ثم يضيف السلاوي نقلا عن صاحب المنتقى، أنها أنشأت المسجد الجامع بحومة باب دكالة داخل  مدينة مراكش ووقفت عليه أوقافا عظيمة وكان ذلك سنة خمس وتسعين و تسعمائة(14).

ويعرض السلاوي قصة تزعمها العامة في سبب بنائها للمسجد المذكور خلاصتها أنها دخلت يوما بستانا من بساتين قصورها وهي في حالة الوحم فرأت به خوخا ورمانا فتناولتهما وأكلت منهما في نهار رمضان ثم ندمت وفعلت أفعالا كثيرة من باب البر رجاء أن يتجاوز الله عنها، ومنها الجامع المذكور(15).
وهكذا نجد أنفسنا أمام تاريخين  مختلفين تفصل بينهما مدة ثلاثين عاما كاملة حيث أرجع مارسيه تاريخ البناء إلى 965 هـ بينما يذكر نص ابن القاضي (في المنتقى) الذي أورده السلاوي تاريخ 995 هـ. ومن المعلوم أن الحرة للا مسعودة الوزيكنية أنجبت ولدها أبا العباس أحمد الملقب فيما بعد بالمنصور من زوجها السلطان أبي عبد الله الشيخ بفاس سنة 956 هـ(16).

وقد ولى المنصور السعدي الخلافة بعد واقعة وادي المخازن سنة 986 هـ(17)، وتوفي سنة 1012 هـ(18) كما توفيت والدته الحرة للا مسعودة فاتح سنة ألف(19) للهجرة.

فإذا نظرنا الآن إلى تاريخ ولادة المنصور السعدي سنة 956 هـ باعتباره أحد سنوات الحمل بالنسبة للسيدة للا مسعودة، فإنه يبدو من ظاهر الأمر أن التاريخ الذي أورده مارسيه لتأسيس المسجد سنة 965 هـ يكاد يكون مقبولا على ضوء قصة الحمل والوحم ورغبة الحرة للا مسعودة في التكفير عن ذلك بعمل الخير وبناء المسجد الجامع.

ومع هذا، فإننا لا نقبل الأخذ بتاريخ مارسيه ونفضل التاريخ الذي نقله صاحب الاستقصا لعدة أسباب. وأول هذه  الأسباب التي تجعلنا نستبعد سنة 965 هـ باعتبارها غير ملائمة لتأسيس مثل ذلك المسجد الجامع، ما رواه المؤرخون من أنه (في سنة خمس وستين وتسعمائة كان بالمغرب وباء عظيم كسا سهله وجباله وأفنى كماته وأبطاله واتصل أمره إلى سنة ست وستين بعدها)(20).

ولا شك أن حالة الوباء وفناء الرجال الذي عم المغرب يجعلنا نستبعد سنتي 965 هـ و966 هـ حسبما أشار النص المذكور الذي يفيد عدم رواج الفلاحة والاقتصاد وتوفر الصناع المهرة. كما يمكن أن نلاحظ أن زوج للا مسعودة ووالد أبي العباس أحمد وهو السلطان أبو عبد الله الشيخ، قد مات مقتولا سنة 964 هـ وتولى بعده ولده الغالب بالله الذي تع سنة 965 هـ في مدة حكمه، ويقول المؤرخون أنه (في سنة خمس وستين وتسعمائة في جمادى الأولى منها، غزاه حسن بن خير الدين باشا التركي صاحب تلمسان في جيش كثيف ...).

ومن جهة أخرى فقد وجب علينا النظر في ظروف وأحوال الحرة للا مسعودة الاجتماعية والاقتصادية التي تساعدها على مواجهة نفقات بناء مسجد جامع، بالإضافة إلى النظر في ظروف وأحوال ملوك الأشراف السعديين فيما بين سنتي 965 هـ و 995 هـ. لقد كان من بين أبناء السلطان أبي عبد الله الشيخ ثلاثة ارتقوا أمر الخلافة من بعده وهم أبو محمد عبد الله الغالب بالله وأبو مروان عبد الملك وأبو العباس أحمد المنصور.

وقد لجأ السلطان المخلوع أبو عبد الله محمد بن عبد الله السعدي إلى سبستيان البرتغالي لاعانته على استرجاع ملكه، وكانت تلك الأحداث مقدمات للغزوة الكبرى الشهيرة بوادي المخازن سنة 986 هـ التي هلك فيها غرقا بوادي المخازن محمد ابن عبد الله المخلوع والطاغية سبستيان بعد هزيمتهما، كما توفي متأثرا بمرضه بأرض المعركة عبد الملك بن الشيخ، الأمر الذي أدى إلى بيعة أخيه وشريكه في الكفاح أبي العباس أحمد الذي لقب بالمنصور، وتدفقت عليه الأموال الطائلة من فداء الأسارى وتلاحقت ببابه الوفود بالهدايا من سائر الأقطار من الجزائر والبرتغال والإسبان وسلطان العثمانيين تقديرا لقوته، كما فتح الله عليه السودان وتضاعفت مداخيل السكر بصورة خيالية مما أمكن المنصور من تشييد مآثر ضخمة إحياء لذكرى آل البيت بقصر البديع والقرويين وأضرحة السعديين وغيرها.

إن تلك الظروف التاريخية ابتداء من عام 965 هـ (الذي استبعدناه كتاريخ لبناء المسجد) إلى عام 986 هـ، توضح لنا أن الحرة للا مسعودة الوزكيتية لم يكن لها من الاستقرار بمراكش ولا المال والإمكانيات اللازمة لبناء مسجد جامع على هذا النحو قبل أن يستقر القرار لولدها المنصور السعدي على كرسي الملك سنة 986 هـ وتدفق النفائس والأموال عليه. ولكنها عاشت قرابة أربعة عشر عاما بمدينة مراكش إلى تاريخ وفاتها فاتح سنة ألف للهجرة في ظل صيت ولدها المنصور وفي رحاب عظمة الدولة السعدية في الفترة التي عرفت أزهى نهضة حضارية عسكريا واقتصاديا وعمرانيا.

ولعل تلك الظروف التي حللناها تساعدنا على قبول رواية ابن القاضي التي نقلها صاحب الاستقصا بكونها شيدت المسجد الجامع المذكور سنة 995 للهجرة، خاصة وأن جورج مارسيه لم يشر إلى المصادر التي رجع إليها أو الدراسة التي اعتمد عليها، ولعله استعان بمترجم كعادة المستشرقين فكتب له عام خمس وستين وتسعمائة بدل خمس وتسعين وتسعمائة.

أما قصة الوحم وإفطار رمضان بتفاح ورمان، فليس من الضروري إن كانت القصة قد وقعت، أن تكون قد حدثت مباشرة قبل تاريخ بناء المسجد الجامع. وإذا كنا لا نرى ضرورة لانكار القصة، فالأرجح أن تكون قد وقعت لها في صباها ثم قامت بأعمال البر وبناء المسجد الجامع عندما نضجت شخصيتها وتوفرت لها الإمكانيات المادية والظروف القارة على النحو الذي أسلفنا.

تخطيط وعمارة المسجد:
هذا المسجد الجامع بباب دكالة من حضرة مراكش عبارة عن بيت للصلاة يشتمل على سبعة بلاطات تتجه عقودها عمودية بعمق المسجد نحو جدار القبلة، كما يشتمل على ثلاثة أساكيب (وليس أربعة كما يذكر مارسيه) يتقدمها أسكوب آخر للقبة. ويحدها شمالا أسكوب آخر يطل على الصحن وهما أسكوبان متميزان عن بقية الأساكيب بوجود ثلاث قباب بأسكوب القبلة، كما يشتمل على ثلاثة أساكيب (وليس أربعة كما يذكر ماسيه) شرقا وغربا. كما توجد قبة بوسط الأسكوب المطل على الصحن عند التقائه ببلاط المحراب وقبة أخرى بكل من نهايتي ذلك الأسكوب شرقا وغربا

وصحن المسجد يكاد يكون مربعا (29 x 30 مترا) تحيط به المجنبات من نواحيه الثلاث ولا تشتمل كل مجنبة منها على غير رواق واحد. على أن المجنبة الشمالية تختلف عن المجنبتين الشرقية والغربية وتطابق عمارة اسكوب بيت الصلاة المطل على الصحن حيث تتوسطها قبة بالإضافة إلى قبة أخرى بالركن الشمالي الغربي مع إلغاء القبة المقابلة لها بالركن الشمالي الشرقي لإفساح مكان للصومعة. 

ويفتح باب بكل من واجهات المسجد الثلاث شرقا وغربا وشمالا حيث نجد بكل من الواجهتين الشرقية والغربية بابا على محور الاسكوب المطل على الصحن، أما المدخل الرئيسي فيفتح بالواجهة الشمالية الغربية وهي الواجهة الرئيسية على محور المحراب. وقد تنوعت العقود(22)  داخل المسجد حيث نرى عقودا على هيئة حدوة الفرس «Fer à Cheval» بالبلاطات، وعقودا ذات مقرنصات  «à Stalactite» تحمل قبة المحراب، ونوعا من العقود المفصصة «Lobé» تحمل بقية القباب.



أخبار | مراكش | ثقافة وفن | تعليم | آراء | فيديو | رياضة | Almarrakchia






8CD913E4-4BFE-4976-92FC-EA44C3DB4263
8AEED751-C7FD-4F63-AD20-3129E4E08440
A9C2ADA5-0811-4D26-A569-FA64141F1A54
DE154AFC-C74B-462C-B721-115006ECAF3D
FA6F3194-2A29-4353-8F6E-0985EEAD7431
81DCF7E5-174A-4E08-80E7-692A8557DAC7
9FAE6B31-4524-41A2-8300-5B6281F674E1
161F1C35-837C-4728-813D-E27E3D726E3B

Facebook
Twitter
Flickr
YouTube
Rss
بحوث I تعليم I جامعة