المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

مهنة العدول : المؤهلات والخطة من خلال ترجمة القيدوم المختار العاقب 1909م / 2016م

الاثنين 23 ماي 2016

"إن الوثائق علم شريف ، يلجأ إليه الملوك والفقهاء وأهل الطرق والسوقة والسواد ، كلهم يمشون إليه ، ويتحاكمون بين يديه ، ويرضون بقوله ، ويرجعون إلى فعله ، فينزل كل طبقة منهم على مرتبتها ولا يخل بها من منزلتها ". (الونشريسي ، المنهج الفائق ، ص : 6 ) .


سنتخذ كما أسلفنا من السيرة الذاتية لهذا العلم المعمر ذريعة علمية ، فنلمس من خلال شريحة من حياته النظام التعليمي والحبسي والعدلي خلال القرن الماضي ،  وإذا فمن هو الرجل ?  ومن أين له بذلك المجد الذي أهله إلى أن يصبح علَما ? : هو الحاج المختار بن رحال العاقب ، والده السي رحال كان فلاحا جامعا بين الغراسة  و الزراعة ،و تربية المواشي  ،  أما آل العاقب فمن قبيلة ضاربة فـي صحرائنا المغربية و من شواهد النسب الدالة على أصالة مغربيتها ،  ازداد الحاج المختار بمراكش سنة 1327 هـ موافق 1909م  وبين إحداثيتي سنة ميلاده وسنة وفاته (2016)  ندرك أن الرجل عاش فـي فترة حكم خمسة ملوك : (عهد المولى عبد الحفيظ ، 1326 هـ - 1330هـ / 1908م - 1912م ) و أخيه (المولى يوسف ، 1332هـ - 1346 هـ / 1913م – 1927م ) وعهد ابنه (محمد الخامس ، 1346 هـ - 1381 هـ / 1927 م -1961 م ) و عهد ابنه (الحسن الثاني ـ 1381 هـ - 1420هـ / 1961م – 1999م ) وعهد ابنه ( سيدي محمد السادس أدام الله عزه ونصره . عكف مترجمنا على التعلم  و الدراسة طيلة عهد المولى يوسف و قرابة عقدين من عهد الملك سيدي محمد الخامس ، فبمجرد بلوغ المختار سن التمييز أدخل على عادة الصبية إلى الكتاب ، فتعلم مبادئ الكتابة والقراءة وحفظ كتاب الله على يد الفقيه الصبان الذي كان كتابه فـي درب الفئران  بروض العروس ، ومن حسن حظه أن أتيح له الأخذ على الفقيه الغواسلي  الذي كان إلى جانب تمكنه من كتاب الله تعالى حفظا و رسما على دراية بالفقه  و النحو ،  مما أتاح لمترجمنا أن يجمع  بين  حذق كتاب الله  وحفظ بعض المتون كالمرشد المعين ، والجرومية والألفية ، ومنظومة الجمل للمجرادي ، والعاصمية ، ولامية الأفعال ،  مما أهله إلى تلقي الدروس العلمية ، فيما يعرف بما قبل النظام فـي جامعة ابن يوسف ، حيث مكث بها عشر سنوات تحمل خلالها مجموعة من المعارف الشرعية و اللغوية و الأدبية ، على يد مجموعة الشيوخ الأفذاذ نذكر منهم ، العلامة الحاج أحمد أكرام ،العلامة سيدي عمر الجراري ، العلامة سيدي محمد السرغيني  المعروف بابن نوح ، و العلامة أحمد بن محمد فتحا العلمي ، و العلامة مولاي أحمد بن اليزيد المراكشي ، و العلامة سيدي محمد بن عمرالمراكشي الملقب بالكتبية ، والعلامة مولاي إبراهيم السليطن المراكشي ، والعلامة سيدي محمد بلحسن الدباغ ، و العلامة سيدي أحمد بن الحاج المحجوب .                                                   ثم رحل رحلة علمية إلى فاس ، قرطبة المغرب كما قال عنها المختار السوسي ، وذلك سنة 1938م  ، و عند التحاقه بجامعة القرويين  ، كان أمثاله  من الطلبة الأفاقيين أي الطارئين على فاس ، مخيرين فـي  مسألة الانخراط  فـي النظام الدراسي الجديد بالكلية  أوالبقاء فـي النظام القديم مع استفادتهم  من السكنى  و الجراية بالمدارس الأربع المخصصة لهم  ، وسيظهر أن الحاج المختار مال إلى الدراسة خارج النظام الدراسي الجديد نظرا لطول مدته ، فمن الشيوخ الذين زينوا منابر القرويين فـي هذه الفترة العلامة  الحسن مزور ، و العلامة سيدي الطائع بن الحاج السلمي ، و العلامة سيدي عبد العزيز بن الخياط  ،  و العلامة سيدي محمد فتحا العلمي ، والعلامة سيدي عمر ابن سودة ....الـخ .                                                                                                                                                       أما المعارف التي درسها الحاج المختار و لم يتيسر له السير فيها إلى نهايتها نذكر منها فـي العلوم الشرعية : التفسير و الحديث بالأربعين النووية و قطع من صحيح البخاري وموطأ الإمام مالك ، و الفقه : من خلال المرشد المعين بميارة ، و رسالة ابن أبي زيد القيرواني بأبي الحسن ، و المختصر الخليلي بالزرقاني ثم بالدردير، وتحفة ابن عاصم بالشيخ التاودي بن سودة ، و جمع الجوامع بالمحلي ، والزقاقية بالشيخ التودي بن سودة ، وحاشية سيدي محمد المهدي الوزاني عليها ، وفرائض المختصر الخليلي بالدردير ، والورقات لإمام الحرمين ، وشرح الوثائق الفرعونية للهواري ، وفـي العقيدة أم البراهين و توحيد المرشد المعين ، وفـي النحو : الجرومية بالأزهري ، والألفية بالمكودي ثم بابن عقيل ، و نظم الجمل للمجرادي بالرسموكي ، و فـي البلاغة : الجوهر المكنون للأخضري بالدمنهوري ، والتلخيص للقزويني بشرح السعد ... الـخ .                                                                                         وفـي سنة 1940م سيضطر المختار إلى مغادر ، ولعل السبب هو قضية أثيرت آنذاك فـي جامعة القرويين وهي قضية إجبارية الانخراط فـي النظام الدراسي الجديد التي عارضها الطلبة الأفاقيون ، فقد عارضوها بشدة ، فتطورت الحالة إلى حد إخراجهم بالقوة من مدارس سكناهم و نقلهم إلى محكمة الباشا بوادي الفجالين ثم نفيهم إلى مواطنهم الأصلية وذلك أواخر صفر 1359هـ موافق سنة 1940م . ومن نتائج هذا الحدث إعفاء رئيس الجامعة مولاي عبد الله  الفضيلي ، وكذا المراقب الفقيه سيدي العربي الحريشي ، وخلفهما من  مراكش  الشيخ  مولاي مبارك بن عبد الله العلوي بصفته رئيسا والفقيه الأديب أحمد بن عمر بوستة  ، و كان الأول  رئيسا لكلية ابن يوسف بمراكش  ، و الثاني مراقبا بها (1) .                                                                                                                        وظائفه :                                                                                                                                        1 : لقد أهله هذا التكوين العلمي و الأخلاقي إلى تعاطي علم التوثيق المرتبط بفقه القضاء فاستهل مسيرته فـي الوظيفة العمومية و ذلك سنة 1940م ، بصفته عدلا فـي نظارة أحباس مراكش التي كان مقرها فـي حارة السورة  بجوار مسجد ابن يوسف ، وللعلم فإن عدول مصلحة الأحباس التابعة لوزارة الأوقاف لهم وضعية خاصة مخالفة لعدول وزارة العدل فهم يشتغلون بالمسائل الخاصة بالأوقاف دون غيرها ، و يحررون الرسوم ذات الطبيعة الحبسية ، و هم مستقرون فـي النظارة ، و ليست لهم علاقات مع الجمهور ، إلا فيما يخص الأملاك الحبسية ، و يتقاضون بصفتهم موظفين رسميين رواتبهم من وزارة الأوقاف ، وزيادة على تحريرهم العقود ، فهم  يكتبون البطائق والتقارير ، و إعلانات بيع الغلل و الأكرية بالسمسرة ، و دفع أجور الأئمة و فقهاء بعض المدارس  و الكتاتيب ، ومؤونة المدارس الإسلامية  كالخبزة بالنسبة للمدارس التابعة لجامعتي القرويين وابن يوسف (2) .      .                                                                    
  وقد مارس الحاج المختار جميع هذه المهام مدة سبع سنوات
   ابتداء من سنة 1947م سينتقل السي المختار إلى سماط عدول مراكش التابعين لوزارة العدل و ولوج هذه الخطة دونه  كما يقال  خرط القتاد ،أي من الصعوبة بمكان ، فعدول كل محكمة معين بالعدد ولا  يزاد فيه إلا بإذن من وزير العدل ،  كما لا ينفسح فيه المجال لعدل جديد إلا  بوفاة عدل قديم أو إعفائه ،  :  " فإذا عزل عدل أو أعفي طلب القاضي من وزير العدل خلفا له ،فيقدم طلبا بمن رأى فيه الأهلية للقيام بالوظيفة ، وكان ذا سيرة حسنة بالغا من العمر خمسا وعشرين سنة على الأقل ، ولا يمت للقاضي الذي اقترحه بصلة قرابة كأبيه وأولاده وإخوانه ، وحينئذ تختبره الوزارة فـي المسائل الفقهية ،فيحرر فـي الكتابي وثيقة عدلية ، وتلقى عليه فـي الشفاهي أسئلة تتعلق بالخطة ، و إن اتفق العلماء على كفاءته صرحوا بنجاحه و سماه وزير العدل (3) ، وقد اجتاز الحاج المختار هذا الامتحان بنجاح وممن اختبره من العلماء ، العلامة المصلح شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي  . هذا عن الجانب العلمي أما جانب أخلاقيات المهنة ، جاء في الغرناطية :" يعتبر فـي الموثق عشر خصال متى عري عن واحد منها لم يجز أن يكتبها و هي أن يكون ، مسلما ،عاقلا ، مجتنبا للمعاصي ، سميعا ، بصيرا ، متكلما ، يقظا ، عالما بفقه الوثائق ، سالما من اللحن ، و أن تصدر عنه الوثيقة بخط  بين يقرأ بسرعة وسهولة و بألفاظ بينة غير محتملة و لا مجهولة ، و زاد غيره ، أن يكون عالما بالترسيل ، لأنها صناعة إنشاء ، فقد يرد عليه ما لم يسبق بمثاله و لا حدى على مقاله ، و كذلك ينبغي أن يكون له حظ من اللغة و علم الفرائض و العدد ، و معرفة النعوت والشيات ، و أسماء الأعضاء والشجاج (4) .                                                                                                                             وكان عدول وزارة العدل فـي الفترة التي اشتغل فيها مقسمين إلى قسمين : " مبرزين وغير مبرزين ، فالمبرزون يحررون الرسوم و الأحكام كيفما كان نوعها ، ويكلفهم القضاة بالأبحاث العقارية ، و بتحديد الأملاك ، ويحررون بعد ذلك تقارير البحث. أما العدول غير المبرزين فلم يكونوا يحررون عقود البيع والحبس والهبات والوصايا ، وإنما كانوا مقتصرين على تحرير رسوم الزواج والطلاق و المعاملات التجارية كالديون و الوكالات المطلقة (5) . هكذا كان وضع العدول فـي فترة مهمة من اشتغال مترجمنا ، وقد خبر هذين القسمين ، واشتغل مبرزا مع مجموعة  من العدول والعلماء ، كالعلامة سيدي عبد الرحمان الدكالي والعدل مولاي الحسن وسيدي عبد اللهالسرغيني  .                      
 لقد اكسبت هذه الخطة الحاج المختار خبرة معتبرة بطبقات الناس ، ومراتبهم ومشاغلهم وأمزجتهم وأعرافهم وعوائدهم وهمومهم ،كما كان رحمه الله حجة فـي العملات وتبدلها وقيمها ، وقوة شرائها و ضعفه و تقلبها وأزمنة الشدة والرخاء ، وبصفة عامة فمعرفته تنصب على جزئيات تند عن المؤرخ و الاجتماعي والاقتصادي ،  إنه يتلقى من الناس ما لا يبدونه للأغيار ، أسرار ونوايا تتلجلج فـي خويصة نفوسهم ، ألم يقل عنهم ابن فرحون : ( إنهم يضبطون أمور الناس على القوانين الشرعية ، وحفظ دماء المسلمين وأموالهم ،  و الاطلاع على أسرارهم وأحوالهم ، ومجالسة الملوك والاطلاع على أمورهم وعيالهم . (6)                                                                                   سيرته: استقيناها من أبنائه وأصهاره ،وخلصائه،وآثرنا الحديث عنها نظرا للقيم الإسلامية والإنسانية التي تحملها .
      1 : سيرته فـي نفسه  : كان رحمه الله صابرا محتسبا مشتغلا بعبادة ربه آناء الليل و أطراف النهار معمور الأوقات بالتلاوة و الأذكار والصلاة على النبي المختار ، أسعد لحظاته وجوده فـي بيت من بيوت الله ، ففيها يتهلل وجهه وتغشاه سكينة وطمأنينة تبدد عناء شيخوخة البدن ، وتزيد روحه طمأنينة وبرودة إيمان
      2 : سيرته فـي أهله : أما سيرته فـي أهله فهي كفايتهم التامة فـي مطعمهم و ملبسهم ، و معاشرتهم بالمعروف ،   و حملهم على طاعة الله فـي السر و العلانية  ، وتأنيسهم وملاطفتهم ومجاملتهم  . و يكفي للدلالة على وفائه ومودته رحمه الله ، أنه بعد وفاة زوجته  أمر من فـي البيت ألا يتصرفوا  فـي المكان و أشيائه بأي نوع من التصرف والاكتفاء بالصيانة والتعهد وفاء للمرحومة وبلسما وعربون ميثاق غليظ ظل وفيا له .                                         3 : أما سيرته فـي أصحابه : تتمثل فـي النصح لهم ، والدعاء لهم ، و تأنيسهم والاعتناء التام بهم ، ومواساة ضعيفهم ، ونصح غنيهم ،ومقابلة كل منهم بما يليق به من البشاشة وحسن الخلق ، ومباسطتهم بالأمرالمباح ، والرفق  بهم فـي جميع الأحوال ، و على العموم ، كان يقابلهم  بغاية البشاشة ، و كمال  اللطافة و مؤانستهم  بأطيب الكلام  ، و  مهاداة من يستحق منهم الهدية بما يناسبه ، و إن كان قاصدا المواساة واساه بما يكفيه أو قاصدا الوساطة لدى من يعرفه من ذوي النفوذ ساعده على ذلك بما يحقق مقصوده فـي جلب نفع أو دفع ضرر .                                                                                                                                                                                   وأما سيرته مع أهل البيت النبوي الشريف  :                                                                                           فكان تعظيمهم واحترامهم والتنويه بقدرهم بين الخاصة والعامة،والإشادة بذكرهم ،والثناء عليهم والدعاء لهم .
رحلته الحجازية :                                                                                                                           ارتحل إلى الديار المقدسة ، موطن النور و الهدى والطهر ، فحج حجة الإسلام و ست حـجات أخريات من  بينهن واحدة ضمن الوفد الرسمي ، كما اعتمر سبع مرات  تستغرق كل  واحدة شهرين متتابعين  يجاور شهرا فـي البيت الحرام و مثله بالمسجد النبوي فـي المدينة المنورة .                                                                                    
الإحالات :                                                                                                                                                 1 : محمد بن الفاطمي السلمي : علماء المغرب المعاصرين ، مطبعة الثقافة الجديدة ، 1992 ، ص : 260 .                                                     2 : عبد الحميد بن شنهو : النظام الاداري بالمغرب ، الرباط ، 1963 ، ص : 282 – 284 .                                                                        3 : نفسه : ص :283 .                                                                                                                                                             4 : سيدي عبد السلام بن سيدي محمد الهواري : شرح وثائق سيدي محمد بن أحمد بن حمدون ، تونس ، 1949 ، ص : 4 .                                 5 : ابن شنهو : نفسه ، ص : 283 .                                                                                                                                              6 : نفسه : ص : 3 .
 
ذ.محمد الطوكي / كلية الآداب مراكش
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
ذ.محمد الطوكي / كلية الآداب مراكش

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل