هكذا كانت مراكش في الكارت بوسطال

حرر بتاريخ 12/05/2014
المراكشية


هكذا كانت مراكش في الكارت بوسطال
 ظلت البطاقات البريدية منذ زمن بعيد أداة تواصلية تتجدد قيمتها بصورة تلقائية حيث اكتسبت مناعة قوية جعلتها تحصن موقعها حتى في أوج التقدم الهائل الذي تحقق في مجال أجهزة التصوير والتواصل التي أصبحت في متناول فئات عريضة من أفراد المجتمع . 
وبقيت البطاقة البريدية المعروفة على نطاق واسع في المجتمع المغربي بالإسم الفرنسي الذي تحمله وهو "الكارط بوسطال" مستمرة في أداء دورها كأداة للتقارب ذي أبعاد دلالية متعددة يتمثل على الخصوص في إتاحة الفرصة للمسافرين والسياح لإيصال أشواقهم للأحباب والأقارب وإطلاعهم على بعض مظاهر الحياة اليومية في المجتمعات التي يزورونها خلال رحلاتهم. 
ويبقى مضمون الصور الذي تحمله البطاقات البريدية خاضعا للإنطباع الفردي للشخص الذي التقط الصورة ومن تمة تخضع الصورة التي التقطت لمعايير ذاتية تتحكم فيها مقاييس مسبقة ترتبط بثقافة هذا المصور وذوقه وانتمائه الإجتماعي وجذوره الحضارية... وغيرها من المعايير التي تكيف في مجموعها الإنطباع النمطي الذي أصبح يلازم البطاقات البريدية خاصة إذا كان الأمر يتعلق بمجتمع ينتمي إلى خانة دول الجنوب . 
وبإلقاء نظرة على البطاقات البريدية التي يدور موضوعها حول مدينة مراكش فهي لا تشد عن هذه القاعدة حيث تصنف جل هذه الصور المعروضة للبيع في مختلف دكاكين المدينة ضمن ما يمكن تسميته ب"المغرب السياحي"والتي يستشف منها أن ملتقطي هذه الصور كانوا منبهرين ب"الطابع العجائبي" للمدينة خاصة ساحة جامع الفنا التي تعج على مدار الساعة بما يثير فضول السياح من مختلف الجنسيات الذين لا يترددون طيلة الوقت في التقاط العديد من الصور التي يوجه البعض منها لدور الطباعة والنشر التي تنتقي البعض منها لتصبح موضوع صور لبطاقات بريدية. 
فنجد ضمن هذه البطاقات صورا لجامع الفنا خلال الفترة المسائية وأخرى للساحة بعد أن أرخى الليل سدوله وأصبح هذا الفضاء يتلألأ تحت أضواء المصابيح الخافتة هناك أيضا صور لمروضي الثعابين يراقصون هذه الكائنات الزاحفة بمهارة لا تخلو من حذر واحترافية وأخرى لمجموعة من السقائين بلباسهم الأحمر المميز وقربهم الجلدية وأوانيهم النحاسية كما أن هناك لقطات للنسوة اللواتي يحترفن النقش بالحناء أو اللواتي يقرأن الطالع باستعمال ورق اللعب· 
وبجانب هذا الصنف من اللقطات التي يدور موضوعها حول "لعالم العجائبي" لساحة جامع الفناء نجد بطاقات بريدية أخرى تحضر فيها الإنطباعية النمطية حول واقع الحياة اليومية والتي لا تخلو من قوة البداهة. ومن ضمن هذه اللقطات صورة الرجل المسن ذي البشرة السمراء والعمامة الزرقاء الذي يبيع رزما صغيرة من النعناع إلى أن أدركته غفوة نوم فاستسلم لسبات عميق أو صورة الرجل الذي توحي ملامحه بانتمائه للعالم القروي وهو يسوق عربة تجرها دابة وبعد توقفه بمحطة لبيع الوقود قصد ملئ البرميل الذي يوجد فوق العربة بسائل الغازوال أخذت له اللقطة على حين غرة أو سائق عربة الكوتشي الذي يشد بإحدى يديه العنان والسوط ويمسك بالأخرى هاتفه المحمول المتبث إلى إذنه وهو منهمك في حوار هاتفي في الوقت الذي تشق فيه العربة طريقها وسط الطريق العمومية. 
وضمن هذا الزخم الكبير من اللقطات المكرسة للنظرة النمطية عن عالم المغرب السياحي نجد قلة من البطاقات البريدية حول مدينة مراكش التي تخرج عن هذا الإطار وتعكس حسا فنيا راقيا لدى الأشخاص الذين التقطوها ومن ضمن هذه النماذج على سبيل المثال لا الحصر البطاقة البريدية التي تحمل صورة للمنزل الذي اتخذ منه المستشرق الفرنسي الراحل الفنان جاك ماجويل مرسما داخل حديقته التي تعتبر واحدة من أهم المواقع التي يحج إليها آلاف السياح الوافدين على مراكش على امتداد السنة . 
وفي هذا السياق أيضا يمكن الحديث عن اللقطة المأخوذة لسقف إحدى القاعات الكبيرة المتواجدة بقصر الباهية والتي تحمل أشكالا هائلة من الزخارف المتنوعة التي لم يكن باستطاعة الناظر إليها اكتشاف روعتها دون الإنتباه للألوان المتعددة التي طليت عليها بدقة متناهية وأضفت عليها بهاء إضافيا· كما يمكن الحديث بهذا الخصوص عن اللقطات المتعددة المأخوذة من زوايا مختلفة لبعض المعالم التاريخية الشهيرة بمراكش مثل حدائق المنارة وأطلال قصر البديع ومنظر صومعة الكتبية أو تشكيل من اشجار النخيل الممزوج مع منظر الغروب. ويقول عبد الله حتراوي الذي يملك دكانا لبيع البطاقات البريدية وسط ساحة جامع الفنا أن معاملاته اليومية تتم في الغالب مع السياح الأجانب الذين يقدمون بكثرة على شراء البطاقات التي يهم موضوعها جامع الفناء ثم يأتي في المقام الثاني الصور الملتقطة للمواقع التاريخية المميزة لمدينة مراكش. 
وأضاف حتراوي أن زبناءه من المغاربة قليلون جدا ولا تكثر أعدادهم إلا مع حلول فصل الصيف حيث تتوافد على مراكش الآلاف من الأسر المغربية المقيمة في الخارج والتي يحرص أبنائها سواء منهم الأطفال أو البالغين على شراء البطاقات مع الطوابع البريدية الخاصة بالإرساليات العابرة للحدود. 
واعتبارا لذلك فإذا كان القاسم المشترك الغالب على مضامين صور البطاقات البريدية الملتقطة لمراكش هو طابع النظرة النمطية فإن التعامل معها أو التوظيف الذي تستخدم من أجله يبقى مطبوعا بدوره بالبعد النمطي وهذا من شأنه أيضا أن يشكل في بعض الأحيان موضوع مغالطة كما يتضح ذلك من خلال التعليق المصاحب لإحدى البطاقات البريدية التي تحمل صورة مجموعة من القفات المملوءة بالورد الجاف من اللونين الأحمر والوردي إلى جانب قفف أخرى مملوءة بالجلنار المصبوغ بألوان متنوعة والتي من المعروف أنها تستعمل في الديكور بينما يشير التعليق المكتوب خلف البطاقة البريدية إلى أنها من مواد الزينة التقليدية. 





من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية