وما كانت التربية قوالب جاهزة تستورد وتلصق

الثلاثاء 21 أكتوبر 2014

من مداخلة الأستاذ محمد الطوكي في ندوة علمية نظمتها جمعية متقاعدي التعليم بمراكش حول : رجل التربية بين الأمس واليوم


علمتنا القراءة في المصادر التربوية استراتيجية أن التربية والتعليم نظام مجتمعي تثوي وراءه فلسفة كل أمة ورؤيتها للعالم ، فهو (رؤية)  وتطبيق اجتماعي لتلك الرؤية ، وهذا شئ عهدناه لدى فلاسفة يونان مرورا بفلاسفة العصور الوسطى والنهضة وفلاسفة التربية المعاصرين
 ومسيرة تاريخ التربية تثبت أن كل تيار تربوي يجئ لحل أزمة نزلت بعصره ، فيعمل على فهم السابق وانتقاده وتجاوزه حيث يؤسس نظاما تربويا فيه النجاعة والنفعية والمصداقية ، يتناغم فيه العقلي والعملي والمجداني و الروحي .
ولنخرج من التجريد إلى التاريخ ، فهذا أفلاطون – على سبيل المثال – لم يكن راضيا على التربية السائدة في عصره فانتقد النظام التعليمي المعاصر له ، فجاء بفلسفة مثالية من مشمولاتها ما ينبغي أن تسير عليه التربية الإنسانية من الصبا حتى الكهولة وهي الفترة المناسبة لسن الرشد والحكمة ، وجعل مدخلها الهندسة .
ولننتقل إلى مثال من العصر الإسلامي الوسيط ، فهذا ابن خلدون (732هـ - 808هـ ) ألف مقدمته في لحظة مفصلية في تاريخ المشرق والمغرب ، فالفترة التي عاشها عرفت نكوصا على الصعيد السياسي والاقتصادي والثقافي ، فالفردوس ( الأندلس ) قد فقد بعد أن طالته هجمات الاسترداد ، والغرب الإسلامي قد تشظى إلى ثلاث دول بعد أن كان موحدا في العهدين المرابطي والموحدي ، ولم تنفع المحاولات المرينية في جمع ما تفرق ، أما المشرق الإسلامي فلا يقل تأزما عن الغرب الإسلامي ، مما جعل ابن خلدون يعتزل مناشطه الإدارية والسياسية ويتفرغ للعلم ، باحثا عن القوانين المتحكمة في قيام الدول و ازدهارها وانحطاطها ، ومن بين المنظومات التي انتقدها في عصره ، مؤسسة التربية والتعليم بسائر مكوناتها ، وهي بنية في نظام العمران عنده ، ورأى انها تتقدم بتقدمه وتنحط بانحطاطه .
فمن مظاهر ذلك الإنحطاط التربوي الذي سجله في عصره ، الاكتفاء بالسماع والإملاء والحفظ ، فالطلبة سكوت لا يتكلمون لا يناقشون ولا يحاورون ولا يفاوضون .
ومن ذلك أيضا حديثه على العنف الذي يمارس على المتعلم بشتى أنواعه بما في ذلك زخم المواد وتكثيرها ، وأشار إلى انعكاساته النفسية والاجتماعية ، ونظرا لنفاسة تحليله فهذا نص ساقه ابن خلدون : ( وإن الشدة على المتعلمين مضرة بهم ) ويقول : ( وذلك أن إرهاق الحد بالتعليم مضر بالمتعلم سيما في أصاغر الولدان ، لأنه من سوء الملكة ، ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين والخدم ، سطا به القهر ، وضيق على النفس في انبساطها ، ودهب بنشاطها ، ودعاه إلى الكسل ، وحمله على الكذب والخبث ، وعلمه المكر والخديعة ، وصارت له هذه عادة وخلقا ، و فسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله ، وصارعيالا على غيره في ذلك ، وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل ، فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها ، فارتكس وعاد في أسفل سافلين... فينبغي للمعلم في متعلمه ، والوالد في ولده ألا يستبدا عليهما في التأديب ) .
 
محمد الطوكي


معرض صور