المراكشية : بوابة مراكش

هذه "مراكش" لجورج أورويل /١


ترجمة نورالدين الزويتني | حرر بتاريخ 28/04/2020



كتب جورج أورويل مقالته الرائعة «مراكش» سنة 1939 خلال إقامته الاستشفائية التي استغرقت زهاء ستة أشهر بهذه المدينة. وقد أسالت هذه المقالة حبرا كثيرا خصوصا بين النقاد والدارسين المهتمين بالنقد الثقافي لدرجة أنها تعتبر اليوم متنا دراسيا في هذا الحقل مثلها مثل الكثير من النصوص الشبيهة كـ»قلب الظلام» لجوزيف كونراد، و»موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، و»أصوات مراكش» لإلياس كانيتي، وغيرها من النصوص.



عندما عبرت الجثة طار الذباب في شكل غيمة عن طاولة المطعم واندفع وراءها، لكنه عاد أدراجه ً بعد بضع دقائق.
انسلت جماعة المشيعين الصغيرة – جميعهم رجال وأولاد، ما من نساء – وسط السوق بين أكوام الرمان وسيارات الأجرة والجِمال، مرددين ترتيلة نحيب قصيرة. ما يجتذب الذباب هنا فعلا هو كون الناس لا يضعون الجثث أبدا داخل توابيت، بل يلفونها في خرقة ويحملونها على نعش خشبي خشن فوق أكتاف أربعة أصدقاء. وحين يصل هؤلاء الى مكان الدفن يحفرون حفرة مستطيلة يتراوح عمقها بين الثلاثين والستين سنتيمترا ويرمون بالجثة داخلها، ثم يهيلون فوقها بعض التراب الجاف المتكتل الشبيه بطوب مكسور. لا وجود لشاهدة قبرأو اسم أو أية علامة من أي شكل. مكان الدفن عبارة فقط عن تلة يباب هائلة شبيهة بموقع بناء مهجور. ثم بعد انصرام شهر أو شهرين يتعذر على المرء التعرف بيقين على المكان الذي دفن فيه قريبه.
عندما تتمشى وسط بلدة مثل هذه – بها مائتا ألف نسمة، عشرون ألف منهم على الأقل لا يملكون بحق سوى تلك الخرق التي تسترهم – عندما ترى كيف يعيشون، بل أكثر من ذلك كيف بسهولة يموتون، يصعب عليك مرارا التصديق بأنك تتمشى بين كائنات بشرية. جميع الإمبراطوريات الاستعمارية تأسست في الواقع على هذه الحقيقة. الناس هنا ذوو وجوه بنية – إضافة إلى كثرة أعدادهم! هل هم حقاً من نفس لحمك ودمك؟ هل لهم أسماء؟ أم هم مجرد نوع من الكائنات البنية التي يصعب التمييز بينها، تماما كما النحل أو حشرات الشعاب المرجانية؟ هم يخرجون من الأرض، يعرقون ويعانون الجوع ومرة أخرى ينحدرون إلى قاع قبور لا أسماء تميزها، وما من أحد بعد ذلك يلاحظ غيابهم. حتى القبور سريعا ما تتلاشى في التراب. أحيانا وأنت تتمشى في الخارج سالكا طريقا يخترق أشجار التين الشوكي، تلاحظ كثرة الحفر والنتوءات تحت قدميك، ووحده شيء من التناسق في تلك النتوءات يجعلك تدرك أنك إنما تتمشى فوق هياكل عظمية.
كنت مرة أطعم أحد غزلان الحدائق العامة.
فالغزلان هي الحيوانات الوحيدة التي تثير شهية الأكل وهي بعد حية، والحق أنه لا يمكن للمرء أن ينظر إلى أطرافها الخلفية دون أن تساوره صلصة النعناع. يبدو أن الغزال الذي كنت اُطعمه أدرك ما كنت أفكر فيه لأنني حتما لم أرُق له رغم أنه تناول قطعة الخبز التي مددتها له. طفق الغزال يقضم الخبز بسرعة، ثم أحنى رأسه وحاول أن ينطحني، ثم قضم قضمةً أخرى ونطح من جديد. ربما كان يفكر أنه إن تمكن من إبعادي، فسيظل الخبز عالقا بشكل ما في الهواء.
وضع حفار عربي يشتغل في ممر قريب معوله الثقيل وانحرف نحونا. جال بنظره من الغزال إلى الخبز ومن الخبز الي الغزال بنوع من الدهشة الهادئة، وكأنه لم يشهد حدوث أمر مثل ذلك من قبل. أخيراً قال في خجل باللغة الفرنسية:
«بإمكاني… أكْل بعض ذلك الخبز»
قطعت له بعضا من الخبز فخبأه بامتنان في مكان سري تحت خرقته. هذا الرجل هو مستخدم تابع للبلدية.
عندما تعبر حارات الملّاح اليهودي، تأخذ فكرة عما كانت عليه غالبا حارات اليهود في القرون الوسطى. فالحكام المغاربة لم يكونوا يسمحون لليهود بامتلاك الأرض في مناطق محدودة، ثم بعد مرور قرون من نظير هذه المعاملة لم يعد اليهود يعبأون لأمر التزاحم. العديد من الأزقة عرضها أقل من مترين بكثير، كما أن المنازل منعدمة النوافذ تماما، والأطفال الرُّمْد يحتشدون بأعداد لا تصدق في كل مكان كما غيومٍ من ذباب. وهناك غالبا ساقية بول صغيرة تجري وسط الزقاق.
في سوق الملّاح، ترى أعدادا هائلة من العائلات اليهودية، يرتدي أفرادها جميعا أردية طويلة سوداء وطواقي صغيرة سوداء. يشتغلون داخل دكاكين مظلمة يكتسحها الذباب وتبدو مثل كهوف.هناك نجار يجلس متربعا أمام مخرطة من عصر ما قبل التاريخ وهو يدير بسرعة البرق أرجل الكراسي في تلك المخرطة. تشاهده يُشَغّل المخرطة بواسطة قوس في يده اليمني بينما قدمه اليسرى تتحكم في الإزميل. ولأنه قضى كل العمر جالسا في نفس الوضع اعوجت ساقه اليسرى. بجانبه حفيده البالغ ست سنوات مشتغلا منذ تلك السن على أعمال بسيطة.
كنت ماراً فقط بدكاكين النحاسين عندما رمقني أحدهم أشعل سيجارةً. وعلى الفور فوجئت باندفاع مسعور لليهود من كل تلك الحفر المظلمة حولي. كان العديد منهم أجدادا مسنين بلحى رمادية طويلة، يصرخون كلهم طالبين سيجارة. بل إن أحد العميان سمع في مكان ما خلف أحد الدكاكين شائعة السيجارة فجاء يزحف نحوي متحسسا بيده الهواء. هكذا في حوالي دقيقة نفذت علبة السجائر. أظن أن لا أحد منهم يشتغل أقل من إثنتي عشرة ساعة في اليوم، لذلك كانوا يرون في مجرد سيجارة ضربا من الرفاهية المستحيلة.
ولأن اليهود يعيشون في مجتمعات مغلقة، فإنهم يشتغلون بنفس أنواع التجارة مثل العرب، باستثناء الزراعة. باعة الفاكهة، الخزافون، الصاغة، الحدادون، الجزارون،عمال الجلد، الخياطون، السقاؤون، الحمالون – حيثما نظرت لا ترى سوى اليهود . هناك في الواقع ثلاثة عشر ألف منهم، يعيشون جميعا في حيز لا يتعدى بضعة هكتارات. لحسن الحظ أن هتلر لا يعيش هنا . هو ربما، مع ذلك، في طريقه. كما تسمع الشائعات الخسيسة المألوفة عن اليهود، صادرة ليس عن العرب فقط، بل أيضاً عن الأوروبيين الأكثر فقرا.
« أجل يا صاحبي، لقد أخذوا مني عملي وأعطوه ليهودي. اليهود! إنهم حكام هذا البلد الحقيقيون، هل تعرف ذلك. يملكون المال كله، ويتحكمون في البنوك، المالية – كل شيء»
«لكن» قلت «أليس حقيقة أن اليهودي العادي هو مجرد عامل يشتغل ساعة من الزمن مقابل سنت واحد؟ «
« أوه، ليس هذا سوى تمثيل! هم في الواقع مرابون، ماكرون اليهود»
بنفس المنطق، وقبل مئتي سنة، كانت نساء مسنات فقيرات تحرقن بتهمة ممارسة السحر، هن اللواتي لم يكن يسعفهن السحر بشكل كاف للحصول على وجبة طعام كاملة.
جميع الذين يشتغلون بأعمال يدوية لا تراهم العين بشكل كاف، وكلما زادت أهمية العمل الذي يقومون به كانوا أقل بروزا للعيان. مع ذلك تلاحظ العينُ صاحب البشرة البيضاء بوضوح تام. فإذا حدث في شمال أوروبا وصادفت فلاحا يحرث الأرض، فأنت تعاود النظر إليه في الغالب مرة ثانية. أما في البلدان ذات الطقس الحار، في أيما جهة جنوب جبل طارق أو شرقي السويس فاحتمال رؤيته ضعيف جدا. لاحظت هذا الأمر مرات متعددة. ففي المشهد الاستوائي ترى العين كل شيء إلا الإنسان. ترى التربة الجافة، شجر التين الشوكي، النخيل، والجبل البعيد، لكنها دائماً تخطئ الفلاح وهو يعزق حقله. هو بنفس لون الأرض، لكنه أقل إثارة للاهتمام بكثير.
لهذا السبب فقط أصبح هناك إقبال على البلدان الفقيرة في آسيا و إفريقيا كوجهة سياحية. لن يفكر أحد قط في تنظيم رحلات رخيصة الي الأماكن المنكوبة. لكن حيثما وُجِد البشر ذوو البشرة البنية، ففقرهم ببساطة لا يُلاحظ. ماذا يعني المغرب للرجل الفرنسي؟ بستان برتقال ووظيفة في خدمة الحكومة. أو ماذا يعني للرجل الانجليزي ؟ جِمال، قصور، نخيل، فيالق أجنبية، صواني نحاسية، قطاع طرق. قد تعيش أعواما في هذا البلد دون أن تلاحظ أن حقيقة الحياة بالنسبة لتسعة أعشار الناس هنا هي صراع مرير بلا نهاية لانتزاع قليل من القوت من تربة عصفت بها التعرية.
.
عن العدد الأخير (39) من مجلة «الثقافة المغربية»



أخبار | مراكش | ثقافة وفن | تعليم | آراء | فيديو | رياضة







Facebook
Twitter
Flickr
YouTube
Rss
بحوث I تعليم I جامعة