من الاجتهادات الفقهية للعلامة الرحالي الفاروق1907 – 1985 (ج١)ا

الخميس 26 ديسمبر 2013

قبل مباشرة هذا العنوان ارتأيت تقديمه بكلمة مناسبة وملائمة له، وستكون عبارة عن جواب على التساؤل الآتي:
كيف كان العلماء قديما يبنون مجدهم العلمي؟


من الاجتهادات الفقهية للعلامة الرحالي الفاروق1907 – 1985 (ج١)ا
 
فما لم يتحقق هذا الشرط، المجد العلمي، فلا يمكن الاعتراف، بالعالم، ولا تتأتى له الفتوى ناهيك عما يرتبط بها من أنواع الاجتهاد. وللخروج من المستوى النظري المجرد إلى تقري الملموس، فقد التمست نموذجي الموضح من سيرة، المرحوم بعفو الله، العلامة الرحالي الفاروق، ومن خلالها سنتعرف،من جهة،على كيفية استجماع العلماء لشرط الفتوى والاجتهاد، ومن جهة ثانية سنرد على بعض من سلطت عليهم الأضواء فنصبوا لاستخلافهم ومحاكاتهم، فتكلموا في سلفهم وسلقوهم بألسنة حداد، تارة بوقاحة التصريح وأخرى بالتعريض. نعم لقد أخذ على المغاربة قديما إهمالهم التعريف بأعلامهم، حتى إذا ما قدر لهم تخطي هذا العائق فترجموا لأنفسهم أو ترجموهم، جاء ظلم ذوي القربى، وخاصة ممن تحملوا عنهم أو سمعوا بهم، فانتقدوهم وبخسوا أعمالهم وخططهم وتسييرهم، حتى لقد أضحى هذا النوع من السفاهة وقلة الذوق ظاهرة، فلا يتخذ اللاحق السابق سلفا وسندا، بل لا يذكره إلا لينقلب عليه تجريحا واستخفافا. فأين التقاليد والأعراف العلمية؟ فهذا مظهر من مظاهر الإجهاز على القيم. لقد عالج الباحث المغربي، حسن أوريد، قضية تراجع القيم بصفة عامة، في كتابه مرآة الغرب المنكسرة، درسها من خلال سوق المال والأعمال فميز بين لحظتين عالميتن، ما قبل العولمة التي تميزت نسبيا بوقوف رأس المال وآليات تراكمه و تدفقه، عند حدوده، فلم يتجرأ على اقتحام عالم القيم الدينية أو الوطنية أو الإنسانية بصفة عامة.أما اللحظة الثانية، لحظة هيمنة القطب الوحيد ومن ورائه عولمته ببعدها الوحيد المادي النفعي، فقد امتد أخطبوط امتلاك المال إلى حظيرة القيم فتلعب بها كيف شاء، وتذرع بالإعلام المسموع والمرئي، واتخذ من آليات إنتاج الصورة سلاحا يقذف به البشرية بملايير الصور الصانعة للرأي، والرافعة لكل ما يخدم توجها معينا والخافضة لكل ما عداه. فالتضخيم والتفخيم الإعلامي يصغر العظيم، ويعظم الصغير، يجعل المجرم عظيما ومن الجبان بطلا، يسلط الأضواء على من هو في العلم صفر ويحيل العالم النحرير إلى الظل.  إننا كلما تراجعنا إلى ما رواء عالمنا المعولم المشيء للإنسان، إلا استوقفنا، غالبا، حضور القيم ومراعاتها واتهام كل من استخف بها، وعلى رأس هذه القيم قيمة العلم الذي يتأبى، لدى الخلصاء الأخصاء، عن تدجين المادة له. اضطررنا للحديث عن القيم وتراجعها، والجرأة على انتحال صفة العلم والافتاء حتى نميز بين ما نحن فيه من الترامي وما كان عليه الأمر سابقا.
فتأسيسا على ما قررناه، فقد كان الطالب سابقا، ونعتبره مشروع عالم، يشق طريقه آملا أن يخرج من درك الجهل إلى يفاع الذين أوتوا العلم، ولا يتم له ذلك كما يقول ابن خلدون إلا بإخلاص النية والارتحال، فمن لم يرتحل لا يوثق بعلمه .
وبمفهوم الرحلة والارتحال يوحي اسم صاحبنا الرحالي1 بن رحال الذي ستكون أولية بناء مجده العلمي2 في قبيلته، حيث حذق كتاب الله برواية ورش، ثم أتبعها بالقراءات السبع جريا على العادة المتبعة لدى السراغنة. وفي أواخر عام 1238هـ/1919م عكف على حفظ المتون اللغوية؛ الأجرومية،الألفية، منظومة المجرادي والزواوي. والمتون الشرعية؛ كرسالة ابن أبي زيد القيرواني، والتحفة وعبادات المختصر الخليلي. وفي سنة 1341هـ/1922 ارتحل إلى مراكش ليدرس على جلة شيوخ جامعة ابن يوسف، تحمل عنهم في العلوم الشرعية؛ صحيح الإمام البخاري، والموطأ والأربعين النووية، وورقات إمام الحرمين، وجمع الجوامع، والتدرج في قراءة الشيخ خليل: بجواهر الإكليل ، فشرح الدردير بحاشية الدسوقي، فمنحة الجليل للخرشي، فشرح الزرقاني والحطاب. كما درس كتاب المنهج للزقاق، وفرائض المختصر الخليلي، والمنهج للزقاق، وكتاب الفائق في الوثائق، والتحفة بميارة، وحاشية أبي علي بن رحال المعداني. أما علوم الأدب واللغة فقد درس، الألفية بشروحها، ومفتاح الأقفال في تصريف الأفعال، واستعارة الشيخ الطيب بن كيران...إلخ.
ثم نزح إلى فاس ليدرس على رموز العلم بها، وتحمل عنهم ما شاء الله من المعارف العالية السائدة في ذلك العصر، مابين شرعية ولغوية وأدبية، دون أن ننسى ذلك المحيط وما يعج به من أفكار وطنية ودفاع عن قيم العروبة والإسلام التي يسعى المستعمر إلى إبادتها حثيثا. وبعد ذلك عاد إلى قبيلته محملا علما وحسا وطنيا، فأنشأ مدرسة من حر ماله وأخذ يدرس أبناءها ويعظ عامتها وفي هذه الفعالية التربوية تداخل بين العلمي والوطني.
وبعد وفاة والده سنة 1931 انتقل إلى التعليم بمدينة مراكش، وطبيعي أن تكون البداية بالمساجد الصغرى أو الجامعة في الأحياء الشعبية؛ روض الزيتون القديم، القنارية، ضباشي. ولما ذاع صيته واشتهر ذكره، انتدب للتدريس في جامعة ابن يوسف التي ابتدأ بها النظام عام 1357هـ/1938- 1939، وظل في مهمته هذه إلى أن أوقف عنها؛ نظرا لأفكاره الوطنية وذلك عام 1372هـ/1953م، حين أبعد الملك الشرعي محمد الخامس عن عرشه، حيث امتنع عن توقيع بيعة ابن عرفة قائلا: " الدين يمنعنا والإسلام لا يسمح لنا"وكان ثاني اثنين من علماء مراكش، أصدروا فتوى ضد عملاء الاستعمار، ونشرت في صحافة الوحدة المغربية بطنجة، كما استقال من إمامة مسجد بريمة؛ لأنه رفض الدعاء لصنيعة المستعمر ابن عرفة، وجأر بخروج الكلاوي وأتباعه عن حكم الشريعة في تنصيب إمام غير شرعي. وهكذا ابتلي جسديا بطغيان الكلاوي وجلاوزته3 وبقطع رزقه بالتشطيب عليه من الوظيفة.
وبعد عودة الملك الشرعي محمد الخامس إلى عرشه عين رئيسا لجامعة ابن يوسف سنة 1375هـ/1956م. ومن ثم ذاع صيته في المغرب بأسره، وفرض نفسه على الصعيدين الوطني والإسلامي.وعندما حل موعد تدشين أكاديمية المملكة المغربية اختير من بين الأعضاء الأوائل للأكاديمية.وبعد وفاته، حل محله، في أكاديمية المملكة، من كان يدعوه الفقيد، بالمثقف والشاب الأديب، إنه الأستاذ عبد الله العروي، واتباعا لأعراف الأكاديميات، فقد عرف العضو الجديد بسلفه، وأنشأ في حقه كلمة قيمة جمعت أطراف المجد العلمي للرجل ومواقفه.                                                            
محمد الطوگي / كلية آداب مراكش


معرض صور