المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

يهود القصور في المغرب

الاثنين 26 ماي 2014

الحضور اليهودي بالمغرب خلق مناخا ثقافيا جديدا انتبه إليه السلطان، خصوصا إزاء ما أبان عنه اليهود من قدرة على تدبير الخلاف، وسلمية وذكاء في التعايش داخل الأوساط المجتمعية المختلفة، فكانت بداية تقريبهم من قبل البلاط.


يهود القصور في المغرب
 يقول زكرياء العزوزي: «احتفظت الطائفة اليهودية بميزاتها الخاصة وعاداتها ونمط حياتها اليومي والسلوكي، وقد فضلت الاستقرار بالمدن الكبرى. لقد قدموا نموذجا حضاريا جعل السلطان يلتفت إليهم».
وخلال بحث قدمته اليهودية المغربية «نيكول الزرفاتي» المتخصصة في التاريخ اللساني ليهود المغرب، تحاول المتخصصة في البحث في تاريخ اليهود في إفريقيا من خلال مركز دراسات إسباني، أن تثبت أن السلاطين الوطاسيين والسعديين والعلويين الذين تعاقبوا على حكم المغرب، على امتداد القرون الخمسة الماضية، اعتمدوا في مسائلهم المالية والتجارية والاستشارية على الخبرات اليهودية، رغم ما كان يشكله اليهود من أقلية في بلاد الإسلام (المغرب).
بالرجوع إلى عدد من المصادر، نقف على عدد من الأسماء التي رافقت السلاطين، بل وكانت لها مساهمة واضحة في مسار بعض الممالك المغربية. أول يهودي مغربي برز اسمه بشكل واضح على عهد السلطان يوسف بن تاشفين هو «سليمان بن فاروسال» الذي كلفه ابن تاشفين بالعلاقات الخارجية. لقد لمس ابن تاشفين قدرة الرجل على التفاوض، ففوض له مسائل دبلوماسية، خصوصا أن الأندلس كانت تعج ببني عقيدته. سيغتال ابن فاروسال في إحدى معارك المرابطين، وسيرثيه شعراء البلاط المرابطي.
في سنة 2002، سيظهر بحث بجامعة ستانفورد يحمل عنوان: «يهود السلطان.. عالم السفرديم بالمغرب»، لدانييل شرودر. هذا الكتاب سيقف كثيرا عند شخصيتين يهوديتين كان لهما أثر كبير في تاريخ الدولة العلوية، أحدهما هو «صامويل سومبال»، والثاني هو «مايير مقنين». الأول كان مستشارا دبلوماسيا للسلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله، والكاتب الرئيس في ديوانه، ويقال إنه هو الذي نبه السلطان إلى أهمية الموانئ البحرية، ودفعه إلى الاستقرار بالجديدة، لقربها من مدينة الصويرة، المدينة التي تعرف حضورا متجذرا لليهود المغاربة، ثم توفق ابن سومبال بعد ذلك في جعل الصويرة أهم ميناء في المغرب، ومركزا لإقامة كل القنصليات الأجنبية.
جاكوب بنيامين، أحد أعضاء الجماعات اليهودية بطنجة، يقول: «منذ قرون والعالم يثق فينا وفي آرائنا»، بينما يرجع الباحث خالد بن الصغير، مترجم بحث «شرودر»، تمييز السلطان للصويرة، مدينة وميناء، إلى حرصه على التحكم في مداخيل التجارة في الموانئ الجنوبية، التي كانت تعرف حالات تمرد من طرف بعض العمال والنافذين السياسيين في الجنوب، كما هي حالة العامل «الطالب صالح» الذي استأثر لزمن بمداخيل ميناء أكادير، وقد جرى العرف السلطاني التجاري بإقراض التجار اليهود رؤوس الأموال اللازمة لتجارتهم، ولهذا كانوا يحملون صفة «تجار السلطان»، الذين يغذون الخزينة بمداخيل الرسوم الجمركية، كما كان يعول عليهم في تلبية حاجات المخزن من الأسلحة وباقي اللوازم. 
تجار السلطان كانوا يتمتعون ببعض الرخص والامتيازات، لكن عندما تتأزم الظروف يطالبهم السلطان بأداء القروض، وربما الزيادة من الأموال لضخها في بيت المال.
«شرودر»، وهو ينقب في كنانيش تجارية قديمة من القرن التاسع عشر، سيجد حصرا لكل المواد التي احتكر اليهودي «مقنين» استيرادها إلى المغرب أو جلبها لدار المخزن خصيصا (النسيج، البن، الإبزار، السكر، الورق، قضبان الحديد)، وعندما سيصل الشاي الأخضر من الصين عبر إنجلترا، سيحتكر توريده اليهودي «مقنين»، فالمشروب الشعبي للمغاربة أدخله اليهود.
بالرجوع إلى الوثائق السلطانية، نجد ظهيرا للسلطان مولاي عبد الرحمن مؤرخا في 22 صفر 1239ه الموافق ل28 أكتوبر 1823، ورد فيه: «اقتضى نظرنا الشريف الإنعام عليه بالوسق من أربعة من مراسينا، وهي العرائش ومزكان والدار البيضاء وآسفي، لأنواع السلع الآتية: القمح والثيران والغنم والدجاج والشمع والجلود والصوف، ولجميع الموسوقات من السلع الخارجة، وأمرنا بأن يتخذ نوابا عنه في جميع المراسي المذكورة، فيلزم على كل من يريد وسق السلع من تلك المراسي، الحصول منه على إذن بذلك، والتفاهم معه أو مع نوابه»، والمقصود بالمنعم عليه اليهودي «مايير مقنين»، كما أورد ذلك شرودر، هذا الظهير ليس سوى تتمة لظهير سابق أصدره المولى سليمان سنة 1809، السلطان الذي عرف بسياسة الاحتراز والحيطة من الغرب الأوربي، وخاض حروبا ضد إسبانيا والبرتغال، سيأتمن آل المقنين من خلال إصداره ظهيرا سلطانيا سنة 1809 موجها إلى محمد عبد الصادق عامل الصويرة، كتب إليه ما يلي: «نأمر وصيفنا الحاج محمد بن عبد الصادق أن يبقي التاجر ولد مقنين على ما اعتاده منا من المراعاة والتمييز عن غيره من أهل الذمة، لقيامه بوظائف خدمتنا الشريفة، واعتزازه بها.. فراع فيه هذا القدر، ولا تترك أحدا يسومه خسفا».
الباحث أمين الكوهن يشير إلى مسألة أساسية، وهي أن اليهود المغاربة، فضلا عن مهامهم الرسمية المرتبطة بالسلطان، كانوا يقومون باستغلال ظرفية الحرب ضد الأيبيريين، والتي عرفت بالجهاد البحري، ويتولون الوساطة في عمليات افتداء الأسرى الفرنجة.
هذا الوضع المتميز والمتقدم لليهود المغاربة يرجعه الباحثون في تاريخ اليهود، في أكثر من مرجع، إلى اعتبارهم جزءا من المجتمع اليهودي العالمي النافذ إلى بلاطات الحكام الأوربيين، والمتمركز في أهم مواقع التجارة البحرية آنذاك.
كان القرن التاسع عشر قرنا عاش فيه اليهود المغاربة توهجا كبيرا، وتبوؤوا مواقع هامة داخل المجتمع والمخزن، حتى وصل الأمر بالسلطان الحسن الأول إلى كتابة رسالة إلى بعض ولاته يقول فيها: «إن الواجب يدعونا إلى احترام اليهود والدفاع عنهم، وأن نحمي حياتهم وممتلكاتهم وأن نحصنها.. وسأقف بنفسي ضد كل من اعتدى عليهم».
لقد كان تحذيرا من السلطان لما لمس بعض الانحرافات الاجتماعية التي بدأت تظهر داخل المجتمع المغربي المسلم، وخصوصا نظرتهم الدونية إلى اليهود، ورغم أنه لم تشب هذه المرحلة أي اعتداءات جسدية، فإنه على المستوى الشعبي كان اليهود المغاربة في بعض المواقع يعانون نبذا اجتماعيا.
لكن يبدو أن السلطان الحسن الأول كان يتنبأ بما سيحدث لليهود سنوات قليلة بعد وفاته، ففي بداية القرن العشرين بدأت أوضاعهم في التراجع، ولا سبب يجده المؤرخون سوى تراجع حركة التجارة اليهودية، وسيطرة الأوربيين الفرنسيين والإنجليز بالخصوص على موانئ المغرب، حيث سحب البساط من تحت أقدام اليهود. يقول «شرودر» في كتابه «تاريخ الصويرة»، الذي ترجمه إلى العربية الأكاديمي خالد بن الصغير: «إن الطائفة اليهودية في المغرب عرفت، في الفترة المعاصرة، أزمات سياسية واقتصادية مقارنة بمستوى وضعيتهم في القرن 18 والقرن 19، وذلك راجع إلى مساهمة نظام الحماية الفرنسية في تعجيل ظاهرة تردي أوضاع العديد من اليهود الذين كان مصيرهم وثيق الارتباط بالقصر والسلطان».
محمد أحمد عدة / اخبار اليوم
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
محمد أحمد عدة / اخبار اليوم

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل