المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

منظومتنا التعليمية وثغرة العلوم النظرية

السبت 14 سبتمبر 2013

منظومتنا التعليمية وثغرة العلوم النظرية
 
منذ سنوات،ألفنا مع مسؤولي قطاع التعليم في المغرب،على شتم الجامعة، لأنها لم تعد تخرج من جوفها،سوى جحافل الجهلة الأميين،غير العارفين بمتطلبات السوق،وانتظارات اقتصاد البلد ! في المقابل،وعلى امتداد كل هاته العقود، التي تعاظم معها وهن وسقم الجامعة المغربية،لم يبادر أصحاب الشتيمة، إلى تقديم بديل متميز، وتفعيل شيئ جاد ونوعي، ينتشل الجامعة وخريجيها من ضيقهم وضنكهم.لأن الجامعة،مجرد تسمية لغوية،لا أقل ولا أكثر،أما الرهان الفعلي فهو البشر.
هكذا،تواتر الحديث وجرى على الألسن،واشتد عوده، فاكتسى عقيدة راسخة، وقفنا معها عند النتائج دون تحريك لزناد العقل،كي نفكك ومن تمة استيعاب طبيعة المنطلقات، فبدا وكأن التأويل لالبس فيه، لدى من يسارعون إلى التغافل لأسباب نفعية، انتهازية،عن الأسباب الجوهرية كي يصدحوا، بأن جامعتنا خصوصا وتعليمنا عموما،اتسما بخوائهما ولا مردوديتهما المادية المباشرة،لأنهما لم يتكلما لغة السوق ! وبالعربية العاربة،وهو الجانب المسكوت عنه، تعليمنا مهرطق، بدون صدى يذكر،لأنه لازال هناك وجود لكليات الآداب حيث متعلمون واهمون، يأملون ونحن في القرن الواحد والعشرين !كي يدرسوا علوما محض نظرية،لارابط بينها والسوق،على شاكلة الفلسفة واللغة والتاريخ والقانون (لاسيما المعرب،أما المفرنس فمسموح به) إلى آخر مايدخل في جنس هذه الحقول.
إذن، يجزم الرسميون،أن منبع الاختلال في علاقة مترهلة بين الجامعة ومحيطها، يتجلى في تراكم أفواج قضت ردحا من الزمان،كي تحشوجماجمها، بمعارف لافائدة ترجى منها ! ما العمل؟على ضوء، هذا الفهم  :توقفك عن هكذا سعي، وتدبر حرفة يومية تكسبك معاشا.توق نجاة،أعلنت عنه الدولة غير مامرة، لأنها بصراحة لاتريد أدمغة تفكر،بل فقط أشخاص يهرولون صباحا ومساء،وراء تلبية حاجياتهم البيولوجية.
هكذا،استمر التحريض ضد النظرية أي العقل والفكر، بطريقة يطغى عليها الابتذال، تحوي بين طياتها تلاعبا مصيريا،غير مضمونة عواقبه،يسكت إلى الأبد القلب النابض، للمجتمع المغربي في وجوده  وتعدد مكوناته.
سأحاول،الإدلاء بملاحظاتي الشخصية حول هذا الموضوع،الذي أضاع كليا روافده السوسيوثقافية،لصالح ثانية،ديماغوجية تنخرها حسابات ظرفية،على حساب رؤية مجتمعة متكاملة الأبعاد.
أولا-صار دهس العلوم النظرية بالأرجل،تحت مبرر مصالحة الجامعة بالمجتمع، مسلكا سهلا  لفريق أيديولوجي دعائي، يستغل كل مناسبة وغيرها، كي يوجه الرأي العام بشتى الطرق والصيغ، نحو كلام عام لاغير،وشعارات فضفاضة هدفها تبرير وتنميق مايجري، داخل المنظومة القائمة :الجامعة بيت الداء، مادامت ابنا عاقا، حيال المقتضيات الاقتصادوية "الخبزية"،وهي تستمر في الاحتفاء غير المجدي بعلوم نظرية جوفاء !الحل بحسبهم، جامعة بلا جامعة ،في انتظار مجتمع بلا جامعة، حيث وحدها مثيرات السوق والبيزنس،تحدد مسارات الإنسان.مع أنه،حتى في أمريكا واليابان،سيبدو من الجنون تصور جامعة بغير مختبرات العلوم النظرية،لأنها الأرضية الصلبة التي ينهض عليها المجتمع.النكتة،التي تحضرني، في هذا السياق تتعلق بالتناقض الصارخ، لموقف جل الأسماء التي تحظى باعتبارية ما،داخل النسق،وتبتغي إقناعنا بأن مصدر إخفاقنا وتخلفنا،يعود بالدرجة الأولى إلى بقاء أقسام للعلوم النظرية. الخلطة السحرية،جامعة ترضي نزوعات السوق.جيد،أتفق بالمطلق مع حتمية تجاوزالجامعة لشكلها الحالي،لكني أختلف إلى أبعد حد،في كيفية التقييم لا سيما نوعية مقاربة العلوم النظرية.
أقول،الدعابة التي تراودني بهذا الخصوص،تكشف على أن المنفّرين من الجامعة المغربية وعلومها النظرية،استمدوا أساسا مشروعية وجودهم من تلك الجامعة وهاته العلوم.فليس منهم،على سبيل الذكر،من تخصص في فيزياء مابعد أينشتاين أو هندسة الجينات الوراثية،وكتب مقالات رفيعة جدا في أرقى الدوريات العلمية العالمية،أو ينتمي إلى أفضل نخب أكسفورد وكامبريدج.أيضا،معظمهم تقف حدود معرفته باللغات الأجنبية عند الفرنسية.مع هذا،يستمرون في الاستفادة من مواقع اقتصادية ورمزية،بناء على التسمية التي منحتهم إياها العلوم النظرية. فلو كانوا،منسجمين مع قناعاتهم، وتعميما منهم عمليا لجامعة السوق، فعليهم بالأحرى "تدارك الخطأ" وتغيير مجرى حياتهم بالتحول نحو "علوم عملية" والمساهمة في "وقف النزيف"، بتكوين أجيال وفق الصيغة المطلوبة، تفعيلا للنقلة التي يريدونها من أجل إصلاح الأعطاب.
ثانيا-أن نتخيل جامعة بلا علوم نظرية، معناه كأننا نعبث سدى وراء موضعة جسد بلا روح أو روح بلا جسد، فهما صنوان لاينفصلان.بل الأفظع، كأننا نحاول لملمة أطراف هيكل بلا قلب.هل، يستقيم الأمر؟سيكون،بالتأكيد،جسما ميتا يتخذ شيئل فشيئا، مظهرا مرعبا.وفي كل بقاع الدنيا، لاسيما المنظومة الرائدة علميا، فلن تقف فقط على لوغوس جامعي يكتفي عمله بالمعادلات الرياضية والأحجام الهندسية،دون عطاءات العقل النظري.لكن،الفرق بيننا وبينهم، أن جامعاتهم أكثر بكثير،من كونها بناءات اسمنتية صماء،بل أوراش بحثية  لاتكل ، تتبنى نفس ميكانيزمات النظرية العلمية،حيث التطور والصيرورة اللانهائية ،عبر ثورات إبستمولوجية دائمة تمس المضمون كالشكل. بالتالي، تنحو العلوم النظرية،صوب كونها فيزياء مجتمعية تراكم لبنات قوانين خيال المجتمع، وتعمل على تنميته وتهذيبه.يجعلها،في جدلية تأسيسية مع نتاج العلوم الدقيقة.منظور،قد يحيل مثلا على ماحاولته كتابات  غاستون باشلار،التي غلفتها قاعدة تفيد أنه سيستعصي علينا تمثل هندسة القنبلة الذرية،بغير تمرين ذائقتنا الجمالية على الخيالات "الجانحة"لنصوص أدبية،كتلك التي نسجتها أنامل الرومانسيين أو السورياليين.فسر الإبداع واحد :الإيمان بالتجاوز والمنفلت واللانهائي.
ثالتا-لا تاريخية علومنا النظرية، مرده إلى الصيغة التي لقنت بها،انسجاما مع السياسة التعليمية المتبعة،غير الآبهة بالجامعة ككل، وتوخت ماأمكنها إخراجها من بؤرة التأمل المجتمعي. فالأساليب الارتجالية،في ظل غياب استراتجية شاملة،ألقى بالجامعة صوب المجهول، وحشرها بين أركان زاوية مظلمة، حتى دب الجمود القاتل بين أوصالها رويدا رويدا. ولأن العلوم النظرية، بمثابة بوصلة مجتمع كي يلاحق آفاقه بالأسئلة المفترضة،فقد تكلس هذا العقل وتحجر وتقولب بصيغة محنطة.لذلك،أدى انتفاء المنحى التاريخي، في صيرورة العلوم النظرية،بالجامعة المغربية وانتهى بها إلى تيار عتيق جدا،غير قادر بالمرة على تطوير ذاته،فما بالك  بفضائه و محيطه.تيار،لايعكس بأي وجه الأنتلجنسيا،غير حاضر علميا،لاينتج شيئا غير اللغط الفارغ، يستأسد فقط في خوض حروب صغرى تافهة، تسيئ إلى صورة الجامعة.
رابعا-مع ذلك، وافتراض أننا سلمنا بمعطى الإشكال، فهل درسنا حقا العلوم النظرية،كما ينبغي دراستها؟هل، أدركنا كنهها الحقيقي؟كي تغدو هاته العلوم، سياقا لولادة كائنات آدمية مواطنة.فكما يعلم القاصي قبل الداني،أن كليات الآداب في المغرب،حرمت مع سبق الإصرار والترصد،من غنى العلوم الإنسانية في نصوصها المدرسية الأولى،دون أن نشرئب بأعناقنا جهة تطوراتها العلمية المعاصرة.فأين نحن من المستويات الهائلة التي بلغتها اجتهادات العلوم النظرية في التاريخ واللغة والسوسيولوجية والسيكولوجية والأنتروبولوجيا والإتنوغرافية والإبستمولوجية والسياسة والدين والاقتصاد...؟
خامسا-أيضا،وافتراض أننا سلمنا ثانية،بمعطى الإشكال،فما هي درجات الحميمية الموصولة حاليا بين المختبر والسوق والتنمية؟هل تنمو المقاولة المغربية،من خلال ارتباطها المفصلي بالذكاء العملي لمدرجات كلية العلوم؟الجواب بالنفي،الدليل الأبرز من بين دلائل متعددة،أن أهم الفئات التي طعمت المحتشدين أمام البرلمان من أصحاب الشواهد،هم دكاترة في الرياضيات والفيزياء وماجاورهما.بالمناسبة،كنت أعرف واحدة منهم حاصلة على دكتوراه في الفيزياء، مكتفية اليوم بوظيفة روتينية في إحدى الجماعات المحلية.أنسمي هذا، هدرا أم اغتيالا أم انتحارا أم موتا بطيئا؟             
د.سعيـد بوخليـط
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
د.سعيـد بوخليـط

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل