المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

ورزازات..أسرار قلعة الأفلام الممنوعة بالمغرب!ا

السبت 20 يونيو 2015

ورزازات..أسرار قلعة الأفلام الممنوعة بالمغرب!ا
لنبدأ بالفيلم الذي مُنع ثم عاد ليعرض على الشاشات، خلال الأشهر القليلة الماضية. يتعلق الأمر هنا بـ «Fifty Shades of Grey". فيلم يتناول موضوع الجنس بشكل جريء، قال عنه مراقبون إنه غير مسبوق، لأنه يركز على تصوير ممارسات جنسية شاذة. ظهر الفيلم في الشاشة الكبيرة بالمغرب، لكن بعد أن قُطعت منه المقاطع التي كادت أن تتسبب في منعه نهائيا من العرض في القاعات.
منع هذا الفيلم، يبدو حدثا صغيرا أمام منع أفلام أخرى، صورت مشاهدها أو بعضها في المغرب، وهو ما يعطي دليلا على أن القائمين على أمور السينما في وزارة الاتصال، لا يعلمون مضمون الأفلام التي يتم تصويرها في المغرب.. ليس كلها على الأقل.
الفيلم الذي تناول قصة النبي نوح عليه السلام، تعرض للمنع من العرض في المغرب، وفي دول عربية أخرى من بينها مصر والإمارات، لكن الأخيرة لم تمنع الفيلم إلا بعد منعه من العرض في المغرب خلال السنة الماضية.
التهمة التي وجهت للفيلم، تتعلق بتحريف الأديان، لأن الفيلم قدم النبي نوح عليه السلام، كرجل قديم في التاريخ، ولم يشر إلى أنه نبي مرسل، كما جاء في الدين الإسلامي وأديان أخرى، وهو ما اعتبر تحريفا لما جاءت به الأديان، ولم يسمح بعرضه لهذا السبب، بالرغم من أن القائمين على الفيلم قدموا شخصية نوح، على أنه «داعية للسلام».
«الرغبة الأخيرة للمسيح»، وهو العنوان الذي اختلف في ترجمته من العنوان الأصلي للفيلم، يقدم أيضا صورة تاريخية لقصة نبي الله عيسى عليه السلام، وهو الآخر تعرض للمنع لنفس الأسباب تقريبا. حساسية عرض الموضوع الديني تاريخيا في السينما العالمية، يرجع سببها بالأساس إلى اختلاف الرواية التي يقدمها الفيلم مع النص الديني وحتى التراث الإسلامي، أو ما يمكن أن يتسبب في حساسيات دينية تتعلق بالمقدّس، كما هو شأن فيلم الرسالة الذي أخرجه مصطفى العقاد أواسط سبعينات القرن الماضي، ليجد طريقه إلى شهرة عالمية كبيرة.
لنذهب إلى الوجهة العالمية لتصوير هذا النوع من الأفلام. إلى ورزازات تحديدا. حيث يوجد المتحف السينمائي، والأراضي والمناظر المناسبة لتصوير هذه النوع من الأفلام. حافلات للسياح ترابط أمام باب قصبة تاوريرت، وهي واحدة من القصبات التي صورت داخلها مشاهد سينمائية في أفلام عالمية، أو في محيطها.
قام سائق الشاحنة بتغطية زجاج الواجهة بقماش معتم حتى يمنع أشعة الشمس الحارقة من التسرب إلى داخل الحافلة. بينما الركاب كانوا منشغلين بطلي المراهم على جلودهم المترهلة.
القصبة من الداخل تبدو قطعة من التاريخ، ولا تزال تحافظ على نقوشها القديمة وأسقفها الخشبية. نوافذ صغيرة في كل مكان، تدخل الهواء النقي إلى داخلها ليتجول بين جدران الغرف الخالية من أي أثاث أو «ديكور» يذكر.
الأرضية حمراء، بينما الجدران احتفظت لنفسها بلون التراب من الخارج، وطلاء من الجير الخفيف في الداخل. يتيه السياح دائما بين الغرف والأسطح، لذلك يلجؤون إلى خدمات المرشدين السياحيين باستمرار.
أحد المرشدين، كان يلاعب شاربه الكث الذي يعلوه اصفرار طافح بفعل النيكوتين، يقول إن العمل داخل القصبة يشهد نشاطا ملحوظا في فترة الربيع والصيف، في حين أنه يعرف كسادا حقيقيا في أيام الشتاء. بالنسبة له، فإن هناك علاقة وطيدة بين سمعة ورزازات السينمائية وازدهار السياحة، ويتأسف كثيرا لكون ورزازات تزخر، على حد قوله، بمؤهلات سياحية وموروث ثقافي كبير، لكنه لا يلقى إقبالا إلا عن طريق ازدهار السينما.
في إحدى الغرف، كان مجموعة من السياح الأمريكيين يلتقطون لبعضهم صورا بجانب إحدى النوافذ الحديدية، قبل أن يصيح أحدهم بفخر: «لقد التقط «براد بيت» لنفسه صورة في هذا المكان بالذات».
يعلق المرشد على قول السائح إن «براد بيت» حل بورزازات قبل سنوات قليلة لتصوير فيلم «بابل» الذي أثار ضجة كبيرة وصوّر ورزازات على أنها أرض فلاة وأن سكانها بدائيون جدا. بينما كان مرشد آخر منهمكا في إقناع السياح بأن الغرفة التي يقفون فيها الآن كانت تعود للرجل الذي كان يحكم القبيلة قبل أزيد من 150 سنة، وأن هذه الغرفة عرفت أحداثا كثيرة كانت حاسمة في صنع التاريخ. على كل حال، لم يبد أي انفعال على ملامح السياح التي أنهكتها حرارة الطقس، وكثيرا ما كانوا يسرعون في الخروج من غرفة ودخول أخرى حتى قبل أن يتحرك المرشد الذي يكون غالبا منهمكا في الشرح وسرد المزيد من التفاصيل التي يكون قد حفظها عن ظهر قلب، وبأكثر من لغة !
فيلم «بابل» مر من هنا، وأبطاله أيضا، كما أن الأفلام التي تناولت قصص الفراعنة وملوكهم، والتي كان لها صيت سينمائي ذائع في الشاشة الكبيرة عبر العالم، مرت بدورها من أرض ورزازات، أو جل مشاهدها على الأقل.
في مكان قصي لا يبعد كثيرا عن القصبات، تنتصب قصبة أخرى، لكنها غير عادية بالمرة، لأن الأفلام الممنوعة في المغرب وفي دول كثيرة، صُورت خلف أسوار البناية التي تحتضن المتحف السينمائي بورزازات، حيث يسجن الزمن، أدوات «الجريمة» من كاميرات وأدوات للتصوير وتقنيات المونتاج أيضا..
هل هناك لعنة تلاحق الأفلام التي صورت في هذا المكان، حتى تشترك في لعنة المنع من العرض داخل المغرب وفي دول أخرى؟
فيلم الرسالة لصاحبه العقاد، كاد أن يصبح موضوع منع كبير في المغرب، بعد السماح بتصويره بأمر من الحسن الثاني شخصيا، وهو ما اعتبر وقتها موقفا إيجابيا جدا، شجع من خلاله الملك الراحل العقاد، على تصوير ما أصبح في ما بعد رائعة سينمائية تتناول سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم. هذا المشروع، كاد يجهض نتيجة الضغوط السعودية التي استنكرته قبل بدايته، لكن أشغال التصوير بدأت رغم الضغوطات، قبل أن تشتد من الجهة السعودية، ويبلغ الملك الحسن الثاني مخرج الفيلم، أن عليه أن يسرع وتيرة التصوير، لكي لا يتسبب للمغرب في أزمة دبلوماسية مع دول شقيقة.
انتهى تصوير الفيلم بعد أن صورت أغلب مشاهده في ورزازات، وتفجر في كبريات دور السينما العالمية، خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية، واحتدم حوله النقاش، لأنه قدم صورة مشرفة عن الدين الإسلامي في العالم الغربي، وأكد صاحبه العقاد، أنه لجأ إلى مشورة علماء بارزين، وعارفين بالشأن الديني، وكتب السيرة النبوية، لبناء فيلمه.
سنوات بعد ذلك التاريخ، سيكون على الفيلم أن يدخل المغرب، لكن من بوابة شاشة التلفزيون. فقد اختار ادريس البصري، وزير الداخلية، أن يعرض الفيلم في التلفاز في مناسبة دينية، لكن المثير في الأمر أن المغرب لم يكن يتوفر على نسخة للفيلم. ولجأ موظفو الداخلية، إلى خدمات السفارة الليبية في المغرب، وتم تدبر أمر الحصول على نسخة أصلية للشريط، وهنا كانت الصدمة. فحسب نفس الرواية التي نعرضها في هذا الملف، فإن المراقبة أفضت إلى أن الفيلم يتضمن مشاهد لا يمكن عرضها، لأنه يجسد بعض الصحابة ويدا تنسب داخل الفيلم للرسول صلى الله عليه وسلم، وتم تدارك الأمر في الأخير، بحذف تلك المشاهد من الفيلم قبل أن يعرض.
أفلام أخرى كثيرة، كان مصيرها المنع من العرض، وأفلام أخرى صورت مشاهدها في المغرب، على أنها مشاهد من دولة عربية أخرى، خصوصا الفيلم الذي تناول حياة راقصة مصرية شهيرة، وتم اللجوء إلى شوارع الدار البيضاء وطاكسياتها الكبيرة، وأحياء الفيلات وسط المدينة، والحانات أيضا، وتم تقديم تلك المشاهد على أنها من قلب العاصمة المصرية القاهرة، والمثير أن تصوير الفيلم تم بالاستعانة بممثلين مغاربة على رأسهم بشرى أهريش.
هل كان منع فيلم نبيل عيوش، شجرة تخفي غابة كثيفة من المنع؟ أم أن فيلمه كان خاليا فعلا من السينما، ما دامت هناك لجنة متخصصة شاهدت الفيلم ومنعته من دخول الصالات الوطنية، رغم أنها سمحت بعرض أفلام أخرى كان فيها من الجرأة ما تسبب في غضب المحافظين وحتى المواطنين البسطاء.
هذه قصة صناعة الأفلام في المغرب، وقصص منع أشهر الأفلام العالمية.
 
عندما توجه تهم الوقاحة والبذاءة وتحريف الأديان إلى الكاميرا
هنا ورزازات. سورها يحجب كل شيء إلا الرؤية، لا يهم أن تأتي إليها صيفا أو شتاء، لأن أبوابها لا تقيم وزنا لفصول السنة المتعاقبة. داخل القلعة التي تضم المتحف السينمائي لورزازات، حيث تسكن ديكورات الأفلام التاريخية والخيال العلمي، وحتى مغامرات جيمس بوند، يمكن أن تصور مشاهد الشتاء في عز صيف ورزازات اللافح، حيث توجد مدينة سينما قائمة.
على باب المتحف السينمائي، يوجد مجسم لمركبة تعود إلى العهد الروماني، وبمدخله حديقة ينهمك في ريها أحد العاملين بالمكان. جولة قد تستغرق ساعات طوالا، للوقوف عند كل زاوية من هذا المتحف الذي يضم بين جدرانه آلات تصوير لأفلام صنعت مجد الفن السابع عبر العالم، وديكورات تركها أصحابها في ملكية المتحف بعد انتهوا من استعمالها في تصوير مشاهد تاريخية وعسكرية مهمة. قاعة لفرعون حاكم مصر، إلى جانبها سجن كبير يعود إلى عهد الموحدين والمرابطين، وأمامه مباشرة مبنى للديانة اليهودية والمسيحية، وإلى جانبها مجسم لصومعة مسجد، كل هذه الأمور يوحدها سور المتحف، الذي يضم عوالم غاية في التناقض.
رجل بلحية طويلة بيضاء، كأنه أحد الحكماء، يشتغل كومبارس في الأفلام الأجنبية التي تتقاطر على ورزازات للتصوير، وفي أوقات الفراغ ينشغل بسقي النباتات والشجيرات التي تزين بوابة المتحف السينمائي. تحدثت إليه «الأخبار» ليقول إنه يعمل كومبارس في السينما، وينتظر قدوم أجانب ليشتغل معهم في فيلم معين، قبل أن يعود إلى ري الحديقة والانتظار من جديد. نظرته لا تنكر استياء من واقع الحال، الذي لم يعد يخفى على أحد هناك.
من هذا المكان خرجت أفلام كثيرة قوبلت بالمنع من العرض في المغرب، وهو أمر، حسب بعض الذين تحدثت إليهم «الأخبار» في هذا الموضوع، معقد للغاية.
ما يمكن فهمه من الحديث إلى أشخاص يختلف وعيهم وإدراكهم بالأمور، أن عملية تصوير الأفلام السينمائية في ورزازات، يُنظر إليها دائما بمنظور الربح المادي والرواج السياحي، أكثر مما ينظر إليها بمنظور فني. وحسب هؤلاء، فإن المنع الذي تتعرض له أفلام كثيرة، رهين بهذا الوضع الذي تعيشه المدينة عموما، لأن منع تصوير الأفلام، سيصيب المنطقة ولا شك بالشلل الاقتصادي، لكن منع عرضها بالمغرب، لن ينعكس على الذين يعيشون من السينما في ورزازات. هؤلاء يتمسكون بالدفاع عن ورزازات كقبلة عالمية لتصوير الأفلام السينمائية.
وحسب الفاعل الجمعوي، محمد أزكيغ، في لقاء مع «الأخبار»، فإن المجال السينمائي بورزازات ضارب في القدم، إلا أن الاهتمام به لم يتجل إلا في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، وهو ما رفع من مداخيل السينما الورزازاتية، لأنها تعطي دخلا مباشرا بحكم أن الأفلام تأتي إلى المدينة بميزانيات ضخمة، وهو ما يحرك رواجا اقتصاديا بالمدينة على نواح مختلفة بالإضافة إلى أنه يخلق فرص عمل للـ»الكومبارس». هذا الأمر استمر إلى غاية أواخر التسعينات.
في ما بعد عرفت العملية تغيرا كبيرا، إذ أن مدينة مراكش عرفت تطورا مذهلا، وهو ما جعل السياحة الأثرية بورزازات تعرف تراجعا كبيرا وركودا في المداخيل، ولا ينكر محمد أن هناك منافسة شرسة بين المدينتين في هذا القطاع. لأن مراكش تتوفر على مدينة قديمة كبيرة، ولها صيت عالمي، في حين أن ورزازات صغيرة وبالتالي فإن حظوظ المنافسة ضئيلة بالنسبة لورزازات. وبالتالي فإن العرض السياحي سيتراجع في ورزازات خصوصا وأن نهاية التسعينات شهدت تراجعا كبيرا في السينما، وبالتالي في السياحة أيضا.
ما وقع من ركود وانكماش اقتصادي بسبب ركود السينما خلال التسعينات، يقول محمد، جعل السياحة في ورزازات في حاجة كبيرة إلى تغيير إن لم نقل إعادة بعث من جديد، وهو ما تم بالفعل، إذ عرفت المدينة أوراشا تهم القطاع السياحي، بما فيها إنشاء المنطقة الفندقية، وهو ما جعلها تعود إلى قوتها وتحتل المرتبة الثالثة وطنيا، رغم أنها تقع في مكان ناء ولا تتوفر على نفس مؤهلات المدن التي تتصدر الترتيب.
السينما إذن ترتبط باقتصاد منطقة بأكملها، وورزازات ستكون المتضرر الأول. فيلم «الرغبة الأخيرة للسيد المسيح» تم تصوير مشاهده في المغرب، كما أن فيلم «نوح»، كان ضيفا على ورزازات هو الآخر، وأفلام أخرى كثيرة، ربما لا يتسع المجال لذكرها كاملة هنا، كانت بدورها وليدة مشاهد صورت كلها في صحراء ورزازات وقلاعها. في الأخير ترحل الأفلام إلى كبريات استوديوهات التوضيب والمونتاج في العالم، أو لاستكمال التصوير في دول أخرى، وترث ورزازات، أو متحفها السينمائي على الأصح، أدوات للتصوير، وديكورات، تخلد لذكرى أضخم الأعمال السينمائية خلال العقود الأخيرة.
كيف منعت أفلام كثيرة من العرض بالمغرب؟ إليكم قصة فيلم الرسالة الذي أثار ضجة كبيرة عبر العالم، وتحول بعد شهرته في أوروبا وأمريكا إلى ما يشبه ملحمة سينمائية بعد أن كان الجميع يتحدث عن إمكانية منعه في العالم الإسلامي.. لكن شيئا من ذلك لم يكن. أسرار كثيرة ارتبطت بكواليس تصوير الفيلم خلال سنة 1976، وبعدها بسنوات أخرى، عندما تقرر أن يتم عرض الفيلم في التلفزيون المغربي في مناسبة دينية، ليشهد كواليس أخرى، كادت أن تتحول إلى منع من العرض على الشاشة الصغيرة، علما أن المغرب كان داعما أساسيا لتصوير الفيلم في المغرب رغم الضجة الكبيرة التي أثارها كمشروع حتى قبل أن يخرج إلى الشاشة الكبيرة في أكبر دور العرض عبر العالم.
 
 
كواليس صناعة فيلم الرسالة.. سُمح بتصويره وكاد أن يمنع من العرض في التلفاز!
الكل يعرف فيلم «الرسالة» من عنوانه، دون الحاجة إلى ذكر اسم أنطوني كوين أو عبد الله غيث، أو حتى مخرجه «العقّاد». هذا الأخير روى أكثر من مرة في حوارات لقنوات وصحف أجنبية واكبت الضجة الكبيرة التي خلفها الفيلم عبر العالم، أنه تعرض لضغوطات على خلفية الموقف السعودي سنة 1976، والرافض بالأساس لفكرة تصوير عمل سينمائي يتناول حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، دون حتى الرجوع إلى سيناريو الفيلم أو المطالبة بمعرفة مضمونه.
المغرب وقتها، قدم العون للعقاد، واحتضن فكرة التصوير، كما روى العقاد بنفسه، وكما سيحكي مسؤولون مغاربة في ما بعد، وهكذا حل فريق التصوير بمدينة ورزازات، وتم بناء الديكورات والمشاهد التي سيعتمد عليها الفيلم أثناء عملية التصوير التي رصدت لها ميزانية ضخمة ذلك الوقت.
يبقى الفيلم استثنائيا، لأنه أثار ضجة دولية كبيرة قبل تصويره، وأثناء التصوير أيضا. فعندما علمت السلطات السعودية بأمر لجوء المخرج إلى ورزازات لتصوير الفيلم، جرت اتصالات على أعلى مستوى، قادها الملك السعودي، ليقنع الملك الحسن الثاني بضرورة وقف المساعدة التي قدمها للمخرج مصطفى العقاد، لافتا انتباهه إلى أن علماء الدين في السعودية غاضبون جدا من فكرة إعداد فيلم سينمائي حول حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة.
 
 
هذه أسرار الأفلام الممنوعة من العرض بالمغرب!
يعيش المركز السينمائي المغربي هذه الأيام، على وقع تداعيات فيلم نبيل عيوش الأخير، رغم أن المركز لم يقدم أي دعم مادي للفيلم، إلا أن أصابع الانتقاد أشارت إليه بمجرد اشتعال فتيل النقاش.
أفلام كثيرة طالها المنع من العرض في دور السينما، على بؤس واقع حالها كما يجمع على ذلك المراقبون والمهنيون وحتى المتفرجون. من بين الأفلام الممنوعة، أفلام تناولت قصص الأنبياء، كالنبي عيسى ونوح عليهما السلام. حسب بعض المواقع المتخصصة في السينما العالمية، فإن هذه الأفلام تحقق إيرادات عالية، لاتساع شريحة الجماهير التي تتابعها، خصوصا وأن صناعة هذا النوع من الأفلام تدخل فيه تقنيات تصوير متطورة، تخرج الفيلم التاريخي من الصورة النمطية القديمة التي عرفت بها الأفلام التاريخية خلال العقود السابقة.
حسب بلاغ وزارة الاتصال، والذي بموجبه أصبح الفيلم ممنوعا من العرض بالمغرب حتى قبل أن يدخله، فإن لجنة شاهدت الفيلم وارتأت أنه لا يمكن عرضه في المغرب بسبب مضمونه.
المكتب التنفيذي للغرفة الوطنية لمنتجي الأفلام، استغرب القرار الذي خرجت به وزارة الاتصال، واعتبره منعا غير قانوني، ليتحول النقاش إلى أدبيات ومراحل التقدم بطلب لعرض فيلم سينمائي بدور السينما المغربية.
حسب هؤلاء فإن مخرج الفيلم لم يتقدم بعد بطلب للعرض، وقرار المنع سابق لترتيبات أخرى لم تتخذ من طرف الجهة التي أعدت الفيلم. هذه الترتيبات تتلخص في كون منتج الفيلم أو موزعه، من الضروري أن يتقدم بطلب في الموضوع، بعد ذلك تجتمع اللجنة للاطلاع على الفيلم. وحسب المكتب التنفيذي للغرفة الوطنية لمنتجي الأفلام، فإن نبيل عيوش لم يتقدم بهذا الطلب، وهو ما يشكل حسبهم دائما، سؤالا كبيرا حول الاجتماع السابق لأوانه لتقييم الفيلم، بعد عرضه الأول في مهرجان "كان" بفرنسا.
بعيدا عن فيلم نبيل عيوش، فإن أفلاما أخرى، منعت من العرض في المغرب لنفس السبب، فيما عرضت أفلام أخرى، في القاعات المغربية، خلال السنوات القليلة الماضية، اتسمت بالجرأة وتناول مواضيع غير مسبوقة في السينما المغربية، والتي تناولت بدورها الدعارة وغيرها من المواضيع. فهل تكون الدعارة أو حتى الكلمات النابية هي سبب المنع من العرض في المغرب؟
ما دامت أفلام أخرى، عُرضت في المغرب، واستعملت نفس المشاهد أو مثلها، ونفس الكلام أو قاموسه، فإن الحديث عن المنع بسبب الجرأة يحتاج إلى مراجعة فعلا، لأن أفلاما جريئة سُمح بعرضها، بل ومولت من المركز السينمائي المغربي.
بالعودة إلى الأفلام الأخرى الممنوعة، فإن السبب وراء منعها كان طريقة تناولها لبعض المواضيع التاريخية التي تتناول المقدس، بشكل جريء، أو روايات تتنافى مع الدين الإسلامي، خصوصا في تناول هذه الأفلام لحياة الأنبياء والرسل.
من ورزازات انطلقت بعض هذه الأفلام كما قلنا. وهذا كله يلخص واقع العمل السينمائي في المغرب. ورزازات تحتاج إلى رواج «سينمائي» لأن رئتها لا تتنفس إلا أجواء التصوير، لكن ليس كل ما قد يصور في ورزازات، يجد طريقه إلى العرض في دور السينما الوطنية.
 
مشاهد تعارض تعاليم الدين كادت تمنع الرسالة من العرض
مرت الأسابيع، وسرعان ما تحولت إلى أشهر بدورها إلى سنوات. وخلال بداية الثمانينات، تقرر أن يعرض فيلم الرسالة في المغرب لأول مرة على الشاشة الصغيرة، بعد أن حاز العمل نجاحا كبيرا عبر العالم.
يروي لحسن بروكسي، وهو أحد قدماء وشهود دمج وزارتي الداخلية والإعلام، كواليس الإعداد لنقل الفيلم على شاشة التلفزيون، كان إدريس البصري وقتها مهتما للغاية ببث الفيلم في المغرب ليشاهده المغاربة في منازلهم وليس في قاعات السينما. ما يمكن استنتاجه من شهادة هذا الرجل أن المسؤولين المغاربة لم يكونوا يعلمون أي شيء بخصوص مضمون الفيلم الذي احتضن المغرب أطوار تصويره المهمة، في وقت كانت السعودية تعارض الفيلم بشدة، كفكرة. يقول: «اتصل بي إدريس البصري وطلب مني أن أشاهد الفيلم حتى يتم بثه في التلفزيون، وقال لي إن عليّ أن أعد ملخصا وملاحظات عن الفيلم قبل العاشرة صباحا، وأحيله عليه. وقعت في ورطة لأني لم أجد شريطا للفيلم وأنقذني رئيس المركز السينمائي المغربي، حيث أشار عليّ أن أطلب نسخة من الفيلم من سفارة ليبيا في المغرب، ولا أدري كيف تدبر الأمر بعد ذلك».
هنا نفهم أيضا أن المركز السينمائي المغربي لم يكن يتوفر على نسخة من فيلم عالمي صور في المغرب، وبنسختين عربية وإنجليزية. أمريكا وبريطانيا، ومعهما بقية دول العالم في الغرب والشرق، تابعتا النقاش الدائر حول الفيلم، الذي قيل وقتها إن من شأنه أن يقدم صورة صحيحة عن المسلمين ودينهم في الغرب، أمام الصورة النمطية التي رعتها السينما الغربية طيلة عقود صورت خلالها المجتمع الإسلامي، في صورة ليالي ألف ليلة وليلة.
بالعودة إلى شهادة هذا الموظف الذي وجد نفسه أمام ضرورة ممارسة الرقابة على فيلم بهذا الحجم، فإنه يقول: «.. المهم أننا حصلنا على نسخة حتى أتمكن من مشاهدتها قبل العاشرة وأعد تقريرا لإدريس البصري. عندما كنت أشاهد الفيلم انتبهت إلى أن يدا كانت بارزة عندما يصورون الرسول صلى الله عليه وسلم، وظهر في الفيلم كل من سيدنا علي وأبو بكر. ستكون ورطة حقيقية إذا تم بث الفيلم، قلت في نفسي لو أردت أن أهدم إدريس البصري سأسمح ببث الفيلم، وبعد ذلك لا بد أن تشب ضجة للعلماء، كما أن موقف الملك الحسن الثاني لن يكون سهلا.. وقعت لي صدمة كبيرة».
في النسخة التي تعرض إلى اليوم في القنوات العربية، وحتى التي تقدم الأعمال الأجنبية، لم يتم عرض مشاهد تتناول شخصيات الصحابة أو الرسول صلى الله عليه وسلم. كيف تم تدبر الأمر قبل عرض الشريط في التلفزيون المغربي لأول مرة؟ يقول بروكسي مواصلا: «قلت للبصري إنني كمسلم شعرت بالإهانة عندما رأيت الفيلم يجسد الصحابة، واشترطت عليه أن يأتيني برسالة موقعة من وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية حتى أبث الفيلم في التلفزيون كما طُلب مني في البداية. ستكون كارثة لو شاهد الناس الفيلم كما هو.. لا أحد سيتقبل أن يتم تجسيد الرسول في الفيلم، حتى لو كان فيلم «الرسالة» ناجحا بعد كل هذه السنوات، ويشاهده الملايين من الناس عبر العالم».
كادت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن تدخل على الخط إذن. لكن الرقابة ارتأت أن تحذف المشاهد التي كانت لتغضب المغاربة لا شك، ومسلمين في دول كثيرة، لن يهضموا أبدا أن يشاهدوا تجسيدا للرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة، ويعرض الفيلم معدلا تفاديا لأي أزمة، وهو ما وقع في جميع الدول الإسلامية التي عرضت وتعرض الفيلم إلى اليوم في مناسبات دينية كثيرة، ولم تظهر فيه أي لقطة من تلك التي أرعبت آلة المنع في وزارة الإعلام التي كانت وقتها مجرد ملحقة لوزارة الداخلية.
 
التصوير حرام!
استغرب أصحاب الفيلم من التحامل السعودي الكبير على الفكرة، رغم أن السلطات السعودية لم تطالب بقراءة سيناريو الفيلم، والسبب راجع إلى أن موقف العلماء من فكرة تناول حياة «السلف الصالح» غير مقبولة، لأنهم يعتبرون عملية التصوير حراما بالأساس.
بالعودة إلى أجواء التصوير بالمغرب، فإن الملك الحسن الثاني كان قد اتصل بالمخرج مصطفى العقاد وأخبره أن عليه أن يسرع وتيرة التصوير لأن أصدقاءه السعوديين مستاؤون جدا من مواصلة إنجاز مشروع الفيلم، وأن العون المغربي لن يتوقف عند ذلك الحد، لكنه يجب أن يراعي أيضا لعلاقاته مع الدول الشقيقة. حسب نفس الروايات، فإن العقاد كان مجبرا على الإسراع في تصوير مشاهد كثيرة في وقت وجيز واختصار أخرى ربحا للوقت، قبل أن يتقرر الانتقال إلى صحراء ليبيا لمواصلة تصوير المشاهد المتبقية.
الكلفة المالية كانت كبيرة، خصوصا منها تلك التي تهم بناء الديكورات، وهكذا وجد العقاد نفسه مجبرا على إعادة بناء كل شيء من جديد في ليبيا، خصوصا أن بعض الديكورات التي تم إنشاؤها في صحراء ورزازات، كان يستحيل نقلها لما ستتسبب فيه من تأخر تقني في التصوير وأيضا لكلفة النقل المرتفعة، رغم التسهيلات التي قدمها الملك الحسن الثاني للعقاد والمشرفين على إدارة تصوير الفيلم. وهكذا كان على الفيلم أن يغادر المغرب وهو في طور الإنجاز، ليعود إليه بعد التصوير بطريقة تستحق فعلا أن تُروى.
 
 
 
 
يونس جنوحي
صحفي
يونس جناحي
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
يونس جناحي

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل