مواقع مراكز الاستقرار خارج محيط مراكش في العصر الوسيط : تاووتي / ٣

الاربعاء 17 يوليوز 2013

تندرج هذه المساهمة ضمن إشكاليات تاريخ التعمير واستغلال المجال والتعامل مع الأرض بالحوز الأوسط، وبالذات منه الحيز الجغرافي الذي تشكل مراكش مركز دائرته، وحسبما يبدو فإن فترة العصر الوسيط تعتبر محطة تطور بارزة في تاريخ هذا المجال ...

نكتفي في هذه المساهمة فقط بتقديم تعريف مقتضب حسبما سمحت به الإمكانيات المرجعية المتوفرة، لستة من المواقع المذكورة هي: كليز، تاقايط، تاووتي، حارة الجذماء، رباط عقبة، وتاسماطت.


مواقع مراكز الاستقرار خارج محيط مراكش في العصر الوسيط : تاووتي / ٣
ثالثا: تاووتي
هكذا رسمت الكلمة في المصدرين اللذين وردت فيهما، وهما كتاب التشوف، لابن الزيات التادلي، وكتاب القاضي ابن عبد الملك "الذيل والتكملة"، ولم يشر محققا الكتابين إلى وجود رسم مخالف في نسخ المقابلة.
والكلمة أمازيغية تنطق حسب قراءة الأستاذ أحمد التوفيق لها بتاء مثناة، بعدها ألف مد، واو مشددة مضمومة بعد واو مد، وتاء مثناة مكسورة بعدها يا مد.
وهي علم على موقع جغرافي يقع قرب مراكش نعته ابن الزيات بالقرية، وأقدم إشارة لذكره حسب المصادر المتداولة ترجع إلى نهاية القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، عند ابن الزيات، وأشار إليه ابن عبد الملك في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي. لكن في سياق أخبار تعود إلى أواخر القرن السادس وبداية القرن السابع الهجريين/ الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين. وهذا يفيد أن الموقع يرجع إلى زمن سابق، من غير المستبعد أن يبدأ على الأقل مع بداية حكم الموحدين وهو الأرجح، على اعتبار ذكره بالمنطقة قبل هذا التاريخ ولكون نشاطه الصوفي يبدو هو الأخر غير بعيد زمنيا.
أما من حيث الدلالة فإن اسم تاووتي يفيد معنى الضرب أو الحدود. ومن الطريف أن الموقع الذي أرجحه كمكان لهذا الاسم يعرف حاليا تحت اسم سقر، ودلالة هذا النعت تجعل الجزاء والعقاب قاسما مشتركا بينه وبين معنى الضرب المشار إليه سابقا. أما معنى الحدود، فيجد هو أيضا ما يدعمه في المكان نفسه، ذلك أن هذا الأخير يوجد في موقع كان فيما يبدو أحد نقط الالتقاء بين مجال قبلية إيلان شرقا ومجال قبيلة هزميرة غربا.
وفيما يخص تحديد الموقع الجغرافي لتاووتي، فبفضل إشارة دقيقة وجدت عند ابن عبد الملك يتبين أن هذا الموقع كان يوجد شمال سور مدينة مراكش من جهة باب فاس، باب الخميس حاليا، ومن خلال النص التالي لابن الزيات يمكن الوصول إلى توطين أكثر دقة، يقول: «وحدثني محمد بن سعيد قال: قعدت مع أبي علي في بستان خارج المدينة إلى أن مالت الشمس للغروب، فقلت: لعله يريد المبيت في قرية تاووتي وباب المدينة عازم على أن يغلق، فقال لي: أتطيق الإسراع في الجري؟ وكان نحيفا وأنا أقوى منه. فأشفقت عليه لضعفه، فما التفت إلا وقد غاب عني، فأجهدت نفسي في الاشتداد إلى أن وصلت إلى باب المدينة وقد سبقني إليه ورغب البواب أن يحبس علي الباب إلى أن أصل. فنظر إلي وهو يبتسم، فدخلنا المدينة وأغلق البواب الباب وقضيت العجب من ذلك».
إن معطيات الزمن الموجودة في هذا النص، يمكن أن تسهم في تحديد مكان موقع تاووتي، ذلك أن أقصى المسافة التي يمكن قطعها بالجري السريع بين المدة الزمنية الفاصلة بين ميل الشمس للغروب وغروبها التام، يمكن تقديرها بحوالي ثلاث كيلومترات، وهي على وجه التقدير المسافة الفاصلة بين باب فاس والموقع المسمى حاليا بسقر الذي أرجحه كمكان لتاووتي. إن الجمع بين الوقت الأول والوقت الإضافي الذي بقي فيه الباب مفتوحا بصفة استثنائية في انتظار وصول رفيق الصوفي أبي علي عمر بن علي بن عبد العزيز الهزرجي قادما من تاووتي، يسمح بإمكانية قطع المسافة المذكورة مع الإسراع في الجري في نطاق شروط تتحكم في هذه السرعة، منها نوع اللباس الذي يكون في غالب الأحيان عائقا، ونوع النعلين، والحالة الصحية للمعني بالأمر.
تسمح المعلومات المتوفرة بعدم استبعاد أن تاووتي كانت تمثل مركزا للاستقرار في المجال الريفي القريب من شمال مراكش، ولعل هذا ما يفيده نعت ابن الزيات لها بقرية. ويبدو أنها كانت تتوفر على طاقة سكنية ذات اعتبار وهو أمر تدعمه مجموعة من القرائن منها:
1- وجود دور بالموقع، ومن الحجم الكبير الذي يستجيب لاستيعاب الجماعات الوفيرة.
2- اعتبارا لأهمية الإمكانيات الفلاحية للموقع، فإن مستوى هذا النشاط يتطلب طاقة بشرية مهمة، من غير المستبعد أنها تشكلت من سكان المنطقة أنفسهم.
3- اعتبارا لمكانة تاووتي الصوفية، فقد كانت مقصد المريدين من مجالات مختلفة. يقول ابن الزيات في ترجمته لأبي محمد عبد الحليم بن إسماعيل الأيلاني الأسود: «زرته مرات بداره... يقصده المريدون ويجتمعون عنده، فنفع الله به خلقا كثيرا». إن هذا الحضور البشري بهذا الحجم وإن كان يتميز بعدم الاستقرار الدائم، فإنه يتطلب وجود طاقة سكنية معينة تلبي متطلبات هذا الإيواء المؤقت.
4- اعتبارا لموقع تاووتي في خريطة المسالك والطرق الخاصة بمراكش، يبدو أن هذه الخصوصية الجغرافية، تجعل منها أول مركز استقرار يستقبله القادم من المدينة في اتجاه الشمال، وآخر محطة قبل الدخول إلى المدينة بالنسبة للقادم من الاتجاه المعاكس، وهذه الوضعية تجعلها فيما يبدو ذات وظيفة مركز خدمات ومركز عبور بشري بين مراكش وشمالها القريب والبعيد، وتكون في نفس الوقت الملجأ لقضاء الليل بالنسبة للأفراد والجماعات الذين يصلون إلى المدينة من الشمال بعد أذان المغرب.
ومن غير المستبعد أن منطقة تاووتي كانت تشكل جزءا من المساحات المسقية الفلاحية التي تم إحداثها خلال القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، وتدخل ضمن البساتين التي نشأت خارج أسوار المدينة زمن حكم الموحدين، ولعلها كانت تمتد بين بحيرة يطي جنوبا وتاقايط شمالا.
وإذا أفادت هذه العناصر باتساع المساحة الفلاحية، فإن إشارات يستفاد منها قيمة إمكانيات الإنتاج التي كانت تتوفر عليها المنطقة، تعكس ذلك مصطلحات فلاحية تحمل دلالة الاتساع وأهمية عناصر الإنتاج مثل: الضيعة ومرور نهر ماء بنفس الضيعة، ومكانة الشخص الذي يملكها وهو ابن القطان الذي "كان معظما عند الخاصة والعامة من آل دولة بني عبد المومن، حظي كثيرا عند المنصور منهم فابنه الناصر فالمستنصر بن الناصر فأبي محمد عبد الواحد أخي المنصور ثم أبي زكرياء المنعم ابن الناصر حتى كان رئيس الطلبة، مصروفة إليه الخطط النبيهة مرجوعا إليه في الفتاوى". يضاف إلى ذلك مناظر زراعية أخرى مثل البستان، ومعلوم أن هذا المصطلح قد أطلق خلال هذه الفترة وفي المجال نفسه على الملكيات الفلاحية الكبيرة أيضا.
ومن خلال الأخبار الواردة عن تاووتي في كتاب "التشوف"، يبدو أن هذه القرية عرفت خلال النصف الثاني من القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، إن لم يكن بعدها أيضا، نشاطا صوفيا بارزا تتجلى أهم مكوناته في العناصر التالية.
1- وجود صوفي شهير يعرف بأبي عبد الحليم بن إسماعيل الإيلاني، توفي سنة 593هجرية/1197 ميلادية، كمركز لدائرة هذا النشاط.
2- وجود هياكل صوفية: مريدون، خاصة التلاميذ.
3- مكان مقصود من طرف أهل الولاية والصلاح من المدينة والبادية على السواء، وعلى اختلاف مستويات وصفات المتصوفة الزائرين، أمثال الصوفي الشهير أبي علي عمر بن علي بن عبد العزيز الهزرجي توفي عام 592 هجرية/ 1196 ميلادية من أهل الجانب الشرقي من مراكش، وابن الزيات نفسه، وعلى مستوى المجال وبصفة خاصة نفيس ومراكش. وهي إشارة أيضا لطبيعة العلاقات الصوفية التي كانت قائمة بين تاووتي ومجالها.
يمثل مركز تاووتي إذا بهذا النشاط الصوفي مع مركز تاقايط، المركزين الصوفيين اللذين يقعان خارج شمال مراكش، ويشكلان كذلك المجموعة الشمالية لمراكز التصوف الموجودة بالحوز الأوسط، والمحيطة بمراكش.
ورغم أهمية هذه الوظيفة الدينية وحجمها بالمنطقة فإن ابن الزيات لم ينعتها بأية صفة من صفات المواقع الصوفية التي استخدمها بالنسبة لعدد مهم من مركز التصوف بمجال الحوز والأطلس الكبير، كالرباط والرابطة.
 
 
محمد رابطة الدين / كلية آداب مراكش


معرض صور