مواقع مراكز الاستقرار خارج محيط مراكش في العصر الوسيط : ٤ / حارة المصابين بالجُذام

الاحد 21 يوليوز 2013

تندرج هذه المساهمة ضمن إشكاليات تاريخ التعمير واستغلال المجال والتعامل مع الأرض بالحوز الأوسط، وبالذات منه الحيز الجغرافي الذي تشكل مراكش مركز دائرته، وحسبما يبدو فإن فترة العصر الوسيط تعتبر محطة تطور بارزة في تاريخ هذا المجال ...

نكتفي في هذه المساهمة فقط بتقديم تعريف مقتضب حسبما سمحت به الإمكانيات المرجعية المتوفرة، لستة من المواقع المذكورة هي: كليز، تاقايط، تاووتي، حارة الجذماء، رباط عقبة، وتاسماطت.


مواقع مراكز الاستقرار خارج محيط مراكش في العصر الوسيط : ٤ / حارة المصابين بالجُذام
رابعا: حارة الجذماء
مجال سكني خصص لإيواء المصابين بداء الجذام من أهل المدن منذ العصر الوسيط على الأقل. يقع خارج الأسوار منها، انطلاقا من قاعدة عزل المريض عن غير المريض كوسيلة لمنع انتشار المرض، وهو مؤشر على وجود تقاليد لها صلة بالحماية والوقاية خاصة من الأمراض المعدية. ومن المستبعد أن يكون تعيين موقع من محيط المدينة، بهذه المواصفات الجغرافية والوظيفية وليد أفعال تلقائية، والمرجح أنه نتيجة اختيار كان للمخزن نصيب فيه.
تقع حارة الجذماء بمراكش خارج أسوار المدينة من الجنوب قرب باب اغمات، لا يعرف بالضبط تاريخ نشأتها. وتعود الإشارات المتداولة عنها إلى منتصف القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، من الجائز التساؤل عن طبيعة هذه الحارة، هل كانت بالفعل تشكل حومة مستوفية لكل الشروط الضرورية التي تتطلبها تلبية حاجيات ساكنتها؟ ولعل الاختيار في الإجابة بالإيجاب يبدو أمرا واردا. إذ يمكن رصد عدة مؤشرات لا تستبعده. انطلاقا من بعض الإشارات الخاصة بها. منها ما يدل على وجود سكن. ومنها ما يستشف منه وجود استقرار بشري، لكونها كانت محطة تصوف بارزة، عرفت بتوافد غير منقطع واستقرار مؤقت للمريدين الذين لم يكونوا قلة ومكان له وظيفة استشفائية تتطلب الاستقرار، ومن المرجح أنها كانت تتوفر على مسجد.
لا توفر الإشارات القليلة إمكانية استشفاف المساحة التي كانت تشغلها هذه الحارة، والمكونات المعمارية التي كانت تتضمنها. وهل كانت حياة المرضى القاطنين بها تخضع لتنظيمات خاصة؟ وهل كانت هناك ضوابط تحدد علاقتهم مع باقي المدينة؟ ما هي مصادر عيشهم؟ هل كانوا يستفيدون من أرزاق مخزنية، أو موارد وقفية؟ كيف كان يتم التعامل مع المجذومين من أهل الذمة؟... إلخ.
من الجائز أيضا التساؤل عن تخصيص حومة بعينها للمصابين بهذا الداء، إذ من المرجح أن في التخصيص علامة كمية تحيل على اتساع دائرة المجذومين، وانتشار الإصابة بالعدوى. فهل كان الوسط البيئي للمدينة، ووجود أحوال الخوف بين قسم من ساكنة مراكش من وراء إنشاء هذا الإطار الاستشفائي؟
اشتهرت هذه الحارة أيضا بوجود إحدى مكونات الخريطة الصوفية للمجال عرفت تحت اسم رابطة الغار وهي وحدة صوفية تقع خارج الواجهة الجنوبية للسور المرابطي لمراكش بجوار باب اغمات ، وهو الموقع الوحيد خارج مراكش الذي ذكر مقرونا باسم رابطة في خريطة مواقع التصوف بسهل الحوز في العصر الوسيط.
لا نعرف بدقة تاريخ ظهور هذه الرابطة، والإشارة الوحيدة التي ذكرت فيها وهي مؤرخة، ترجع إلى عام 593/1197، كمكان دفن أبي يعقوب يوسف بن علي المبتلى. وهذا يفيد وجودها قبل هذا التاريخ، وقد أورد ابن الزيات أيضا تاريخا آخر ذكرت فيه حارة الجذماء التي كانت توجد بها رابطة الغار وهو عام 583/1187 الذي توفي فيه الشيخ الصوفي السابق الذكر أبو عصفور بنفس الحارة دون تحديد مكان دفنه. فهل يفهم من هذا السكوت ظهور رابطة الغار بعد هذا التاريخ؟.
يعتبر الصوفي أبو عصفور يعلى بن وين يوفن الأجذم وتلميذه أبو يعقوب يوسف بن علي المبتلى اللذان جمعت بينهما علاقة المشيخة الصوفية أبرز رجالات أهل الطريق بهذا الموقع. وشكلت حارة الجذماء مركز ثقل النشاط الصوفي به. ولعل ما كان يجمع بين هذه الحارة والصوفيين المذكورين، خاصيتها الوقائية والاستشفائية كمكان خاص بإقامة مرضى الجذام، وهي علة يبدو أنها كانت في الشيخ وتلميذه حسبما يستفاد من نعت الأجذم والمبتلى اللذين ينتهي بالأول منهما اسم أبي عصفور، وبالثاني اسم أبي يعقوب.

محمد رابطة الدين / كلية آداب مراكش


معرض صور