المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

هل تعاود أوروبا طريقها نحو جنون الشوفينية ؟

الثلاثاء 3 يونيو 2014

هل تعاود أوروبا طريقها نحو جنون الشوفينية ؟
 
لو أسرعنا في الظرفية الآنية،كي نجري استفتاء بين صفوف سياسيي العالم المعاصر،لنعرف من أكثرهم سعادة وزهوا وتطلعا إلى استحقاقات الغد،فلن نعثر في صدارة هؤلاء جميعا غير الشقراء الفرنسية ماري لوبن، زعيمة الجبهة الوطنية، أو بعبارة صريحة اليمين المتطرف.مصدر، انتشاء السيدة القوية،سببه تحقيق جماعتها السياسية لانتصارين كبيرين خلال مدة وجيزة لم تتجاوز ثلاثة أشهر،على حساب الاشتراكيين بقيادة فرانسوا هولاند.
فازت الجبهة الوطنية،شهر مارس بعشر بلديات في الانتخابات المحلية.ثم يوم26 ماي الأخير،وسع الحزب القومي الشوفيني نفوذه أكثر نحو الدائرة الأوروبية،حين حصل على نتيجة محفزة جدا، بلغت 25% من أصوات الهيئة الناخبة،بمناسبة انتخابات البرلمان الأوروبي،أي مايعادل تقريبا25 مقعدا، داخل أحد أهم مؤسسات الاتحاد،موجها مرة أخرى ضربة موجعة إلى الاشتراكيين،الذين لم تتجاوز حصتهم 14%،من تم اكتفاؤهم بالرتبة الثالثة،وراء حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية،صاحب الموقع الثاني ب20% .
تلتقط ماري لوبن،بكيفية ذكية مختلف المساوئ التي تنحو صوبها فرنسا،ثقافيا وسياسيا واقتصاديا،كي تنفث  روحا"حداثية" وفق خطاب أفيوني، مؤدلج، لكنه معاصر، متكامل منطقيا،يلهب حماسة فرنسيين وجدوا أنفسهم تحت سياط زمن العولمة والأزمات الاقتصادية،وفوبيا التقنية وأهوال الكوارث والأوبئة والأمراض البيولوجية الفتاكة، واضمحلال قيم التضامن الأسروية،عالقين بين مخالب "زمن موحش بلا ضفاف".
لذا،فالجبهة الوطنية التي استمرت معزولة سياسيا ومحظورة عرفيا،منذ تأسيسها حتى أواخر التسعينات،بحيث لم يكن فرنسي، سوي، متشبع على امتداد أسلاكه التعليمية،بمبادئ الثورة الفرنسية ومتون الأنوار وكذا نوعية النصوص التي تمثلها الفرنسيون عموما، قراءة، وحكيا، ومعاينة، وسمعا،عبر الفضاءات العامة لبلد فولتير.أقول،على ضوء حيثيات سياق كهذا،اعتٌبر دائما جان ماري لوبن،أب الزعيمة الحالية وكذا الملهم الروحي لمتطرفي فرنسا،وطبعا المؤسس التاريخي للجبهة الوطنية،مجرد مريض نفسي أصابه داء السوداوية نتيجة صدمة استقلال الجزائر،فصار يكره الجميع متمنيا كل لحظة لو أحرق هذا الجميع،لأن فرنسا جديرة بأهلها فقط، دون غيرهم من الأجناس الأخرى.
ماذا يحدث آنيا للمشروع الأوروبي، الذي تكرس وفق قيم العقلنة والتحديث واحترام حقوق الأفراد والجماعات؟فلا شك، أن أشياء أخذت تطفو إلى السطح،تظهر عين اليقين،وجود تآكل داخلي ينخر مرجعيات المشروع،ويزيغ به عن الركائز التي تعاقد حولها الأوربيون،منذ معاهدة روما سنة 1957،التي ستبلغ أقصى درجات حكمتها ونضجها في معاهدتي ماسترخت(1992) وكذا أمستردام(1997).الأطروحة النقيض،لكل المعارك التي خاضها الأوربيون على جبهات عدة، كي يدركوا،في لحظة معينة مايرفلون فيه من نعيم،يتمثل في التشكل المؤسساتي رويدا رويدا،لليمين المتطرف العنصري الرافض لمبدأ الاتحاد الأوروبي، متمسكا بالعقيدة القومية،لذا جاء توصيف هولاند معبرا غاية التعبير،معلقا على النتائج بقوله :((هذه الانتخابات أكثر من تحذير،إنها صدمة، إنها زلزال)). نعم زلزال، ستدوم ارتداداته لفترة طويلة، ولن تقف إلا بعد إعادة تشكيلها لجيولوجية صفائح الخريطة القائمة. تكفي فقط الإشارة، أن تيار النازيين الجدد،صار لهم ممثل في البرلمان الأوروبي الجديد،وأن تنظيمات متطرفة في الدنمارك، النمسا، السويد، فلندا، بولندا، هولندا، بلجيكا، اليونان ،المجر، وإيطاليا،ترفض أساسا فكرة استمرار بناء وحدة أوروبا،  بحيث تلعن الاندماج الاقتصادي، وهيمنة اقتصاديات دول أوروبية بعينها لاسيما ألمانيا،الأقوى اقتصاديا داخل الاتحاد.بعد ذلك، يقذفون جام غضبهم على المهاجرين،متهمين إياهم،بشتى المصائب التي حلت بقارة،لم تعد عجوزا لأن أضلاع الهرم السكاني تتسع أكثرلفئة الشيوخ،مقارنة مع الشباب،لكن لأن نَفَس الأوروبيين الاقتصادي،أضحى عاجزا عن مجاراة قوى أخرى صاعدة، بكيفية تفوق كل تقديرات المستقبليين،والنموذج الصيني جلي في هذا السياق.
تختزل، بعض أسباب صعود اليمين المتطرف،في :  1-الأزمات الاقتصادية المتتالية2.- الإجراءات التقشفية المتبعة من طرف الحكومات الأوروبية، التي أنهكت المواطن. 3-ارتفاع نسب البطالة4.-تزايد أعداد المهاجرين بوسائل شرعية وغير شرعية5.-تصاعد الخطاب الهوياتي للحركات الأصولية الإسلامية،على امتداد البلدان الأوروبية،بحيث تهدد في المجمل النظام اللائكي الذي أراده الأوربيون لمسارهم بشكل حر. 6-استفحال المشاكل السوسيو-اقتصادية، لإفريقيا والعالم العربي،مما يؤدي إلى خلق ردود فعل سلبية جدا في الضفة الشمالية،مبعثها هاجس الخوف من تأثر نمط حياتهم، جراء مشاكل دول الجنوب.
مع أن ناقوس الخطر،دقّ جراء هذا الصعود الملفت لليمين المتطرف،إلى منصة صانعي القرار الأوروبي،يؤكد والتأويل دائما للرئيس الفرنسي هولاند،أن :((أوربا أصبحت منغلقة،متباعدة،وغير مفهومة في الأساس حتى بالنسبة للحكومات)) ،فإن البعض لازال مقتنعا،ببعد القارة كل البعد عن قبضة العماء الأيديويوجي،مادام حجم دعاته ضعيف وهامشي،بالتالي،ف140نائبا، كما قارب عددهم حاليا داخل البرلمان بعد التصويت الأخير،لن يشكل كتلة ضاغطة قياسا لباقي مكونات المؤسسة التي يتحدد مجموع أعضائها في751نائبا،يتوزعون بين الاشتراكيين(186مقعدا) ،الليبراليين(70مقعدا) ،ثم الخضر(55مقعد).
وضع حسابي،لم يضعف رغم ذلك من همة ماري لوبن،التي أسرعت إلى عقد مؤتمر صحفي في بروكسيل،جعلته منبرا كي تدعو الأحزاب المناهضة لأوروبا الموحدة،قصد لملمة أطرافها في إطار ائتلاف سياسي داخل برلمان ستراسبورغ، والسعي إلى إيجاد أرضية مشتركة !!أفق،يثير رغبتنا،كي نتابع خلال الأيام القليلة المقبلة،طبيعة التحالفات التي ستتدبرها لوبن مع باقي زمرتها،ثم إلى أي حد يمكن لهولاند أن يجسد على أرض الواقع،ماعبر عنه لغويا :((أنا أوروبي، وواجبي أن أصلح فرنسا وأغير توجه الاتحاد الأوروبي))؟.
  
 
سعيـد بوخليـط
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
سعيـد بوخليـط

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل