الصفحة الرئيسيةمراكش الذاكرة

من قتل الطبيب موشان في مراكش 1907

فيالعام 1907، اعترضت جمهرة غفيرة من المغاربة الغاضبين سبيل الدكتور إميل موشُّون، في الزقاق المؤدي من بيته إلى مستوصف الأطفال الذي كان يديره في مراكش. وبعد طعنه ورجمه وسحله، تعرض بيته للنهب والتخريب بمبرر أنه كان جاسوسا متخفيا في هيئة طبيب. لم يكن القتلة يدركون أن ذلك الحادث الذي بدا لحينه معزولا سوف يشكل نقطة مفصلية في التاريخ المعاصر للمغرب. فقد اعتبرته فرنسا «النقطة التي أفاضت الكأس»، واتخذت منه ذريعة لاحتلال وجدة كمقدمة لاحتلال كامل التراب المغربي. فما هي خلفيات وأبعاد تلك «الجريمة التاريخية»؟

ولد إميل موشون بمدينة شالون – سير – ساون [شرق فرنسا] في 1870 لرجل سياسة كان منتخبا بلديا ثم عمدة للمدينة نفسها. وبعد تفوقه الدراسي في الثانوي، التحق إميل بكلية الطب في باريس حيث لمع بأطروحته حول الرضاعة الصناعية بالحليب المعقم، التي نشرت في كتاب حيث كان الموضوع حينها جديدا. لم يكن يطمح أن يشتغل في عيادة طبية في بلاده، ولذلك التحق بالطواقم الطبية للبحرية فور تخرجه طبيبا وعمره يناهز الثامنة والعشرين، وكان دافعه إلى ذلك حبه للسفر والاكتشاف.

فدشن الدكتور موشون حياته العملية بدراسة الأوبئة، مثل الطاعون في البرازيل والتيفوئيد في اليونان. وتوج عمله الجريء وسط الأوبئة والأمراض المعدية بحصوله على وسام من الحكومة التركية عرفانا منها له على»شجاعته وعدم خوفه من الأمراض وتفانيه». وعينته وزارة الخارجية الفرنسية بعد ذلك طبيبا بمستشفى سان لويس بالقدس (بين 1900 و1905)، حيث تفانى في علاج مرضى الجدري والطاعون والكوليرا.

وفي العام 1905 قررت حكومة بلده خلق مستوصفات للمساعدة الطبية في بعض موانئ ومدن المغرب الكبرى، فعينت الدكتور موشون في المستشفى الذي أحدثته في هذا الإطار بمراكش، باعتباره كان يفهم العربية وكذا العقلية الشرقية. ويحكي عن نفسه كيف دخل المدينة الحمراء في خريف ذلك العام مع غروب ساحر، لم يكن يعكر صفوه سوى الرعب الذي كان يبعثه في النفس منظر رؤوس بعض المتمردين المقطوعة، والتي كانت معلقة على أسوار المدينة.

لكن فور وصوله إلى مراكش، كان على الطبيب البالغ 35 عاما اكتشاف واقع المغاربة المتسم بكراهية الأجنبي غير المسلم؛ إذ يحكي كيف أنه تعرض للإهانة في أزقتها دون سبب وعن رفض السكان أن يكروه بيتا يقيم فيه. ولولا أن طبيبا فرنسيا وضع رهن إشارة الدكتور موشون بيته الذي كان قد وهبه إياه السلطان الحسن الأول، وكان يقع في أحد دروب مراكش العتيقة لما وجد لنفسه مكانا يأويه. ولم يجد موشون شخصا يعمل في خدمته، حيث واجهه الناس بالقول إن ما عليه سوى الذهاب إلى سوق العبيد في المدينة وشراء خادم. بل إن كثيرا من المراكشيين طالبوه بارتداء الزي المحلي وهجر الثياب العصرية التي كان يرتديها. لكنه رفض ذلك، على نحو ما حكى في رسائله لأهله وأصدقائه، معتبرا أن مهمته في المغرب كانت التعريف ببلده فرنسا وتمثيلها، وبالتالي على الأهالي أن يعلموا أن اللباس الذي يرتديه هو زي الفرنسيين.

والغريب أن كل ذلك الصدود لم ينل من إرادته شيئا، بل إنه استطاع بفضل مثابرته وخدماته الطبية التي قدمها للناس قي بيوتهم أو في المستوصف الذي أقامه مع توزيعه للدواء عليهم، من كسب احترام فئات واسعة منهم. وهكذا لم يكد يكمل شهره الأول في المدينة الحمراء حتى ناهز عدد زبائنه الأربعين مريضا في اليوم. كانوا من كل الأعمار والفئات الاجتماعية، وكان يفحصهم ويمنحهم الدواء بالمجان.

ولم يكد الدكتور موشون يكمل عامه الأول في المدينة حتى عمت مجاعة وانتشر التيفوئيد فحصد الموت آلاف الناس، وبرز دوره بين سكان مراكش لا كطبيب متفاني في علاجهم فحسب، بل أيضا كرجل خير وصلاح إذ كان يوزع الأكل الذي يشتريه بماله الخاص على الجياع.

وبدعم من الحكومة الفرنسية، جهز المستوصف الذي يعمل فيه باثني عشر سريرا وبما يكفي من الدواء حتى ناهز عدد المرضى الذين كان يفحصهم يوميا 150 نفرا.

هكذا تخبرنا السيرة الرسمية للطبيب الفرنسي، الذي «سقط شهيدا بخناجر أولئك أنفسهم الذين أحسن إليهم وعالجهم». فقد تناولت كثير من الكتابات الفرنسية مساره المهني والإنساني بالتمجيد، حتى أن المتلقي يرسم للدكتور صورة ملاك كان يمشي بين الناس يحارب المرض والجهل.

وقائع قتلٍ معلن!

رغم الصورة المشرقة التي صنعت له من قبل الفرنسيين، إلا أن الدكتور موشون جمع من حوله كثيرا من الأعداء. لكننا لا نملك ما يكفي من المعطيات الموضوعية لنفهم حيثيات ذلك العداء الذي تحول معه الطبيب الذي كان محبوبا إلى عدو مطلوب رأسه لأكثر من جهة. كان الدكتور موشون مدركا للمخاطر المحدقة به، ولذلك تسلح بمسدس بروينغ [من صنع أمريكي]. وقد أنقذ ذلك السلاح الخفيف حياته ستة شهور قبل مقتله، عندما دخل الشيخ أحمد الهيبة مراكش حيث صادف مرور موشون بزقاق جماعة من فرسان الشيخ بادروا بإطلاق النار فرد عليهم بنيران مسدسه وأصاب منهم قتلى وجرحى، بحسب ما حكى موشون في إحدى رسائله.

بيد أن التحريض ضده زاد وبات مكشوفا ابتداء من 1906، فحذره مغاربة كثيرون من أن حياته في مراكش باتت في خطر. ونجد صدى لذلك في مراسلاته خصوصا استغاثته بالقنصل الفرنسي في الصويرة. لكنها استغاثات لم تلفت انتباه أي أحد من المسؤولين الفرنسيين إلى فداحة ما كان يجري التحضير له من تحريض متعدد المصادر ضده وضد المصالح الفرنسية.

لكن نهايته دنت عندما نصب أياما قليلة قبل مقتله في سطح بيته ما قال عنه هو إنه مجرد قصب يستعمله لنشر الغسيل، بينما اتهمه قاتلوه بأنه هوائي للراديو اللاسلكي الذي كان يستعمله للتخابر مع سلطات بلاده.

وفي صباح 19مارس 1907، حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف، تحركت جموع من المراكشيين الغاضبين بتحريض من جهات ما تنشر الخوف في أزقة مراكش. فأغلق اليهود أبواب الملاّح [الحي اليهودي] خوفا. وبينما كان الطبيب الفرنسي هو موضوع غضب الجموع المتمردة، لم يستشعر الخطر أثناء ذلك وهو ذاهب من بيته إلى المستوصف الذي كان يستعد لفتحه في الغد.

وفي رواية أخرى من الروايات العديدة التي تناولت مقتله، قيل إن باشا المدينة المدعو الحاج عبد السلام

استدعاه ذلك الصباح وخاض معه في حديث غير ودي موضوعه ذلك «الشيء» الذي نصبه فوق سطح بيته. وفي كل الأحوال يبدو من الثابت أن مقتله حصل بينما كان عائدا إلى بيته. فقد اعترض طريقه بعض المغاربة لينبهوه إلى أن الأهالي ناقمون عليه بسبب ذلك الشيء الذي نصبه فوق سطح بيته. فشرح لهم من خلال مترجمه سي محمد الصغير [كان محميا بريطانيا] بأن الأمر يتعلق بقصب، وأبدى استعداده لسحبه مادام مثيرا لريبة الأهالي وغضبهم. ثم عاد مع مترجمه إلى بيته الذي كان يبعد بمائتي متر فقط، وهو يلهو بسوطه في انشراح.

ولم تلبث الجموع الغاضبة التي علت زمجرتها أن اقتفت أثره ولاحقته، حتى إذا اقترب من بيته مسافة خطوات معدودات وجد نفسه في مواجهة جماعة منها، وقد أشهر أفرادها في وجهه سيوفهم وبنادقهم وخناجرهم وهراواتهم مهددين. لقد خانه الحظ هذه المرة إذ لم يكن يحمل معه مسدسه، فما كان منه سوى أن خاطب الرجال الغاضبين كأنه يخاطب أطفالا: «هيا، كونوا عاقلين!».

حاول المترجم السي الصغير تهدئة الوضع بأن أخبر «مقدم الحومة» الذي كان يتقدم زمرة «الرعاع» الغاضبين بأن القصب سوف يتم نزعه من السطح. لكن ذلك الرد لم يكن كافيا لتهدئة المقدم الذي هاجم المترجم وهو يرغد ويزبد، بحيث لم يجد المترجم بدا من الفرار بجلده، وقد أدرك أن خطبا عظيما يوشك أن ينفجر. وعند أول باب صادفه دلف طالبا الأمان، فخبأته صاحبة البيت في منزلها وقد ترك الطبيب يواجه مصيره.

في غياب مترجمه، كان الدكتور موشون عاجزا عن الشرح. فتلقى طعنة خنجر أولى تحملها وحاول على إثرها الهروب إلى بيته ليحتمي به، لكن الجمع الغاضب حاصره وتوالت على جسده الطعنات والرجم بالحجر وضربات الهراوات على جسده من كل جانب، حتى بعد أن فارق الحياة. وتعالت من السطوح زغاريد النساء مباركة قتل النصراني الكافر، بينما مزق الغاضبون ثياب الطبيب ورشوا جسده بالنفط وكانوا على وشك إضرام النار فيه، لولا تدخل عساكر الخليفة المولى عبد الحفيظ.

فحُمل جثمان الدكتور موشون إلى المستوصف، بينما هجمت الجموع الهائجة على بيته ونهبت وخربت محتوياته. وبعد أن أخبر بالواقعة، هرع المهندس الشهير لويس جانتي الذي كان غير بعيد من مكان الحادث مع بعض الفرنسيين إلى بيت الطبيب القتيل، وجمعوا ما سلم من النهب والتخريب وخصوصا أوراقه وأغراضه الخاصة. وحفظ الجثمان في الفحم في تابوت، ونقل تحت حراسة مشددة إلى مدينة الجديدة التي بلغها بعد أربعة أيام. وهناك خضع الجثمان لفحص شرعي أجراه طبيبان فرنسيان، أحدهما كان صديقا للطبيب القتيل. وقد أشارا في شهادة الوفاة إلى أن الجثمان حمل ما يفوق 25 طعنة من أسلحة بيضاء. ومن الجديدة حمل التابوت بحرا إلى طنجة، حيث أقيم للدكتور القتيل حفل تأبين حضرته الجالية الأوربية وسط أجواء من التأثر البالغ، ثم رحل الجثمان بحرا إلى فرنسا.

صراع الأيادي الخفية

يعتبر الصراع الفرنسي الألماني على الكعكة المغربية أقوى الأسباب المستترة، التي أفضت إلى اغتيال الدكتور موشون. وبالتدقيق في حيثيات القضية يبدو القتلة المغاربة، الذين أطلق عليهم البرلمانيون الفرنسيون آنذاك «رعاع مراكش populace de Marrakech» مجرد أدوات تنفيذ جرى تحريضها وشحنها بسهولة.

فنحن الآن نعلم بما يتوفر من وثائق حاسمة عن المرحلة أن جاسوسا ألمانيا غامضا لعب دورا كبيرا في تحريض الأهالي على قتل الطبيب الفرنسي الشاب. فكما كان لفرنسا طبيبها أو أطباؤها في مراكش، فقد أوفدت ألمانيا بدورها جاسوسا متخفيا في هيئة طبيب كان يدعى يهودا هولتزمان، وهو يهودي سوري الأصل، كان عارفا كبيرا بطباع المسلمين وعقليتهم. كان قد سبق موشون إلى مراكش واستقطب زبائن أثرياء كان يعالجهم. وبحسب الدكتور موشون نفسه، فإن هولتزمان لم يكن طبيبا حاملا لشهادة تسمح له بمزاولة المهنة، وإنما منتحلا وبلا كفاءة. وفوق ذلك كانت غيرته من نجاح الدكتور موشون تدفعه إلى القيام بتصرفات خطرة تهدد الوجود الأوربي كله في المدينة.

لقد كان هولتزمان، كما سوف يتضح بعد حصول الجريمة، «رجل» ألمانيا في مراكش لكن بشكل غير رسمي بحيث أنكرت السلطات الألمانية أية صلة لها به، رغم حمله للجنسية الألمانية وصلته الوثيقة بالقنصل الألماني في مراكش وقربه من باشا مراكش، الذي عرف عنه مناصبته العداء لفرنسا وللمولى عبد الحفيظ، بقدر ما كان مقربا من ألمانيا مثل السلطان المولى عبد العزيز [في فاس].

في إطار هذا التقاطب الحاد وتوزع الولاءات، نشر الجاسوس الألماني كثيرا من الشائعات بين المغاربة في سياق حربه على الدكتور موشون. فقد أشاع بأن المرضى الذين يعالجهم الطبيب الفرنسي بالدواء والجراحة، رغم شفائهم إلا أنه يحقنهم بسموم لن يظهر مفعولها القاتل إلا بعد مرور سنوات. فقاطع المرضى نتيجة لتلك الشائعة خدمات موشون. وصار هذا الأخير متوجسا من ردود فعل عدائية في حال تعرض أحد الذين عالجهم لمكروه، فيذهب الاعتقاد بذويه إلى أن ذلك نتيجة السموم المزعومة التي قيل إنه يحقن بها مرضاه.

وهولتزمان بحسب المصادر الفرنسية هو من أشاع بين المراكشيين، بتشجيع من الباشا وأعوانه أن الدكتور موشون نصب في سطح بيته هوائيا سوف يسمح له بالاتصال بجيوش بلاده ليدعوهم إلى دخول المغرب متى شاء.

في مواجهة حرب الشائعات التي توالت ضد الدكتور موشون وكانت تنسج من حوله شباك الموت، تعامل هو بتعال ودون تقدير واقعي للمخاطر. بل إنه لم يسع حتى إلى الاتصال بالطبيب الألماني هولتزمان لطلب توضيحات حول صلته المفترضة بالشائعات. وقد حكى في إحدى رسائله بأنه التقى الجاسوس الألماني مرة في قصر المولى عبد الحفيظ الذي كان خليفة لأخيه ومقيما في مراكش، حيث كان نجح في التأثير عليه بدعم من الباشا. بيد أن الدكتور موشون كما يروي استطاع قلب الكفة لصالحه بعد انكشاف رياء هولتزمان فكسب ود المولى عبد الحفيظ.

لقد كان ذلك جزءا أساسيا من مهمة كليهما في المغرب على ما يبدو، ومن مظاهر نجاح موشون أن المولى عبد الحفيظ أهدى إليه فرسا جميلا مع سرج مرصع بالذهب والفضة، عرفانا له على تفانيه في خدمة الأهالي.

أكثر من ذلك، تشير الوثائق الفرنسية إلى أن باشا مراكش كان يتلقى الأوامر من القنصل الألماني. فبعد عودة موشون الأخيرة من فرنسا(قبيل مصرعه بأيام قليلة) وقد حظي بدعم مسؤولين حكوميين فرنسيين سامين، توجس منه القنصل الألماني بمراكش وطلب من الباشا مراقبة تحركاته.

على هذا النحو من التجلي، يبدو»رعاع مراكش» الذين نفذوا جريمة قتل الطبيب الفرنسي مجرد جماعة من المتهورين الذين جرى تحريض مشاعرهم الدينية لتنفيذ جريمة خطرة. ويقينا أنهم كانوا غير مدركين بأنهم بتلك الجريمة التي اقترفوها في زقاق مراكشي مغلق ذلك الصباح، كانوا يصنعون حدثا مفصليا سوف يبقى لحظة سوداء في تاريخ بلدهم.

تداعيات القضية

لم يمض سوى أسبوع واحد على مقتل الدكتور موشون حتى استجابت الحكومة الفرنسية لأجواء الغضب وللضغط الذي كان يطالب برد فعل قوي. وقررت في اجتماع تاريخي تحريك جزء من آلتها الحربية المتمركزة في الجزائر غربا لاحتلال وجدة.

حتى الاشتراكيون الفرنسيون الذين كان موقفهم مبدئيا وواضحا ضد الاستعمار وضد الحروب الكولونيالية أخرستهم جريمة مقتل الطبيب الفرنسي، وانخرطوا في أجواء المناخ الوطني العام الذي اعتبر أن الدكتور موشون سقط شهيدا على أيدي وحوش آدمية، أثناء قيامه بواجب «نشر الحضارة» في بلد بدائي. فكان الإجماع الفرنسي مطلقا حول ضرورة تلقين المغرب درسا يفهم منه السلطان عبد العزيز أن الحماية الألمانية لن تنفعه في شيء، ويدرك معه المغاربة أن فرنسا سوف تحمي أبناءها وتنتقم لهم إن تعرضوا للأذى من أي كان.

وفي 27 مارس، أي بعد انصرام ثمانية أيام على جريمة القتل كان الانتقام لمقتل موشون رهيبا. فقد تحركت الآلة الحربية الفرنسية تحت قيادة ضابط سام ترقى حديثا إلى رتبة جنرال، وكان اسمه ليوطي واحتلت وجدة، وتفيد وثائق المرحلة أنها لم تجد في طريقها من قوة حربية مغربية تردعها.

رسميا كان الاحتلال مؤقتا كنوع من الضغط لفرض مطالب فرنسا على المغرب، والمتمثلة أساسا في:

عزل وسجن الحاكم [باشا مراكش] الذي يتحمل مسؤولية جريمة قتل الدكتور موشون.

تقديم تعويضات مناسبة لأسرة الضحية.

تقديم التعويضات الواجب دفعها للحكومة الفرنسية باعتبار القتيل كان عمله يحظى بالطابع الرسمي. والشرط الأخير أن تخصص الحكومة المغربية مبلغا ماليا كبيرا لإقامة مشروع خيري بالمغرب، باسم الطبيب القتيل.

لكن الخلفيات الحقيقية لقرار احتلال وجدة كانت تتمثل في أن فرنسا خططت سرا لاحتلال المناطق الحدودية مع الجزائر حتى تمنع تحولها إلى عمق جغرافي وبشري يلوذ به الجزائريون المناوئون لاستعمارها، فيستغلونه نقطة ارتكاز استراتيجية يهاجمون منها وينسحبون إليها.

لقد ضمنت معاهدة الجزيرة الخضراء (1906) أسبقية مؤكدة لمصالح فرنسا في المغرب على حساب غيرها من البلدان الأوربية، لكن المعاهدة اعترفت في المقابل بالوحدة الترابية وباستقلال المغرب. وذلك ما قيد أيدي فرنسا في التدخل لحماية مصالحها وحماية رعاياها في المغرب، كما كانت ترغب.

ولهذا السبب بقي مخطط احتلال شرق المغرب ضمن جملة مخططات كبرى جاهزا ينتظر فقط حجة تبرره؛ إذ كانت فرنسا تخطط أيضا لاحتلال موانئ المغربي الأطلسي التي استقرت فيها جالية فرنسية كبيرة أتت إليها مدفوعة بالفرص الهامة في الربح، وأيضا بسبب الأخبار غير الرسمية الرائجة حول نوايا احتلال فرنسي مبرمج له للمغرب. لكن في غياب حماية من السلطات المغربية، وجد أفراد تلك الجالية أنفسهم عرضة لمشاعر كره الأجانب من قبل المغاربة.

كما كانت لفرنسا مخططات أخرى سرية بعد توقيع اتفاقية الجزيرة الخضراء، أهمها دحر نفوذ ألمانيا الذي كان يضايق مصالحها والانفراد بالبلد. فأعطى الدكتور موشون بمقتله لبلده الحجة الثمينة التي طالما انتظرتها، فجعلت من احتلال وجدة والمنطقة الشرقية للمغرب منطلقا لبدء تنفيذ كل تلك الخطط. ونجد صدى لذلك في الصحافة الفرنسية خلال تلك المرحلة، سواء منها السياسية أو البرلمانية أو حتى العامة حيث استفاضت في تحليل التداعيات الحربية والسياسية التي تلت مقتل الدكتور موشون.

بعيدا عن لغط السياسة لكن في صلبها، نظمت للدكتور موشون جنازة وطنية كبرى بمسقط رأسه (شالون – سير – ساون) في 11أبريل 1907، بحضور شخصيات حكومية وازنة، وتم توشيحه بوسام كبير. وتليت على قبره كلمات تأبين تمجد سيرته العلمية والإنسانية المليئة بالعبر، مع الكثير من الوعيد الصريح والصامت في حق المغرب و»الرعاع» المتوحشين الذين يسكنونه. وبعد ذلك تم تعيين طبيب فرنسي آخر في مراكش مكان الطبيب القتيل، وشيد لاحقا مستشفى بمراكش يحمل اسم الدكتور موشون، كل ذلك مع تواصل حلقات مسلسل احتلال البلد.

أما الطبيب الألماني الغامض يهودا هولتزمان، فبعد أن تبرأت منه ألمانيا بعد الاتهامات غير الرسمية التي وجهت إليها بصلتها بالجريمة. كما تبرأت منه مرات أخرى حتى انتهى به الأمر إلى التنازل عن جنسيته الألمانية [أو لعله ادعى ذلك فقط]، واعتنق الإسلام وتزوج امرأة مسلمة ثم استقر نهائيا في مراكش بعد أن صار من رعايا السلطان المغربي، وتناسى الجميع أمره. لكن الفرنسيين اعتبروا كل ذلك مجرد مناورة من هولتزمان، حتى يتستر على أنشطته التجسسية، ويواصل عمله لفائدة ملك بروسيا في سرية ودون لفت الانتباه إليه.

جاسوسية الطبيب موشون

ننتهي إلى السؤال الذي ما يزال لغزا قائما: هل كان الدكتور موشون جاسوسا استغل مهنة الطب للقيام بأغراض التخابر لفائدة بلاده، كما اتهمه الألمان والمغاربة؟

لا يمكن الإجابة بالقطع بالتأكيد أو بالنفي عن هذا السؤال، لأن كل حديث عن الدكتور موشون بعد مقتله لم يكن يخض إلا في المحاسن المحسوبة له، ولعل أسماها أنه كان طبيبا في مستشفى للأطفال ولا شيء غير ذلك. لكن بإعادة تركيب وقائع الجريمة تطل علينا جملة ملاحظات برؤوسها، نورد اثنتين منها لأهميتهما البالغة على النحو التالي:

الملاحظة الأولى تتمثل في أنه بعد مصرع موشون، تحركت مجموعة من الفرنسيين يقودهم المهندس الشهير لويس جانتي الذي كان متواجدا بمراكش ساعتها، وذهبوا متخفين في الزي المغربي وتحت حراسة عساكر المولى عبد الحفيظ إلى بيت الطبيب القتيل ليجمعوا ما بقي من أغراضه. وبحسب تقرير المهندس المذكور، فإن مجموع الوثائق التي سلمت من الاتلاف وجمعوها كان كافيا لملء 14 علبة.

من الجلي أن تلك الكمية من الوثائق كبيرة جدا بالنظر إلى أن ما نشر من التراث المكتوب للدكتور موشون هو فقط دراسته حول العقائد والشعائر السحرية عند المغاربة، وقد صدرت تحت عنوان (السحر في المغرب). وإذا ما أسقطنا من الحساب عدد صفحات المقدمة الطويلة التي كتبها (جيل بوا)، فإن مجموع المخصص لموضوع السحر لا يزيد عن 201 صفحة فقط لا غير. فماذا كانت تتضمن باقي الوثائق الأخرى؟

هل كان موشون يكتب تقارير بتكليف من جهات فرنسية معينة؟ ولماذا تجاهلت الدوائر الرسمية الفرنسية رسائله التي كان يستنجد فيها طلبا لإنقاذه من مؤامرات تحاك حوله؟ هل كانت الجهات الرسمية تسعى بذلك التجاهل إلى دفع أية شكوك حول صلتها ب»المهمة غير الرسمية» التي كان مكلفا بها في مراكش، كما سنرى بعد قليل؟

لقد بات معلوما الآن أن فترة تواجد موشون بالمغرب كانت حافلة بالأنشطة التجسسية الفرنسية، وكان مصدرها في الغالب فرنسيو الجزائر. وبالعودة إلى المهندس لويس جانتي الذي كان صديقا للدكتور موشون، فإنه كان عضوا بما يسمى (لجنة المغرب) مكلفا بالتجسس ووضع خرائط لمناطق «بلاد السيبة» في مجال تخصصه الذي هو المعادن وفي غيره من المجالات التي يطلع عليها. وكان قام بعدة رحلات استكشافية في عمق المغرب غير الخاضع لسلطة المخزن، وأنجز دراسات ووضع خرائط نشر بعضها لاحقا.

وخلال الزيارة الأخيرة للدكتور موشون إلى فرنسا توطدت علاقته بالمهندس المذكور، وعادا معا إلى المغرب. ورافقت المهندس زوجته وابنته إذ كان ينوي الاستقرار طويلا في المغرب للقيام برحلات استكشافية وإنجاز تقارير علمية – تجسسية لفائدة ما كان يسمى (لجنة المغرب)، التي كانت تهيئ أرضية معرفية يستفيد منها من يهمهم الأمر من الفرنسيين في استعمار المغرب. وعندما قتل الدكتور موشون لم تكن مضت على مفارقته المهندس لويس جانتي أكثر من ساعة، إذ كانا يجتمعان كثيرا.

خلاصة القول إن كثيرا من مناطق الظل تعتم هذه الزاوية من سيرة الدكتور موشون، وتطرح حوله علامات استفهام كبيرة وكثيرة. فهل كان عضوا غير مصرح به في (لجنة المغرب)؟

وعموما فتجسس الفرنسيين، الذين كان منهم حتى علماء لامعون في الأنثروبولوجيا [مثل إدموند دوتيه] والمعادن وغيرهم سواء أكانت تقاريرهم تعد لصالح جهات فرنسية رسمية أو غير رسمية، لا يشينهم في شيء التصريح بذلك. فقد كان الشعور الوطني قويا حينها وطاغيا على سواه من الاعتبارات العلمية أو الانسانية.

وأما الملاحظة الثانية فهي كالتالي: في تعليقه على جريمة القتل في البرلمان الفرنسي، كشف الزعيم الاشتراكي الشهير جان جوريس بأن الدكتور موشون كان يقوم بمهمة سياسية سرية في المغرب، لحساب الحكومة الفرنسية. وللدلالة على ذلك، تلا جوريس مقاطع من رسائل كان موشون بعث بها إلى أصدقائه تؤكد أنه كان يعمل وسيطا غير رسمي (officieux)، سعى إلى كسب ود المولى عبد الحفيظ خليفة السلطان على مراكش، علما أنه كان طامعا في تولي الحكم مكان أخيه السلطان المولى عبد العزيز.

وتعزز هذا الرأي اتصالات موشون بوزير فرنسا في طنجة، وبوزير الخارجية الفرنسي وغيرهما من المسؤولين الكبار خلال زياراته إلى بلده. لقد كانت اتصالاته بالرسميين ظاهريا لأجل طلب تمويل مخططاته بتحويل مستوصف مراكش إلى مستشفى حقيقي، ودعم عمله بتعيين طبيب مساعد له، ومده بمزيد من كميات الدواء والمال، الخ.

لكن موشون فيما يبدو كان يخلط الرعاية الاجتماعية بالسياسة. فقد دخل في تنافس واضح مع الطبيب الألماني حول كسب ثقة المولى عبد الحفيظ، وحشر أنفه في صراع غامض مع باشا مراكش القوي ودخل في حرب سياسية ما زال الكثير من فصولها غامضة، وكانت وبالا عليه.

arArabic