مواقع مراكز الاستقرار خارج محيط مراكش في العصر الوسيط / ٦- تاسماطت

الاثنين 5 غشت 2013

تندرج هذه المساهمة ضمن إشكاليات تاريخ التعمير واستغلال المجال والتعامل مع الأرض بالحوز الأوسط، وبالذات منه الحيز الجغرافي الذي تشكل مراكش مركز دائرته، وحسبما يبدو فإن فترة العصر الوسيط تعتبر محطة تطور بارزة في تاريخ هذا المجال ...

نكتفي في هذه المساهمة فقط بتقديم تعريف مقتضب حسبما سمحت به الإمكانيات المرجعية المتوفرة، لستة من المواقع المذكورة هي: كليز، تاقايط، تاووتي، حارة الجذماء، رباط عقبة، وتاسماطت.


سادسا: تاسماطت
موقع جغرافي ضمن مجال إيلان في اتجاه مراكش، غير بعيد من أيت أورير الحالية. ولعل أقدم مصدر متداول تضمن مواد هذا الموقع هو كتاب التشوف لابن الزيات التادلي. ورغم اعتماد هذا الكتاب إطارا مرجعيا وحيدا لضبط رسم الاسم، فإن هذا الأخير ليس موحدا بين مختلف النسخ التي تم الرجوع إليها في التحقيق. وتقدم اللوحة الآتية أشكال الرسم الأربعة التي تم تسجيلها:
مواقع مراكز الاستقرار خارج محيط مراكش في العصر الوسيط / ٦- تاسماطت

وقد اختار محقق التشوف من بين الأشكال رسم "تاسماطت". والاسم برسمه وصيغته ونطقه أمازيغي مصمودي، ليس بغريب على أسماء المواقع المحلية لجهة إيلان. وحسب المعنى الذي اقترحه الأستاذ أحمد التوفيق، فإن لمضمون تاسماطت صلة بالوسط الطبيعي المحلي لجهة إيلان، ذلك أن الاسم جاء من "حصى الزلط الذي ينتشر في الأودية عند خروجها من الجبال وقلة انحدارها".
كان موقع "تاسماطت" تابعا لعمل مراكش خلال فترة حكم الموحدين، مشكلا فيما يبدو عنصرا من شبكة مراكز استقرار ورباطات كانت تحيط بمراكش من الخارج في شكل دائري. ولعل أهم ما اشتهر به هو نشاطه الصوفي، إذ يعتبر واحدا من مكونات شبكة الرباطات الواقعة في الحوز الأوسط خلال القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي. ومن العناصر التي تدخل في باب التاريخ الصوفي لهذا الموضع يمكن تسجيل الملاحظات التالية:
1- يبدو أن علاقة متصوفة هذا الرباط مع الشرق كانت غير عادية، الأمر الذي يلاحظ في قيمة المعلومات الخاصة بهذا الجانب ضمن المادة التي قدمها ابن الزيات عن "تاسماطت". تتجلى هذه العلاقة من جهة في حضور متصوفة الرباط إلى الديار المقدسة، إما بشكل دائم، أو موسمي يرتبط بوقت أداء فريضة الحج، ومن جهة ثانية في انتقال بعض متصوفة الشرق إلى رباط تاسماطت، واتخاذه مستقرا ومقاما وموطن وفاة. ويظهر أن هذا الاهتمام المتزايد بالشرق وخاصة أداء شعيرة الحج، لم يكن بتقليد خاص عند متصوفة هذا المركز وحدهم خلال القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي. وإنما يبدو وكأنه حالة عامة عند متصوفة الجنوب المغربي بما فيهم أهل رباطات الحوز.
2- ويمكن أن نميز في مكونات خريطة السياحات الصوفية بين جوانب ثلاثة: أهمية امتداد خط هذه الخريطة خارج المغرب، إذ يصل أقصى امتداد له إلى الديار المقدسة، وضيق الرقعة الجغرافية لمجال السياحة في المغرب، التي لا تتجاوز شمالا وادي أم الربيع حيث دكالة، ولا تتعدى جنوب الدير الشمالي للأطلس الكبير الغربي، وضيق المجال الحضري وعدم تجاوز حدوده للمراكز الحضرية القريبة من "تاسماطت" وهما مراكش وأغمات. وتقدم اللوحة الآتية أسماء المتصوفة الذين اشتهر بهم رباط "تاسماطت":
مواقع مراكز الاستقرار خارج محيط مراكش في العصر الوسيط / ٦- تاسماطت

ويمكن حصر النعوت التي أطلقها ابن الزيات على هؤلاء المتصوفة في أهل الفقه والفضل، نهاية في الزهد والتقشف، من الأبدال، من الأولياء الأخفياء. ميزت هذه العناصر أيضا متصوفة جهة الحوز بأكملهم، وهي تأكيد على ما كان لهذا الرباط من نشاط صوفي ملحوظ، وعلى قيمة رجالات التصوف الذين اشتهر بهم في رباطات مصمودة الجنوب.
3- ومن خلال معلومات التشوف، يلاحظ غياب الحديث عن الشيوخ والمريدين والتلاميذ... وعن العلاقات مع متصوفة آخرين عكس ما نجده بالنسبة لمتصوفة ينتمون لنفس المجال ولنفس الفترة مثل تاقايط ، تاووتي... الشيء الذي لا يستبعد معه ضيق إشعاع هذا الرباط. وتسري نفس الملاحظة على باقي رباطات جهة أيلان مثل: تامنصورت، تكتينت، ولعل ما يدعم ذلك أن أبا شعيب السارية كان "إذا زاره أحد من أهل جهات مراكش يقول له: أتزورني وعندكم أبو زيد". والمقصود هنا أبو زيد عبد الحليم ابن تونارت الإيلاني من أهل قرية تامنصورت.
محمد رابطة الدين /


معرض صور