المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

من يعادي التعددية اللغوية بالمغرب؟

السبت 27 ماي 2017





أقر الدستور المغربي الجديد سنة 2011 ضربا من السياسة التعددية اللغوية ، ترتكز بالأساس على لغتين رسميتين وطنيتين، العربية والأمازيغية، وعلى لغتين «للانفتاح» العلمي والثقافي-الحضاري (الأكثر انتشارا في العالم)،لعلهما، في الممارسة المغربية، الفرنسية والإنجليزية. ويغتني هذا التعدد اللغوي بتنوع ثقافي  في إطار الوحدة، ينبغي أن يشمل التنوعات الثقافية واللهجية، سنضعه جانبا في هذا النقاش.

غياب معالم التعددية
ورغم أن الخطابات الرسمية في مختلف المناسبات تتباهى بهذا الأنموذج التعددي الجديد في تدبير اللغات والثقافات (أو الثقافة بالمفرد، كما في الدستور)، ورغم أن النقاشات العمومية والأدبيات لم توضح بعد بما يكفي معالم هذه التعددية، بأصولها ومصادرها وأبعادها وآليات تصريفها، لكي تصير مفهومة من لدن من ستطبق عليهم، أي المواطنين (الذين كان من المفروض أن يستشاروا أو يستفتوا بشأنها وشأن تفاصيلها)، في مختلف المجالات، وخاصة في التعليم، ورغم أن الخطة الاستراتيجية لإصلاح أنظمة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي تبشر بتعددية في التعليم التأهيلي والعالي (على وجه الخصوص)، فإن بعض المسؤولين السياسيين وبعض النخب الفكرية والثقافية مازالوا يتبارون في الممارسة والحجاج من أجل إقرار خطة لغوية أحادية، تنفرد فيها اللغة الفرنسية بتدريس المواد العلمية والتقنية، بدءا من التعليم الإعدادي إلى التعليم الجامعي. وضدا على لوحت به الخطة الاستراتيجية للتعليم من «تناوب للغات» (وإن بصفة غير دقيقة)، فإن وزير التربية الوطنية السيد رشيد بلمختار سارع إلى ترجمة الأنموذج الجديد عبر فَرْنَسة أحادية، لاغيا في نفس الوقت الحاجة إلى التدريس باللغة الرسمية الوطنية المؤهلة (وما تراكم في التعليم بهذا الشأن)، وتوسيع مجال استعمالها والنهوض بها، و الحاجة إلى التدريس باللغة الإنجليزية، التي يجمع العلماء وأصحاب الخبرة على أنها لغة العلم الأولى عالميا. وإذا استثنينا بعض الدول غير النامية القليلة التي عانت وما زالت تعاني من مخلفات الاستعمار واستبقاء توجهاته اللغوية (مثل بعض الدول الإفريقية الضعيفة)، فإننا لا ندري أي نموذج لغوي سياسي نهضوي يحاكيه السيد الوزير، وهل طبقفي التعليم في أي دولة على ظهر البسيطة هذا النوع الأحادي غيرالوطني، ونال النجاح في رفع الاختلالات ذات الصلة، هل وقع ذلك في إيران أو إسرائيل أو كوريا، أو اليابان، أو أوروبا، الخ؟ ففي كل هذه الدول وغيرها يدرس التلميذ-الطالب المواد العلمية والتقنية (إضافة إلى المواد الأخرى) بلغته الوطنية، وليس بلغة أجنبية.
ورغم أن التعليم اليوم في جل البلدان ينزع إلى أن يكون ثنائيا أو تعدديا، نتيجة عولمة تعليم المواد المذكورة، فإن هذه الدول تلجأإلى تعليم «دولي»، أي تعليم بعض المواد، أو بعض المجزوءات داخل المواد، باللغة الدولية، وما هو معياري في هذا الصدد هو أن يقصد باللغة الدولية الإنجليزية. وهي لغة مكملة داعمة، وليست لغة منفردة بتعليم المادة بكاملها، إلا في الدول الضعيفة كذلك.
ولأن المغرب بلد صاعد يتبوأ ويتوق إلى أن يلعب دورا متميزا في المنتظم الدولي، سياسيا واقتصاديا وثقافيا، فلا يمكن أن نتصور أنه يمكن أن يأخذ قرار استصغار لغته (أو لغاته)، وأن يقر بالتبعية اللغوية والثقافية، بل الأجدر به أن يتبنى تعددية لغوية وثقافية استشرافية ومتزنة، تمكنه من الحفاظ على استقلاليته من جهة، ومن جني فوائد التعليم بلغتين (أو أكثر) من اللغات الأكثر انتشارا في العالم، طبقا للأحكام ذات الصلة الواردة في الدستور. ما هو مطلوب إذن في التخطيط لاختيار لغات التعليم هو إقرار توازن بين الهوياتية والأداتية(الكونية) في الاختيار، أو بالأحرى البحث عن «القسمة العادلة» التي تمكن من عدم تضييع فرص المتعلم، عبر اللغة الوطنية، من جهة، وفرصه عبر اللغتين الأجنبيتين، من جهة أخرى.

ثلاثة لغوية
فما هي القسمة العادلة والمعقولة في مجال اللغات؟ إن الدستور يشير في مادته الخامسة إلى ضرورة إتقان (المتعلم المغربي) للغتين الأجنبيتين الأكثر تداولا في العالم. وقد أشرنا في عدة مناسبات (وهذا ليس اكتشافا) أن الإنجليزية أولها بدون منازع، والفرنسية ثانيها (على الأقل بالنسبة للمغاربة). نحن لا نريد التفريط في الفرنسية، ولا أحد دعا إلى هذا، ولكننا لا نريد التفريط في الإنجليزية كذلك، وهي التي يدرس أبناء الفرنسيين بها في دراساتهم العلمية والتقنية، إلى جانب الفرنسية طبعا، ونحن لا نريد التفريط في لغتنا، إلى جانب اللغتين المذكورتين. نحن إذن بصدد ثلاثية لغوية متزنة وضرورية، ولا يمكن أن ندعو إلى أحادية لغوية، تقصي اللغات الأجنبية، ولا إلى ثتائية (عربية- أنجليزية) تقصي الفرنسية، الخ. التعليم العلمي التأهيلي والعالي يقوم بثلاث لغات، إنصافا للغة الوطنية أولا، وللغة العالمية ثانيا، الإنجليزية، وللفرنسية ثالثا، في إطار امتداد ثقافي-حضاري «فرنكوفوني» متعاون، غير متطرف ولا إقصائي.هذه الثلاثية توفرها الدولة وتدعمها في التعليم العمومي والتعليم الخصوصي الحاصل على اعتماد وترخيص الدولة. وهناك جانب مكمل لهذه الهندسة يترك للمتعلم الاختيار بين اللغة الرئيسية في تعليم المواد، واللغات الداعمة المساعدة. فقد يختار المتعلم أن تكون لغته الرئيسة للتعليم هي الإنجليزية، مع لغتين داعمتين (العربية والفرنسية)، أوالفرنسية مع لغتين داعمتين، أو العربية مع لغتين داعمتين.
وفعلا أقر السيد عمر عزيمان، رئيس المجلس الأعلى للتربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، في استجواب له مع جريدة ليكونوميست في 23-02-2016، أن الثلاثية اللغوية هي الحل الأمثل(في الأسلاك المعنية). ونحن لا نجادله في المبدأ، لأن تحاليلنا واقتراحاتنا منذ 1996، والتي أقنعنا بها اللجنة الخاصة للتربية والتكوين، وصيغت في الميثاق سنة 1999، هي ثلاثية، دققنا فيها في عدة مناسبات. فأين

سياسة غموض وتعتيم
المشكل إذن؟ المشكل يكمن في أن السيد عزيمان يؤكد في الاستجواب نفسه أن خطة السيد بلمختار الأحادية هي عينها الخطة الاستراتيجية التي رسمها المجلس الأعلى المذكور. هناك إذن انعدام التناظر بين المبادئ التعددية المزعومة من قبل المجلس، والتنزيل الأحادي المناقض للتعددية من قبل وزارة التربية، بدعم من المجلس نفسه. إذن هناك سياسة غموض وتعتيم تدعي التعددية، وتمارس أحادية أجنبية على أرض الواقع (مع تسويف بالنسبة للثلاثية الموعودة، وإجراء فوري بإلغاء تدريس المواد العلمية باللغة العربية).
والأدهى من هذا أن التعمية والتعتيم امتدا إلى توجيهات جلالة الملك في المجلس الوزاري الأخير، في 06-02-2016 بالعيون،حيث أوصى جلالته بعدم الاستلاب والتبعية من جهة، وعدم التحجر في هوية غير منفتحة. وإذا كانت توجيهاته هي عين الحكمة والاعتدال، وهي مطابقة لروح الدستور في مادته الخامسة وفي ديباجته، حيث يقر الدستور التوازن الهوي والانفتاح والانسجام، فإنالصحافة الفرنكوفونية غير المتزنة وجدت مع ذلك في المجلس وما دار فيه فرصة لجعل السيد بلمختار منتصرا على السيد بنكيران، وجعل الأحادية التي يتشبت بها في الممارسة منتصرة كذلك. وقد واكبت الحدث حرب إعلامية بئيسة شنتها الصحافة المفرنسة على اللغة العربية، واصفة إياها بأوصاف استرجعتها من أدبيات كولونيالية. ودرءا للتأويلات المغرضة لما وقع بالفعل في المجلس المذكور، أُذَكّرُ ببعض الفقرات الواردة في نص البلاغ الرسمي الذي تلاه الناطق الرسمي باسم القصر الملكي السيد عبد الحق المريني عقب الاجتماع:
” ترأس صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله يومه 26 ربيع الثاني 1437 ه، الموافق 6 فبراير 2016 م، بالعيون مجلسا وزاريا …
في بداية أشغال المجلس، قدم وزير التربية الوطنية والتكوين المهني، عرضا بين يدي جلالة الملك حول التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة، في ما يتعلق بالرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي 2015-2030 … الرؤية تهدف إلى انبثاق مدرسة للإنصاف وتكافؤ الفرص، (و) مدرسةعالية الجودة، ومدرسة للانفتاح والارتقاء الاجتماعي. … أكد (السيد الوزير) أنه تنفيذا للتعليمات الملكية السامية، سيتم إعطاء الأسبقية لجودة التعليم العمومي، وللانفتاح على اللغات الأجنبية، خاصة في تدريس المواد والتخصصات العلمية والتقنية، وكذا للنهوض بالتكوين المهني لا سيما من خلال اعتماد التوجيه المبكر للتلاميذ والطلبة الذين لهم مؤهلات وميول في هذا المجال.
… وفي هذا الصدد، أوضح جلالة الملك، أعزه الله، أن الانفتاح والتواصل لا يعني الاستلاب أو الانجرار وراء الآخر. كما لا ينبغي أن يكون ]هناك[ مدعاة للتزمت والانغلاق…كما شدد جلالته على أن ترتكز هذه البرامج والمناهج التعليمية على القيم الأصيلة للشعب المغربي، وعلى عاداته وتقاليده العريقة، القائمة على التشبث بمقومات الهوية الوطنية الموحدة، الغنية بتعدد مكوناتها، وعلى التفاعل الإيجابي والانفتاح على مجتمع المعرفة وعلى مستجدات العصر».
فهل في هذا الكلام ما يدعم الأحادية اللغوية للسيد بلمختار؟ قطعا لا. إن التوجيهات واضحة بشأن المحافظة على التوازنات الهوية والعالمية. وترجمة ذلك عمليا في هندسة لغات التعليم هو تنزيل الثلاثية التي دافعنا عنها من زمن ليس بقريب، ويلوح بها السيد عزيمان، ولكنه يؤيد تنزيلا أحاديا يناقضها.
والحق أن السيد الوزير لا ينفرد وحده بحلم العودة إلىالفَرْنَسة الأحاديةلتعليم المغرب، بل له أكثر من حليف ومناصر، لأسباب لعل السيد جاك أتالي قد فصل فيها وفي أسرارها في تقريره الواضح عن التوجه الاقتصادي والسياسي للفرنكوفونية، والذي سيصدر تحليل ونقد له في بحث لكاتب هذه الأسطر (قيد النشر).

خلط متسرع
وقد أثار انتباهي بعض الزملاء إلى عمود صادر عن السيد حسن أوريد في مجلة «زمان» لشهر يناير 2016 (عدد 27)، بعنوان «اللغة، عود على بدء»، يدافع فيه عن ضرورة إقرار أحادية لغوية فرنسية، بمفصلة استدلالية وفكرية تثير الاستغراب. فلأن التعريب في رأيه كارثي، و»التعليم باللغة العربية أفرز مجموعة ] من المتعلمين [مقصاة من سوق الشغل»، و»لغة عربية مهلهلة، لأن ما اعتُبر تعريبا، لم يكن إلا ترجمة حرفية من الفرنسية لم يراع عبقرية اللغة العربية»، وتعليم المواد العلمية تم بطريقة غريبة كذلك: «يُكتب سؤال المعادلة الرياضية أو الكيميائية من اليمين إلى الشمال، وتكتب المعادلة أو الصيغة الكيماوية من الشمال إلى اليمين». كذا وهكذا تخلط المبررات والأسباب بتسرع يروم القفز إلى النتيجة المرجوة سلفا، وهي إقصاء اللغة العربية من تعليم المواد العلمية! ولو كانت السياسات اللغوية تبنى بهذا المنطق لما درّس أي بلد نام أو صغير بلغته، ولدرّست فلندا وكوريا وإسرائيل بالإنجليزية وحدها! فكل بلد سيعجز عن تكوين وتأهيل الأطر الملائمة بلغته، وتأليف الكتب الضرورية، وتطوير الأدوات والطرق البيداغوجية، الخ. ولو كان التعليم بالفرنسية يضمن الشغل لضمنهفي فرنسا، قبل المغرب، وأرقام ارتقاع البطالة في فرنسا قياسية بالنظر إلى مثيلاتها الأوروبية.فأي إحصاءات دالة يستند إليها مثل هذا الكلام؟ إن النقص في تكوين المغاربة عموما قائم بالفعل، وقد يكونالنقص في تكوين المعربين أكبر، لكن الرفع من مستوى تكوين المعربين سيصبح فعليا حين نخرج من السياسة الأحادية أولا، ومن الطرق البيداغوجية المهلهلة، ونرفع الأسباب المعقدة التي تحول دون إتاحة فرص الشغل لهم، بما في ذلك بخس كل تكوين يتم بالعربية، ومنح الأفضلية لمن يكون بالفرنسية، سواء أبان عن كفاءة، أو اكتفي بالنطق بلغة مولييرفقط، دون مهارات. وإن تكوين المعربين في سوريا والعراق ومصر، بل حتى في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ليشهد على ذلك، بالمعايير والقياسات المعيارية الدولية، كما تشهد على ذلك النتائج المغربية ذات الصلة (انظر احتلال المغرب لمراتب بقياسات بيرلز  وتميس  مثلا).
فهل مناداة البعض بتعليم المواد العملية باللغة الفرنسية وحدها، يتساءل السيد أوريد (في استفهام إنكاري)، ازدراء للغة العربية؟ نعم بكل تأكيد، إذا قِسْنا الأمر على أي بلد متحضر أو نام ذي سيادة. لا يستعيض البلد عن لغته بأي لغة أخرى، إلا حين يكون ضعيفا فاقدا للسيادة. وبما أننا ننأى ببلدنا عن أن يصنف ضمن هذه الطبقة، فإن الجواب واضح إثباتي، لا غبار عليه. ولعل الجواب الإيجابي المناسب هو ما سبق أن نص عليه ميثاق التربية والتكوين حين أقر بضرورة فتح شعب في التعليم العالي، يكون الاختيار فيها متاحا للطلبة بأن يتابعوا دراساتهم العلمية باللغة العربية، مع لغتين أجنبيتين داعمتين.
وأما اللغة الإنجليزية، التي يسلم السيد أوريد بأنه لا يتنازع في أمرها اثنان بأنها اللغة العالمية بامتياز، بل أنكى من ذلك أن اللغة الفرنسية متجاوزة، قياسا بالإنجليزية، حسب قوله، فإنهمع ذلكيرى، بمنطق غريب، أن «المسألة ليست قرارا بل مسارا، وقضايا التربية والتعليم، مثلما نعلم، لا تحُل في الزمن القصير، وهي تستلزم الأناة والروية. وتفترض الحصافة أن ننظر إلى واقع الحال …] إلى[تراث تراكم باللغة الفرنسية، ] و…[ بنية ثقافية مستشرية، لشرائح عدة تشتغل باللغة الفرنسية في قطاعاتحيوية…] وبناء على كون[ اللغة الفرنسية إحدى أدواتنا للتحديث، و… اللغة الإنجليزية سبيل العولمة وأداتها، ولكن العولمة تقتضي من الشخص أو المجتمع أن يكون عصريا، أولا، وإلا دخل العولمة بشكل فلكلوري، أو فج … إن دفاعي عن تعليم المواد العلمية باللغة الفرنسية، أسوة بالكثيرين، ليس نابعا من استيلاب ثقافي، أو جهل للغة العربية أو ازدراء بها، … إن دفاعي عن ذلك نابع من… أن قضية إصلاح التعليم والتدريس باللغة الفرنسية…قضية استراتيجية] التفخيم منا[ تتجاوز المرجعيات الحزبية لفائدة المصلحة العليا للأمة المغربية… تُحل من لدن ذوي الخبرة الذين تهمهم مصلحة الوطن وبنيه، وتحسم من المؤسسة المؤتمنة على القضايا الاستراتيجية للبلد. إنها فرصتنا الأخيرة لإصلاح التعليم». كذا إذن. فالمنطق أن نبتعد عن العربية والإنجليزية لصالح الفرنسية وحدها، حفاظا على المصالح العليا للأمة وبنيها، ولا يوكل هذا القرار إلا إلى المؤسسة العليا وحدها «المؤتمنة على القضايا الاستراتيجية للبلد»، أي المؤسسة الملكية دون شك.
أعترف أنني لم أكن أتصور أن العناية بالإنجليزية (واللغة العربية كذلك) تهدد المصالح العليا للأمة في المغرب إلى هذه الدرجة، وأن هذا الموضوع ينبغي أن يترك الجواب عنه للمؤسسة الملكية. كنت أتصور أن الملك مؤتمن على الدستور، وحماية اللغتين الرسميتين فيه، العربية والمازيغية، والانفتاح على اللغتين الأجنبيتين الأكثر تداولا في العالم … الخ، لا على لغة وحيدة، في إطار أحادية أجنبية تتنافى ومنطوق الدستور ومنظوره.
إن الدستور في مادته الخامسة يشير إلى ضرورة إتقان اللغتين الأجنبيتين الأكثر تداولا في العالم، ولعل الإنجليزية أولها بدون منازع، والفرنسية ضمنها. ونؤكد أننا لا نريد التفريط في الفرنسية، ولا أحد دعا إلى هذا، ولكننا لا نريد التفريط في الإنجليزية، ولا نريد التفريط في لغتنا، إلى جانب اللغتين المذكورتين. ونحن كمغاربة «فرنكوفونيين» معتدلين (على الطريقة الفرنسية) نريد فقط أن نحاكي إلى حد النموذج الفرنسي، الذي يجعل من لغته لغة التعليم الأولى، ويجعل من الإنجليزية اللغة الأجنبية الداعمة الأولى في التعليم العالي على الخصوص.ومراعاة لارتباطنا بالفرنسية، للأسباب الاستراتيجية الملوح بها، لا يمكن أن نطمح إلا إلى ثلاثية لغوية متزنة. واحتراما لحق المواطن المتعلم في اختيار فرصه عبر لغات التعليم، في التأهيلي والعالي على الخصوص، لا يمكن للدولة بأي وجه حق أن تلجأ إلى أحادية مفروضة من أبراج السيد أوريد، في ظل «مصلحة الدولة» التي لا يحددها إلا هو، خلافا لما يتطلبه أي نظام دمقراطي.

توجهات أحادية
لقد أطلقت الخطة الاستراتيجية عددا من الشعارات والمبادئ النبيلة التي كنا قد دعونا لها في عدد من كتاباتنا السابقة، وفصلنا في شأنها في كتاب «السياسة اللغوية في البلاد العربية»، وكتاب «السياسة اللغوية والتخطيط»، الخ، بما فيها مبادئ الحرية والعدالة والدمقراطية، الخ. إن المجلس الأعلى للتعليم لطالما تباهى بتمثيليته وتشاركيته، ولكنه أقصى من المشاركة خبراء اللسانيات والسياسة اللغوية والمعتدلين في توجهاتهم اللغوية، ولم يساير المجلس الأصوات المعتدلة الداعية إلى سياسة لغوية متزنة توفق بين الهوية والكونية، طبقا للتوجيهات الملكية نفسها. إن الحملة الإعلامية المواكبة للمجلس الوزاري خرجته على ما لم يرد فيه، فمجدت إقبار التعريب والعربية، وبخستها سفلي البخس، ووصفتها بأنها لغة الدين المتطرف والإرهاب(محاكية اتهامات السيد فرميرين في عام 2003،التي قمت بالرد عليها في وقته)، جاعلة منها مطية لحملات انتخابية حزبية مؤدلجة وضيقة الروية، لم تتورع في احترام لغة المواطنين الرسمية، ولغة العلم والحضارة، واللغة العلمية الحرة المتوسطية التي كانت متوقعة في المنطقة قرونا قبل أن تولد الفرنسية، وهي لغة الفرص في المجرة اللغوية الكونية بالنسبة لنصف مليار من الناطقين بها، واللغة الرمزية لمليار ونصف من المسلمين، الخ. إنه عين الظلم وعين العبث أن يقذف برأسمال لغوي ثمين مثل هذا في حملة انتخابية تهدف التسابق على بعض الكراسي في البرلمان المقبل، لا تسمن من جوع، ولا تغير في سياسة. إن النداءات الأحادية، المرتبطة بمصالح لا علاقة لها بمصلحة الأمة الفعلية، بل هي مصالح فردية احتكارية فصل فيها السيد جاك أتالي
في تقريره عن الفرنكوفونية (وإن كان هو نفسه لم يدع إلى الأحادية)،وإقصاء الإنجليزية في التنزيل، لمن شأنه أن ينقلنا إلى توجهات أحادية تقلص فرص المغاربة في الفائدة والاعتدال، وتعود بنا إلى الوراء. بل تصير هي نفسها مصد التطرف الذي ندعو إلى مقاومته.
* خبير لساني دولي

رئيس جمعية اللسانيات بالمغرب
عبد القادر الفاسي الفهري
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
عبد القادر الفاسي الفهري

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل