المراكشية : بوابة مراكش

هذه "مراكش" لجورج أورويل/ ٢


ترجمة نورالدين الزويتني | حرر بتاريخ 29/04/2020



كتب جورج أورويل مقالته الرائعة «مراكش» سنة 1939 خلال إقامته الاستشفائية التي استغرقت زهاء ستة أشهر بهذه المدينة. وقد أسالت هذه المقالة حبرا كثيرا خصوصا بين النقاد والدارسين المهتمين بالنقد الثقافي لدرجة أنها تعتبر اليوم متنا دراسيا في هذا الحقل مثلها مثل الكثير من النصوص الشبيهة كـ»قلب الظلام» لجوزيف كونراد، و»موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، و»أصوات مراكش» لإلياس كانيتي، وغيرها من النصوص.


معظم أراضي المغرب جرداء جدا لدرجة أن حيوانا بريا أكبر من حجم الأرنب لا يستطيع العيش عليها. مساحات شاسعة جدا كانت تغطيها الغابات أصبحت يبابا لا شجر فيها، فيما التربة شبيهة تماما بقطع طوب مكسور. مع ذلك هناك نسبة كبيرة من الأراضي الفلاحية يبذل أصحابها جهدا مرعبا في زرعها. كل الشغل هنا يدوي. طوابير طويلة من النساء المعقوفات الجسم كالحرف اللاتيني L في شكله الكبير مقلوبا، يشققن طريقهن ببطء عبر الحقول، وهن ينتزعن بأيديهن الأعشاب الشائكة، بينما الفلاحون يجمعون البرسيم علفا للماشية مقتلعين إياه ساقا ساقا عوض حصده كاملا ليقتصدوا بضعة سنتيمات في كل ساق. المحراث عبارة عن شيء خشبي بئيس، خفيف الوزن جداً حتى ليسهل على المرء حمله على الكتف، مزود في أسفله بقطعة حديد خشنة تقلب التربة موغلة إلى عمق عشرة سنتيمرات تقريبا. إنه يناسب قدرة الحيوانات هنا. فعادة يتم الحرث اعتمادا على حمار وبقرة مقيدين إلى بعضهما البعض. حماران اثنان ليس لديهما ما يكفي من القوة. أما استخدام بقرتين فيكلف علفا أكثر. كما لا يملك الفلاحون مسالف حديدية، هم فقط يحرثون الأرض مرات عديدة في اتجاهات مختلفة تاركين عليها أخاديد غير مستوية، ثم بعدها يستخدمون المعاول لتسوية كامل الحقل على شكل رقع صغيرة مستطيلة بغرض الحفاظ على الماء، إذ ليس هناك ماء كاف غالبا باستثناء يوم أو يومين من المطر إثر عاصفة مطرية نادرة. وبهدف الوصول إلى مجاري المياه الهزيلة في باطن الأرض تُحفر قنوات بعمق10 او 13 مترا على طول حواف الحقول.
بعد كل ظهيرة تمر مجموعة من النساء المسنات جداً على الطريق المحاذي لبيتي،على عاتق كل واحدة منهن حمل من الحطب. أجسادهن محنطة بفعل السن والشمس، ويَبدين صغيرات الحجم. يظهر أن المرأة بشكل عام في المجتمعات البدائية تتقلص إلى حجم طفل عندما تبلغ سنا معينا. ففي أحد الأيام مر من أمامي كائن مسن ضعيف لا يتجاوز طوله متر و20 سنتيما وهو يرزح تحت حمل هائل من الحطب. كان الكائن امرأة أوقفتها ودسست في يدها قطعة من فئة 5 فرنكات (أكثر قليلا من ربع بنس). ردت علي بأنة حادة، بدت تقريبا مثل صرخة، تنم عن بعض امتنان وكثير من الدهشة. أظن أن اهتمامي بها بدا من زاوية نظرها انتهاكا تقريبا لقانون من قوانين الطبيعة. لقد قبِلَتْ وضعها كامرأة مسنة، أو بعبارة أخرى كبهيمةً أثقال. فعندما تكون أسرة ما في الطريق مسافرة، تشاهد في غالب الأحيان الأب وابنه الراشد ممتطيين حمارين في المقدمة، بينما امرأة مسنة تتبعهما على الأقدام حاملة المتاع.
الغريب لدى هؤلاء الناس أن العين لا تراهم. فلعدة أسابيع، ودائما في نفس الوقت كل يوم، تمر مجموعة النساء المسنات بمحاذاة بيتي حاملات الحطب. ورغم أن صورتهن انطبعت في بؤبؤ عيني، لا أستطيع الجزم حقا أنني رأيتهن فعلاً. كوم من الحطب فقط كانت تمر أمامي – هكذا كنت أرى المشهد. حدث مرة أن وجدت نفسي ماشيا وراءهن، وقد أثارت حركة حمولة الحطب في صعودها وهبوطها الغريب انتباهي إلى الإنسان الرازح تحتها. ولأول مرة لاحظت الأجساد الضعيفة الملونة بلون الأرض، أجساد اُختزلت إلى عظام وجلود، أجساد حادة الانحناء تحت ثقل الحمولة. حين كنت وطئت أرض المغرب لم تكد تمر خمس دقائق على ما أظن حتى لاحظت على الفور الحمولة الزائدة على ظهور الحمير، وقد أغاضني ذلك الأمر. ما من شك أن الحمير تُعامل بفظاعة. فالحمار المغربي لا يتعدى حجمه بالكاد كلبا من فصيلة سانت برنارد، لكنه يحمل أثقالا تعتبر من منظور الجيش البريطاني ثقيلة جداً حتى على بغل ارتفاعه متر ونصف، كما تظل البردعة في غالب الوقت على ظهره لأسابيع عديدة. وما يثير الشفقة بشكل خاص هو أن الحمار أكثر الكائنات على الأرض طاعة، فهو يتبع سيده مثل كلب دونما حاجة إلى رسن أو قيد، ثم عندما بعد سنين عديدة من الإخلاص في العمل يسقط فجأة ميتاً، يرمي به صاحبه في خندق ما لتنهش كلاب القرية أحشاءه قبل أن تبرد.
مثل هذا الأمر يجعل الدم يغلي في عروقك، في حين أن معاناة البشر بشكل عام لا تسبب ذلك. أنا لست بصدد كتابة تعليق، بل أثير الانتباه فقط إلى حقيقة ما. الأشخاص ذوو البشرة البنية لا تراهم العين تقريبا. يمكن لأي شخص أن يشعر بالأسف لأجل الحمار ذي الظهر المقشور، لكن يتطلب الأمر حادثا ما حتى يتمكن نفس الشخص من ملاحظة المرأة المسنة الرازحة تحت حمولة العيدان.
كانت اللقالق تحلق شمالا، بينما الزنوج متجهون جنوبا – عمود غبار طويل، فرقة مشاة، بطاريات مدفعية جبلية، ثم المزيد من المشاة، أربعة أو خمسة آلاف رجل إجمالا، يسيرون على وقع الأحذية الثقيلة، وجلجلة العجلات الحديدية.
كانوا سنغاليين، أشد الزنوج سمرة في القارة الإفريقية، لدرجة يصعب معها أحيانا التعرف على مبتدأ شعر الرأس لديهم على مستوى الرقبة من شدة سمرتهم. كانت أجسادهم البهية متوارية تحت بدلة « الكاكي» الطويلة، بينما أقدامهم المضغوطة داخل الأحذية الثقيلة تبدو ككتل من الخشب، وكانت كل خوذة معدن يرتدونها تبدو أصغر على رؤوسهم. كان الجو حاراً جداً والرجال وقد قطعوا مسافة طويلة يرزحون تحت ثقل حُزَم العدة، فيما وجوههم السمراء الحساسة بشكل غريب تلمع عرقا.
لدى مرورهم أمامي استدار نحوي شاب زنجي طويل ملفتا نظري. لكن النظرة التي ألقاها إلي لم تكن البتة النظرة التي قد يتوقعها المرء. لم تكن نظرة عدوانية، أو مزدرية، أو عابسة، أو حتى مستطلعة. كانت نظرةً زنجية خجولة وفاغرة، نظرة احترام عميق في الواقع. وقد رأيت ما كانت تعنيه. هذا الشاب البئيس، الذي هو مواطن فرنسي، والذي بسبب ذلك تم سحبه من الغابة لينظف الأرضيات و يُصاب بعدوى الزهري في الحاميات العسكرية، يشعر في الواقع بمشاعر الإجلال تجاه ذوي البشرة البيضاء . لقد لقنوه أن البيض أسياده، وهو لم يتوقف يوما عن تصديق ذلك.
لكن هنالك فكرة واحدة تخطر في بال كل رجل أبيض عندما يرى كتيبة سمراء تمر أمامه ( ولا يهم بتاتا بهذا الخصوص إن كان يعتبر نفسه اشتراكياً) «إلى متى يمكننا الاستمرار في الضحك على ذقون هؤلاء الناس؟ كم يلزم من الوقت قبل أن يوجهوا بنادقهم الوجهة الأخرى؟ «
الأمر غريب حقاً. كانت هذه الفكرة تقبع في مكان ما من عقل كل رجل أبيض. كانت تقبع في عقلي، وعقول كل الناظرين من بعيد إلى المشهد، وعقول الضباط الممتطين صهوات خيولهم المتعرقة، وضباط الصف البيض الماشين بين الصفوف. كان الأمر شبيها بسر نعرفه جميعا، وكنا أذكى من أن نفشيه . فقط الزنوج لم يكونوا يعرفونه. كان مشهد العمود الطويل من الزنوج شبيها تقريبا بقطيع ماشية، مسافة ميل أو ميلين من الرجال المسلحين، صاعدين الطريق في سكينة، فيما الطيور البيضاء الكبيرة تحلق فوقهم في الاتجاه المعاكس ملتمعة مثل قصاصات ورق



أخبار | مراكش | ثقافة وفن | تعليم | آراء | فيديو | رياضة







Facebook
Twitter
Flickr
YouTube
Rss
بحوث I تعليم I جامعة