المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

نبش في الذاكرة: عبد القادر هِركيل "صْحِيحْ" مراكش

الاربعاء 23 غشت 2017

حينما يعجز الفرد عن فهم أو تأويل بعض الظواهر الطبيعية، او حينما يصعب عليه إيجاد إيقاع متوازن لحالته النفسية، وتحقيق رغباته، فإنه يلجأ غالبا إلى الأسطورة لتدبير عجزه، وتحقيق الطمأنينة اللازمة، قد تكون الأسطورة متداولة في ثقافته ومورثه الشعبي فيلجأ للاحتماء بها، أو يجتهد في صناعة أسطورته الخاصة التي تتشكل و تتطور تدريجيا حتى تصبح مع مرور الزمن شبه موضوعة لا تقبل الجدل في بنيتها، لأن نشأتها تراعي وسط تداولها ثقافيا و اجتماعيا، من مثل العديد من الأساطير و الحكايات التي أنتجها المتخيل الشعبي المراكشي وتداولها على شكل واسع حتى أصبحت مؤثرة في الوعي الجماعي وموجهة له كأسطورة عبد القادر هركيل الفتوة القادم من الزمن الميتافيزيقي، في تاريخ كان كل حي من أحياء المدينة يرزح تحت سطوة قوتين قاهرتين، سلطة مقدم الحومة في الزمن الأسود بكل جبروتها، وسلطة موازية يمثلها فتوة الحي أو فتواته التي تصنع قوانينها الخاصة وتفرضها على الساكنة مقابل ما يشبه الحماية لها، مع ما يستتبع دلك من معاناة نفسية للساكنة و توجسهم الدائم لفقدان الشعور بالطمأنينة، و هو ما دفع المخيلة المراكشية لصناعة الفتوة النموذج مقابل ما كان سائدا ومعروفا من نماذج عدوانية تذهب إلى حد فرض أتاواة على أصحاب الفنادق و المتاجر، وفي غالب الأحيان تهدد سلامة من ينتفض ضد قوانينها، ذات القوانين التي كان يسنها الفتوة و أتباعه و يرسمون لهيمنتها حدودا معينة، من ثمة كان طبيعي أن تتجاوز شخصية عبد القادر هركيل النمط السائد، فحتى و إن كان البعض ينسبه إلى حي القصبة أو سيدي ميمون – الروايات تختلف – فمجال تحركه المدينة بكاملها ، مثله مثل الريح الليلية التي تستوطن كل ليلة غابة الشباب فتنتشر بعدها في أرجاء الأحياء حاملة لواء العدل، بدلك شبه في تحركاته بتحركات دراكولا، لكنه في ثوب البطل الأسطوري هرقل، لبنيته الجسدية التي يستطيع من خلالها دفع حافلة مليئة بالركاب، أما خصاله ففيها الكثير من خصال سوبرمان لأن الأسطورة تقول أنه أندر نفسه للدفاع عن المستضعفين، فهو الروح الصافية التي لا تقبل العبث بالقوة لصالح الشر، فحينما وجد – النزق- ما بين حي سدي عبد العزيز وباب دكالة مقتولا قيل أن هركيل جاءه ليلا في ثوب امرأة لينهي عبثه بالتحرش بالنساء و مضايقتهن، وحينما وجد – النمس – معلقا بإحدى أشجار غابة الشباب و هو ينزف من مؤخرته، قيل أن هركيل استدرجه إلى هناك عقابا له عن ما كان يلحقه من أدى لبعض أطفال حيه، تشعبت حكايات الأسطورة وحملتها المخيلة الشعبية كل القيم، ونجحت في تقزيم الكثير من سلوكات الفتواة، التي أصبحت تهاب تجاوز المحضور خشية الريح الليلية، التي أغارها يوما شتم فتوة الدار البيضاء – احمد الغول – لأهالي مراكش فقرر تحديه في مدينته بالرغم من كونه معروفا بقدرته على نزع طوار الرصيف و القذف به اتجاه الخصم ليرديه قتيلا، قرر عبد القادر هركيل أن تكون الواقعة ديمقراطية و منصفة بحضور ثلاثة شهود عن كل طرف، عرفت أطوارها أحد الشواطئ المجاورة لمدينة الدار البيضاء، وعرفت صراعا دام ثلاثة أيام قبل أن يعود الانتصار في صبح اليوم الثالث لعبد القادر هركيل ، ويتم الصلح مما يعتبره البعض كان سببا في نشوء علاقة مودة و توافق بين فتوات البيضاء و فتوات مراكش و التي لازالت قائمة حتى اليوم، قوامها الدفاع عن بعضهما البعض كلما اقتضت الضرورة دلك ، وقع هدا في الخمسينيات لكن روح الأسطورة لازالت قائمة حتى اليوم، يروي احد الشبان انه كان في البيضاء ليلا حينما هاجمه أشخاصا مجهولون، لكن نجاته كانت بسبب لكنته المراكشية ، و تحول في نفس اللحظة من ضحية إلى صديق لما عانقه أكثرهم بطشا و هو يقول – الله يرحم احمد الغول و الله يرحم عبد القادر هركيل –
 
لقد كانت أسطورة عبد القادر هركيل متنفسا اجتماعيا لمعانات الناس من الظلم ، لدلك خلقت البطل الذي يرجع التوازن لحياتها ، وربما نجحت في رسم ملامح الفتوة كما تتصوره و تبتغيه، ولأن مبدأ الفتوة لا يتعلق بالقوة الجسدية ، بل بمبدأ الهيمنة التي لإتراعي للقيم وزنا، قد نتساءل اليوم أمام وجود فتوات من طينة مغايرة في مواقع و مجالات متعددة ، تتحدى الناس و القوانين ،عن ضرورة تعديل قصة هركيل و خلق ما يشبه الأسطورة المشابهة لها و لو على سبيل التهكم من اجل التأكيد على أن المخيلة المراكشية لا تجف، و أنها قادرة على بناء جدار المقاومة الأول من خلال الإبداع ، ونسج البديل ولو على سبيل الاستئناس, - و الفاهم يفهم -
 
 
 
 
عبد الجليل البويري
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]

الكلمات المفتاحية : مراكش
عبد الجليل البويري

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل