وجه مراكش الرمضاني.. عالم أسطوري لا بداية ولا نهاية له

الاربعاء 15 يونيو 2016

مراكش هذه  المدينة الساحرة لا بد أن يكون لها تمييز…لابد أن تبحث لها وسط الفضاءات على رداء يميزها عن باقي المدن…
عالم أكتشف أنني لا أعرف عنه أي شيء مهما أطلت فيه الزمان.. بين لحظة و أخرى تبدي لي هذه المدينة بعضا من زينتها .. ومع تغير المواسم والفصول تتعدد وجوهها ..
والوجه الرمضاني لمراكش يطل بكل بهاء ليفتنني ويستولي على مساحات شاسعة من الإعجاب في قلبي ..
أخال نفسي وسط عالم أسطوري لا بداية ولا نهاية له.. تحولت إلى عاشق رغم أنني لا أجيد فن الغزل..تجري نحوي القوافي لأقرض شعرا رغم أنني لست بشاعر .. تتحرك في وجداني حرارة لأحس أنني في حاجة إلى الرقص مع أني لا أجيد فن الرقص
هكذا هي مراكش ساحرة ، تجذب إليها زائريها وتسحرهم وتمتلك وجدانهم بين اللحظة والأخرى .. في الصيف والشتاء .. في الخريف أو الربيع .. في عيد الأضحى أو عاشوراء.. في عيد المولد النبوي أو في رمضان .. وآه من رمضان..
هذا الشهر يأتي مزهوا في أبهى كساءه.. ليجد مراكش عروسا زينت نفسها بفستان ليس ككل الفساتين .. الأنوار تعلو المآذن .. نفير النفار والغيطة ..  المحلات تعلن عن وحدتها حيث هناك إجماع في صنع وبيع الحلوى عبر طقوس خاصة.. بينما تتحول ساحة جامع الفناء إلى وردة تتفتح وتنغلق بين حركة الليل والنهار وصومعة الكتبية تطل من بعيد بكبرياء…
على بعد أسابيع قليلة من حلول شهر رمضان تبدأ مراكش في تغيير رداءها ، وتطغى رائحة الحلوى على فضاءات المدينة ، شوارع.. أسواق,, دروب وأزقة .. المحلات تبدأ في إعداد كميات هائلة من الحلوى.. الجميع ينخرط في تغيير ملامح واجهات المتاجر.. ويبدع المراكشيون في إلباسها حللا جميلة..أضواء.. ثريات .. أقمشة مزركشة الألوان .. تقديم المعروضات على شكل أطباق موضوعة على الطاولات المزينة بكل الألوان بتنسيق آية في الجمال..وبقدر ما تتعدد الألوان والأضواء تتعدد أصناف الحلويات ، وبائعوها يرتدون الناصع من البياض وعلى رؤوسهم قباعات المطاعم ، يرسمون ابتسامات عريضة يوزعونها على المارة في محاولة لاستقطابهم ، ومنهم من يستعمل أجهزة الفيديو والتلفاز يعرض من خلالها أشرطة تبرز للزبون كيفية صنع الحلوى والمواد التي تصنع منها وهي محاولة لكسب مصداقيتهم
لفت انتباهي أن البعض يغير مهنته في هذا الشهر ليمتهن بيع الحلوى وعن هذا قال أحد المراكشيين:
« كلشي كيقلب قشابتو كاع بغاو ايبيعو الحلوى حتى مالين الصباط او السيكليسات واصحاب الحوانت تاع اللبس.. »
كلام هذا المراكشي صحيح إلى حد بعيد ، ذلك أن المدينة بإسرها سواء داخل السور أو خارجه تتحول إلى مدينة الحلوى بلا منازع حتى أنني أحتار أمام هذا الأمر.. الكل يصنع الحلوى.. الكل يبيع الحلوى .. فمن يشتري هذه الحلوى..لا تعجبوا فلا شيء يبقى..
الفطائر بدورها تحتل مكانها في فضاءات الأسواق الرمضانية المراكشية.. ونساء مراكش يجدن إحضارها ووسيلة وطرق بيعها..
أجدهن بجلابيبهن وعيونهن تطل خلف النقاب وهن جالسات والموائد موضوعة أمامهن وهي تضم أصنافا من الفطائر ك:الرغايفو البغرير وخبز التبصيل و رزة القاضي والمسمن
مشهد يتكرر بسويقة باب دكالة  وأمام مدخل ضباشي والسمارين وفي كل مداخيل الشوارع والدروب والأزقة الرئيسية بالمدينة العتيقة..
أطباق تفتح شهية الصائم..وتغريه أكثر بطريقة العرض وأسلوب الاستقطاب ..
هؤلاء النساء ومنهن شابات في عمر الزهور يعرضن بضاعتهن طيلة اليوم وأحيانا حتى ساعات متأخرة من الليل ، لكن يبدو أن إسعاد الناس وتلبية رغبات الصائم تخفي ورائها بؤسهن ومعاناتهن  ..فمداخلهن لا تتعدى الخمسين درهما في اليوم وقد قالت إحداهن :
« لم يعد الأمر كما كان في السابق ، إن قلة العمل جعلت الكثيرات يلتجئن لهذه المهنة في هذا الشهر المبارك.. هنا بباب دكالة يفوق عددنا الأربعين امرأة كلهن يعرضن نفس البضاعة.. نحاول جهد الإمكان التغلب على بعض المصاريف وإسعاد أطفالنا .. أما بعد هذا الشهر فإننا نعود إلى البحث عن العمل كخادمات داخل البيوت.. »
قالتها بمرارة ولو أنها مزجت ذلك بابتسامة عريضة .. وبالفعل فعارضات الفطائر بمراكش يتكاثرن سنة بعد سنة حتى أنهن يجلسن على امتداد عشرات الأمتار تحت الجدران في مداخل الشوارع والأسواق..
 مهنة أخرى من مهن رمضان بدأت تنتشر وتزدهر أكثر، إنها مهنة بيع الجبن البلدي .. شباب يأتي بطاولات متحركة مغطاة ببلاستيكات بيضاء..وفوقها سلل من قصب صغيرة يوضع داخلها جبن أبيض مهيأ بأسلوب تقليدي .. أربعون درهما للكيلوغرام ومع ذلك فربح هؤلاء الشباب لا يتجاوز الخمسين درهما في اليوم.. قال أحدهم :
«  إأننا نشتري الحليب من البادية ، ونضطر لصنع الجبن البلدي بالليل ونعرضه بالنهار ..مدخولنا لا يتجاوز خمسين درهما كربح يومي  لكن معاناتنا تتجلى أكثر في أننا ملزمين على أداء إثاوات لرجال القوات المساعدة حتى يتركونا نعرض بضاعتنا في الشارع أما دون ذلك فمعناه طردنا.. »
نعم ، إنه مشهد رمضاني كذلك .. وهو أشبه بلعبة القط والفأر ذلك أن رجال القوات المساعدة لا يكفون عن مطاردة الباعة من الشوارع . قال أحد الباعة:
« لا أعرف ماذا يريد هؤلاء منا في هذا الشهر المبارك .. يطاردوننا رغم أننا لا نقوم ببيع الحشيش أو المخدرات ، فقط نبحث عن لقمة عيش حلال .. كم تمنيت أن يصوموا عن مطاردتنا … »
 في الصباح يكون الشارع المراكشي قد استسلم للسكون .. أتصورها تحولت إلى مدينة مهجورة .. غير أنه لا تكاد الشمس تتوسط كبد السماء حتى تبدأ الحركة تدب في الأزقة والشوارع والأسواق بشكل تصاعدي .. وما بين الثانية بعد الزوال والخامسة مساء تكتظ الأسواق والشوارع بالأدميين وتنشط الحركة التجارية وتتعإلى الصيحات .. وبين اللحظة و الأخرى تغلي الدماء في أدمغة البعض ، والبعض الآخر "يشعل" وتكثر الإشتبكات تصل أحيانا إلى حد تبادل اللكم..لكن تبقى العيون متجهة نحو ما تشتهيه النفس من حلويات وفواكه ولحوم وحوت وبيض ودجاج..
مباشرة بعد تناول الفطور يخرج البعض إلى الشارع .. رجال نساء أطفال شباب فتزدحم الأزقة والشوارع .. وكان شارع محمد الخامس وشارع محمد السادس هي المراكز الرئيسية للسهر ..وتنظم داخل بعض المحلات السهرات الرمضانية فيتسابق الناس لحجز مقاعدهم داخل هذه القاعات التي غالبا ما تكون عبارة عن مقاهي أو جراجات وداخل بعض الأندية الرياضية ،
فنون الفرجة والإمتاع تقدمها بامتياز ساحة جامع الفناء حيث ترتفع إيقاعات الطبول وأنغام المزامير ويتحلق الناس حول الحلقات خاصة منها تلك التي تضمن لروادها لحظة للرقص.. ومن الناس من يحاول أن يصعد على دراجته لعله ينعم برؤية ما يدور داخل الحلقة فيبدأ السحر وتتعإلى أنغام الأغاني الشعبية ويرقص البعض على إيقاعات طبول كناوة.. وهناك من يخرج لغايات أخرى(…) بينما الآخرون يستهويهم الحكاوتيون ممن يروون القصص التي تسير بهم عبر حكايات ألف ليلة وليلة أو عنترة بن شداد أو سيف بن ديزن .. بل منهم من ينسى نفسه وهو ينتقل عبر صور ومشاهد .. لحظات ومواقف .. أفراح وأطراح .. هزائم وانتصارات هذه الحكايات إلى أن يوقظه صوت النفار إذانا بوقت السحور ..
الليل المراكشي كذلك له نكهة خاصة داخل البيوت ، حيث للعب الورق تنافس شديد يمتزج بسخرية لاذعة يحاول من خلالها المراكشيون خلق لحظات للفرح.. كثيرا ما تنتهي هذه السهرات بتناول وجبة السحور، وهي عبارة عن الطنجية التي لا يمكن أن يذكر مراكش دون أن يشار إليها.. والطنجية عبارة عن إيناء طيني بشكل عمودي توضع داخله إما لحم البقر أو الغنم  وتضاف إليها التوابل والزعفران الحر والسمن .. وغالبا ما يحضرها الجزار ، ثم توضع داخل الرماد الساخن لدى مول الفرناتشي هذا الشخص المنسي وسط نيران الحمام والذي لا يسأل عنه إلا في مثل هذه المناسبات وبعدها يترك وسط السخام والرماد وشتم المستحمين وسخطهم كلما تسربت البرودة لمياه الاستحمام ..
ليلة الخامس عشر من رمضان أو ليلة الفضيلة كما يحلو للمراكشيين أن يسموها  تتميز بطقوس خاصة …وللدجاج في هذا اليوم قيمة لا تضاهيه فيها بضاعة أخرى حيث ترتفع أثمنته..و ينتشر باعة الدجاج البلدي في الشوارع والأزقة.. وتزدحم المدينة بالنازحين من البوادي حاملين معهم الدجاج عارضينه للبيع في مختلف الأسواق والأحياء بل والطرقات العامة..
المراكشيات يبدعن في إحضار الدجاج المحمر بالسمن البلدي والزعفران الحر.. ويقدمنه في وجبة العشاء .. بينما تقدم الحلوى الشباكية كدسير في هذه الليلة التي تعد مناسبة كذلك لتبادل الزيارات بين الأقارب .. وتطغى الاحتفالية في البيوت ، وهي نفس الطقوس التي تعرفها ليلة القدر وإن كان لها جانب روحي بكثرة الصلاة والخروج إلى المساجد..
في صبيحة يوم السابع والعشرين من رمضان ينتشر باعة من نوع آخر أمام مداخل المقابر ..باعة يعرضون نبات الريحان وسعف النخيل ( الجريد) والتين ، حيث يأتي الناس لزيارة المقابر قصد الترحم على أمواتهم ، فيشترون الرياحين والجريد ويضعونها فوق القبور ثم يوزعون التين على الفقراء ويتصدقون على المساكين .. هذه الطقوس تنطلق مباشرة بعده صلاة الصبح وتمتد إلى منتصف النهار
في هذا اليوم تتحول المقابر بالفعل إلى أسواق ، لكنها أسواق للرياحين والجريد فحسب .. والطريف أن البعض يجمع ما وضع فوق القبور ليعيد بيعه مرة ثانية ..
حدثني بعض المراكشيين أن المظاهر والطقوس المنتشرة اليوم في شهر رمضان لا عهد للمراكشيين بها .. فالحلوى المعروضة للبيع طيلة رمضان وفي كل اتجاه وصوب .. لم تكن تباع إلا في يومين محددين لا غير ، وهما ليلة النصف (الفضيلة) وليلة القدر حيث كانت تشترى الحلوى الشباكية وتحمل في سطل معدني وتأكل بعد العشاء كدسير ولا يقوم بصنعها وبيعها إلا السفناجة أي باعة الإسفنج ومن أشهرهم مولاي إدريس بحي أسول والسي عمر بالباروديين والحاج أحمد الخرشي بالمواسين والحاج العربي بباب دكالة والمعلم علي برياض الزيتون والحاج العباسي أما حاليا فالكل يبيع ويصنع الحلوى  بما فيهم باعة الفحم وغيرهم ..ولا يسمح لغير السفناجة ببيعها وإلا فسيتدخل الأمين أو المتحسب لمعاقبة كل من سولت له نفسه بالتطفل على هذه المهنة..
في السابق كذلك تقام أسواق للدجاج البلدي بهذه المناسبة .. ويوجد بكل حومة رجل معروف يقوم بذبح الدجاج مجانا .. ومن أشهرهم باعمر الكرارسي في باب دكالة عند ساحة الجامع الكبير
كان الأطفال قديما يشترون لعبهم التقليدية بسوق النجارين ليلة السابع والعشرين والنصف وهي ألعاب من صنع محلي تصنع من الخشب والجلد ك :تقلابت والعين  وبلحداد وشقليبان والنفار هذه الألعاب لم يعد لها آثار..
ومما يزيد متعة للعب الأطفال أنهم كانوا يرددون شعارات لاذعة وعبارات ساخرة ضد التجار المحتكرين  وضد مقدم الحومة الذي يمنعهم من اللعب داخل الدرب أما الفتيات فيصنعن عرائس من قصب وقطعا من الثوب..
ومن العادات القديمة بمراكش والتي اندثرت أن يدعى فقيه الحومة إلى البيوت لتناول وجبة الفطور بالتناوب داخل البيوت .. كما كانت توزع الحريرة على العديد من الأشخاص كمول الفران والفرناتشي والبيات وكذلك توزع على الأشخاص غير المتزوجين كالطلبة والعمال وغيرهم
ومن غرائب هذا الشهر بمراكش قديما أن لبدة الفقيه توضع في المزاد العلني بغية التبرك بها بعد الانتهاء من صلاة التراويح التي كانت تحيى في بعض البيوت بالإضافة إلى المساجد.
وفي ليلة القدر يأتي كل طالب بتلامذته في شكل أشبه بالتسابق يفتخر خلالها كل واحد منهم بتفوق تلاميذه في حفظ وترتيل القرآن والصلاة بالناس في هذه الليلة .. ومن العادات التي يحق للمراكشيين أن يعتزوا بها أنهم كانوا يأتون بأطفال يحملون أطباقا فيها الحليب والتمر ويقفون أمام المساجد حيث يتناولها المصلون عند خروجهم من المسجد بعد صلاة المغرب ، وهذه من شيم الكرم التي كان يتميز بها المراكشيون القدماء .. كل هذه العادات انقرضت وللأسف خلال السنوات الأخيرة
هكذا إذن هي مراكش ..وهكذا تحتفي برمضان .. وبين زمان وآخر تحضن عادات وتتخلى عن أخرى …وتخلق لنفسها طقوسا بعدما تودع أخرى..لكنها تحرص على أن تكون متميزة .. تحرص أن تجمع بين المتناقضات .. تحرص على أن تجعل زائرها يدخل عالما أسطوريا يجمع بين الواقع والخيال…ولكنه في الأخير يدرك أنه في مراكش.
محمد المبارك البومسهولي


معرض صور