من قضايا القراءات القرآنية والمقرئين المراكشيين

السبت 17 يونيو 2017

من قضايا القراءات القرآنية والمقرئين المراكشيين
المثارة في مكتبة المرحوم عبد الجليل بن عباد.


جمعت مكتبة المرحوم بعفو الله عبد الجليل بن عباد بين المصلحة التجارية للمكتبة على ضآلة مردوديتها في زماننا، وخصوصية الأندية الأدبية الماتعة . ففي جناح منها كان ينعقد في أحضانها يوميا مجلس أدبي بمن تسنى له الحضور من مثقفي المدينة، فمن الفرسان الذين أثـتوه الأساتذة المرحومون بعفو الله : الشرقاوي إقبال، ومولاي الصديق العلوي، وأحمد الخلاصة، والمحجوب بن السالك، وابن الشرقي الحصري ...إلخ ناهيك عن الجيل الذي تبعهم، إلى جانب تابعي هؤلاء التابعين.
كانت تثار في هذه المكتبة النادي أوالنادي المكتبة قضايا علمية، وتناقش مواضيع أدبية وفلسفية، وتاريخية ويعرف بالجديد من المنشورات، وشذرات من حياة رجالات مراكش وبيوتاتها، وتنشد أشعار وتنشب خصومات نقدية، وتذاع أخبار الندوات سواء على الصعيد المحلي أو الوطني وأخباريات عن مشاريع وتكريمات وتأبينات، إذ كان صاحب المكتبة، رحمه الله، من بين المقترحين والمخططين لها والحاملين للواء إقامتها ؛ والمدبرين لخطوات إنجازها وإنجاحها والمضحين في سبيل ذلك بالوقت والمال والجهد.
الحديث في هذا النادي كان عفويا وذا شجون ؛ تارة تستدعيه المناسبة وأخرى لا يدرى سبب انقداحه.
ففي رمضان من الرمضانات طاب الحديث عن فحولة أئمة تراويح الأربعينيات والخمسينيات فذُكِرَ منهم وترك، وبصفة عامة فقد كان لكل حومة وسط المدينة أو حواليها وأطرافها إمامها الرمزي، ولكن كان هناك أئمة آخرون ذاع صيتهم في المدينة بأسرها، سماهم المرحوم سيدي عبد اللطيف التباع – عزاوي الطلبة – نذكر منهم الفقيه الحاج المختار مومن ،  ابن المبخوت، مول العاود، السي سعيد، والطالب الفلالي ... الخ وتحدث مجايلوهم من الحضور عن ورعهم ونبل سيرهم ومروءتهم وأنفتهم وصلاحهم وخصوصية وطريقة كل واحد منهم.
ومن قضايا القراءة التي انجر الحديث إليها قضية الاسترسال في القراءة، والتطريب أو التنغيم. على كل فلكل مرتاد مع هذه المجالس شؤون وذكريات .
فمما أذكره من الأخبار ما حكاه أحد الحضور قال :
إنه دعي لمناسبة لا يذكر أهي عقيقة أو إملاك، فتفضل قارئ على العادة بمباركتها، فرتل آيات من الذكر الحكيم، قرأها قراءة تطريب وتنغيم .
وبعد ختمه وتصديق المستمعين وشكره، تفضل عميد المسمعين والمادحين والأندلسيين بمراكش الشريف مولاي عبد الله الوزاني الذي كان من جملة المدعويين فأخذ الكلمة معقبا على  القراءة قائلا :
"إذا سمحتم لست مقرئا، ولكن ليس معنى ذلك أنني لا أحفظ ما شاء الله من كتاب الله، أقول لو كانت قراءة مقرئنا استرسالا لما كان لي أن أتدخل، ولكن بما أنها قراءة تنغيم فإن اختصاصي يشفع لي بالتدخل في شيئين اثنين :
الصوت أولا و الطبع الموسيقي الذي سارت عليه القراءة ثانيا ، وهما اللذان حملا أحد المستمعين من الحضور الكريم على الانشراح والتلذذ بآية وعيد حيث سمعتموه صاح مادا صوته باسم الجلالة اللــــــــــــــه !
ففيما يتعلق بالصوت فأجده صوتا رخيما مستحسنا كما يقال : لا هراء ولا نزر، وودت لو انضم القارئ الشاب الفاضل إلى مجموعتنا في السماع فيستفيد الكثير، بحيث ستهذب حواشي صوته ويزداد أناقة وحسنا .
- أما فيما يتصل بالنوبة أو النوبات التي سار عليها ، فهاهنا كما يقال مربط الفرس ، فهي نوبة غير مناسبة لمعنى الآيات المقروءة ، فهناك نوع من النشاز على هذا المستوى، فالآيات دالة على الوعد والبشارة والطبع الأندلسي الذي سار عليه القارئ يوحي بالوعيد والتخويف. وقدم أمثلة من القراءة التي يتلاءم فيها المقام الموسيقي مع المعنى.
وأحال الكلمة إلى سيدي عمر بن اسماعيل قائلا إن لديه الكثير مما يقول في هذا الباب فهو عالم نحرير في باب التجويد فواعد وأداء إلى جانب خبرته  بالمقامات علما وإيقاعا.
ابتدأ سيدي عمر بن اسماعيل دوره الكلامي بقفشات مراكشية مع مثيره الشريف مولاي عبد الله الوزاني ، ونبهه إلى ضرورة التلطف والرفق بالشاب رفق القوارير ، فشجع القارئ، وبارك قراءته ورجا له مزيدا من التوفيق والتحسن، وزكى ملاحظات الشريف ، وأكد على أن معرفة النوبات والطبوع تأتي بعد ضبط قواعد التجويد مخرجا وصفة وروما وإشماما .. الخ ".
وأضاف قائلا : "من المعلوم أن للقرآن الكريم أغراضا منها الإعلام، والتنبيه، والأمر والنهي، والوعد، والوعيد، ووصف الجنة  والنار، والاحتجاج على المخالفين، والرد على الملحدين، والبيان عن الرهبة والرغبة ، والخير والشر، والحسن والقبح، ومدح الأبرار وذم الفجار، وليس طبيعيا ولا سديدا أن تقرأ موضوعات هذه الأغراض كلها بأسلوب واحد ، وإذا كان الترنم الباكي مقبولا في آيات التوبة والاستغفار والاسترحام ، فإن اللين غير الشدة، والوعد غير الوعيد، والخبر غير الاستفهام، والإقرار غير التعجب.
وخلاصة القول فإن المقبول طبعا إذا اختار القارئ التطريب هو الترنم الذي يوائم المعنى ويظهره، والذي يجعل المقروء مستقرا في ذهن السامع، فضلا عن أن يحمله على الانفعال به تحليا وتخليا" .
ثم بدا لي  من خلال ما سمعت أن أغني وأعمق تلك المعطيات والمعلومات بشيء مما جرى في أشباه هذا المجلس ونظائره، ولئن اختلف مكانا وزمانا فإن ما اخترته له صلة بمراكش من جهتين :
فالحدث ، من جهة ، كان عبارة عن مداخلة للدكتور عباس الجراري في ندوة علمية ، دعت إليها كلية اللغة العربية بمراكش، ومن جهة ثانية فقد كان من أطراف مضمون تلك المداخلة،  عالم مراكشي جليل يعد أول رئيس للجامعة اليوسفية في لبوسها النظامي الجديد المبتدئ بسنة 1938 .
تحدث الأستاذ الدكتور عباس الجراري في مداخلته تلك عن الرحلة السطاتية لوالده سيدي عبد الله الجراري المؤرخة ب 18 غشت 1938 . ومن وقائعها تلك الاستضافة الكريمة ، من قبل قاضي سطات العلامة الصوفي الأديب سيدي احمد السكيرج ،  والتي جمعته بالعلامة المراكشي الوزير ورئيس جامعة ابن يوسف آنذاك مولاي امبارك العلوي ، وحيث إنه لم يكن بينهما سابق رؤية ولقاء مباشر ، فقد تفضل المضيف بتقديم كل واحد منهما للآخر ، ومما قاله في حق سيدي عبد الله الجراري :
- ﴿( هو اليوم يقرأ القرآن بمذياع المغرب، ونعمة التلاوة إذا أخذت حظها من التجويد والإتقان بيد أنني أرجو إضافة شيء من التغني بآي الذكر الحكيم ).
- أخذ الكلمة سيدي  عبد الله الجراري فعبر عن رأيه في الموضوع متحدثا عن مقتضيات التلاوة الصحيحة، وانتهى إلى أن التزام هذه المقتضيات لا يترك القارئ يترنم ويتغنى حسب طبع من الطبوع الموسيقية، التي لا يلبث القارئ لو سلكها أن يقع في الإثم، إذا هو اندفع يتلو غير مكترث لقواعد التلاوة.
- هنا تدخل مولاي مبارك مبينا أن سيدي عبد الله يميل إلى مذهب مالك الذي لا يقول بالتلحين في قراءة القرآن، إذ يعد الغناء والتلحين نــوعا من الهزل المنزه عنهما القرآن العظيم .
إما الإمام الشافعي فإنه يقول بالتلحين في التلاوة ؛ لذلك نجد الشافعية في مصر وغيرها يترنمون بالتلاوة، ويلحنونها بما يدفع السامع لاستعذاب السماع فالاتعاظ . واستمر مولاي مبارك في عرض جوانب هذه القضية، فأشار إلى رأي أبي بكر بن العربي المعافري الذي أيد التغني في أحكامه لدى قوله تعالى في الآية العاشرة من سورة سبأ "ولقد أتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير". وأشار إلى أن المواق  نقل منه في شرح مختصر خليل ﴾
ونعتبر هذه المناقشة العلمية والمعمقة أصلا وما سقناه في المكتبة النادي للمرحوم عبد الجليل بن عباد فرعا .
محمد الطوكي / كلية آداب مراكش


معرض صور