المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

نقاشات الديمقراطيين المسيحيين في أوروبا

الثلاثاء 7 يوليوز 2015

نقاشات الديمقراطيين المسيحيين في أوروبا
يخطئ أنصار التيار الديني،حينما يؤاخذون على الفكر السياسي الأوروبي،موقفه السلبي من الحركات الأصولية الإسلامية،بينما جغرافية القارة العجوز نفسها، حسب قولهم،تزخر بتوجهات دينية محافظة أو يمينية تقليدية،جعلت من العقيدة المسيحية،مرجعية وغاية،لتفعيل مشاريعها السياسية.فلا يوجد اليوم بلد أوروبي،سواء كان صغيرا مثل لوكسمبورغ أو كبيرا في حجم ألمانيا،تنعدم لديه هيئات حزبية مسيحية،تنتج يوميا أشكالا من الممارسة السياسية، وتشارك في تعبئة الرأي العام.بل، الأفق العام،ينحو طبيعيا صوب السند الديني،مقابل تراجعات كبيرة للتيارات اليسارية الكلاسيكية والجديدة،منذ سقوط المعسكر الشرقي، ثم التغيرات القيمية الانقلابية، التي عاشها العالم مع هزات العولمة.الشاهد:أن أكبر مجموعة داخل البرلمان الأوروبي،منذ عام1999،ليس سوى حزب الشعب الأوروبي،صاحب المرجعية الديمقراطية المسيحية.
تأويل كهذا لدعاته،ينطوي على تقديرات فضفاضة وسريعة، تتغافل في أغلب الأحيان قصدا،عن الكنه والجوهر،والنقاش الأساس،ويبرره فقط منطق "المظلومية" الانفعالي،بناء على الشعار البكائي الجاهز :لماذا هو حلال عليهم، وحرام علينا؟.أما واقع الحال،من مختلف النواحي التاريخية والمعرفية،يؤكد وجود فارق نوعي هائل،بين الجماعات الأوروبية السياسية المتدينة،ثم حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي،من ناحية الاجتهادات التفكيرية، قصد استيعاب تاريخي للمقدس، وحدود الناسوت واللاهوت، وأساليب العمل،والأهداف،والإحاطة المعرفية الدقيقة بمفهوم المعاصرة،وملاحقة الأسئلة الحضارية،التي لاتتوقف الأجيال على طرحها،إلخ.
سواء وقفنا بنشأة الأحزاب الديمقراطية المسيحية،عند لحظة الحرب العالمية الثانية، بعد هزيمة الفاشيين والنازيين، وتطلعهم أيضا في ذات الآن لمجابهة زحف الأحزاب الشيوعية.أو، صعدنا به قليلا، عند نهاية القرن التاسع عشر،نتيجة سعي الحركات الكاثوليكية آنذاك، إلى التنبيه لوضعية البؤس التي يعانيها العمال جراء حركات التصنيع،وضرورة المبادرة لتحسين أحوالهم.أو، طوينا أكثر مسافات التاريخ، فتوخينا التحليق حتى القرون الثلاثة الأولى لنشأة المسيحية،بغية الحديث عن الاهتمام بإقامة ملاجئ ومساكن للمسنين والعجزة والغرباء…،وما كرسته كل تقاليد العمل الكنسي الشعبي في أوروبا.إذن، بغض النظر،عن إشكالية التأصيل،يظل عموما الإطار العام، لعمل الأحزاب الدينية المسيحية،هو المواطنة الديمقراطية بمقتضياتها الوجودية والحقوقية والاقتصادية.
نعم،يسعون إلى تعزيز مبادئ الأخلاق المسيحية، بين ثنايا الحياة العامة الأوروبية،لكن مع احترام حقيقي للديمقراطية،بحيث يقبلون أحيانا تشريعات إيتيقية قد تناقض روح المسيحية،إذا تبين لهم أنها تستجيب لحقوق آخرين،وتحتمها مقتضيات ومبادئ المواطنة.على سبيل التمثيل،رغم إيمان الديمقراطيين المسيحيين الألمان،بمركزية الأسرة في البناء المجتمعي،وامتثالهم لمفهوم الزواج كما حددته نصوص وتشريعات المسيحية،فإنهم مع ذلك،يحترمون الاختيارات الشخصية،لمن تبنى لنفسه شكلا آخر مختلفا لمؤسسة الزواج غير تصورها التقليدي.في المقابل،لا يتنازلون قيد أنملة، أو بالأحرى لايبدون أي تسامح، مع أبسط اختلال ولو طفيفا،قد يمس من قريب أو بعيد،ثوابت الكرامة الفردية والمسؤولية الاجتماعية والعدالة وحقوق الإنسان وفق التصور الليبرالي،في إطار المحافظة على الأخلاق والقيم المسيحية،مع استلهام مستمر لمرتكزاتها التأسيسة:الشفافية والأمانة والدفاع عن العدالة والمساواة.
يكفي أن نذكر في الوقت الراهن، نموذجا باهرا على المستوى الدولي،اسمه ألمانيا،يدير شؤون أجهزته بكل نجاح، الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ، بزعامة سيدة بروتستانية تمتلك كل مقومات القيادة، هي أنجيلا ميركيل. حزب،يدعو إلى تطبيق مبادئ الديمقراطية المسيحية،وتمثل الفهم المسيحي لمسؤولية البشر أمام الله.لكن،مرجعيته الدينية تلك،لا تمنعه بتاتا،كي يضم إلى صفوفه مناضلين ملحدين،ثم يجلس الكاثوليكي إلى جانب البروتستانتي،ومتدينين بديانات مختلفة غير المسيحية،بل مسلمين،لاسيما من أصول تركية،وتدرج أسماؤهم ضمن ترشيحات قوائم الحزب الانتخابية.
الديمقراطيون المسيحيون،لايلوحون ولو همسا،بمشروع بناء الدولة الدينية أو تأكيدهم على أن المسيحية هي الخلاص النهائي للبشرية،كما أنهم لايكفرون أحدا، ولا يقذفون جماعة بالزندقة والمروق عن الدين،ولايخطر على بالهم قطعا، مصادرة الحريات الشخصية.بالتالي،حينما تجري مقارنة سريعة بين نوعية تلك الأنساق، والتحول إلى ملاحظة الضحالة التي هيمنت على يومياتنا،ينتابك ضحك هستيري.
سعيد بوخليط
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
سعيد بوخليط

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل