ملف: أثرياء المغرب.. «اجمع الفلوس وسد فمك» ج١

الاربعاء 2 يوليوز 2014

على كورنيش مدينة ماربيا الساحرة، يتحلق الكثير من السياح الأجانب حول سيارة «فيراري» آخر صيحة، عندما يقترب بعض الشباب المغاربة من السيارة التي يلتقط الإسبان صورا إلى جانبها، يصرخ أحدهم إنها سيارة مسجلة بالمغرب.
 
 السيارة الفارهة، التي صنع منها عدد جد محدود حول العالم، مسجلة بمدينة الدار البيضاء وتحمل لوحتها أرقاما مغربية. تسأل عجوز أجنبية شابا مغربيا: هل يوجد في بلدكم أغنياء من هذا الحجم؟
 
في المغرب يوجد الكثير من الفقراء والقليل من الأغنياء، لكن إذا كانت قصة الفقر تعتبر معاشا يوميا بالنسبة إلى المغاربة، فإن قصة الثروة في المغرب جديرة بالمتابعة، ومن الإرث إلى التجارة إلى السياسة إلى الاجتهاد الفردي لأشخاص كافحوا الفقر، وصعدوا السلم درجة درجة، كانت هناك دائما قصة ما. كانت هناك أيضا أسرار واتفاقات.. كانت هناك طفرة وصعود صاروخي، وكان هناك تسلق بطيء. 
 
قصة الثروة في المغرب ليست حديثة ولا قديمة، لكنها كما جاءت من البحر والتجارة، جاءت من القصر والسياسة، وفي كل قصة ثراء كان هناك حظ أو قرب من السلطان، وفي مغرب يوجد أزيد من نصف مليون من المليونيرات، حسب المندوب السامي للتخطيط. هناك حكايات جد وكد وحفر في الصخر، الذي تحول إلى مبان وعقارات، وأسهم في البورصة. 
 
الحديث عن حكاية الثراء في المغرب اليوم له أكثر من مبرر، لم يعد المستثمر والغني يستطيع أن يعيش في منطقة الظل. هناك أثرياء يصنعون القرار في هذا البلد، وهناك أثرياء يجرون قسرا إلى السياسة، وهناك أثرياء مستعدون لمغادرة هذه البلاد خوفا على ما يملكون، وهناك أثرياء تمردوا فكان مصيرهم رسالة مرعبة للآخرين. في هذا الملف لن تطرح « اليوم24» السؤال حول هويات الأثرياء في المغرب بل عن كيفية تشكلهم، وعن مسارهم داخل مغرب العهد الجديد. لن نكتفي بالنظر إلى الطبقة المخملية من كوة النافذة، بل سنرصد أدوارهم الحقيقية والمفترضة في مغرب يوجد أكثر من ثلث سكانه تحت عتبة الفقر. 
 
مغرب الأثرياء.. اقتناص الفرص في دائرة السلطة
 
تاريخ المال، هو تاريخ التجارة، هو أيضا تاريخ اقتناص الفرص، وهو تاريخ مرتبط بالمدنية والتحضر، وكانت فاس عاصمة لكل شيء، من العلم إلى المال إلى حسن التدبير. اتخاذ السلطان فاس عاصمة له، ساهم في نجاح أهل المدينة في الوصول إلى سر الثراء. كانت فاس عاصمة برجوازية مغربية لم يكتب لها أن تكون على غرار باقي برجوازيات أوربا، لكن بعض معالم البرجوازية تركزت في المدينة، التي استمرت على ذلك النهج إلى يومنا هذا رغم نشوء منافسين لها في المال كما في المعرفة. 
 
في البدء كانت الثروة فاسية
 
مع الصدمة التي شكلها الاحتكاك الأول للنخب المغربية بالغرب الأوربي، أخذ الفرز الاقتصادي والاجتماعي داخل الدولة المخزنية يتبدى بوضوح، وبالرجوع إلى عدد من المصادر الاستشراقية التي تناولت المغرب قبيل الحماية، كانت صناعة النسيج المدخل الأساس لبداية تراكم الأرباح لدى عائلات فاسية بالخصوص، ارتبطت ارتباطا وثيقا بالبلاط من خلال علاقاتها بالسلطان، أو بسبب احتكاكها بتجربة اليهود الذين كانوا سباقين إلى ذلك منذ فجر العصر العلوي. الصحافي المختص في تاريخ الاقتصاد، دومينيك لوغارد، يرجع قصة الثروة في المغرب إلى القرن الـ16، حيث بدأت العائلات التجارية تكثر بشكل واسع في أواسط القرن السادس عشر، وقد كانت بدأت تستفيد من تنمية التجارة الدولية من وإلى المغرب لتحقيق الربح، وأبرز مثال عن هؤلاء تجار الجلود والسجاد بفاس، الذين قاموا بتصدير منتجاتهم إلى أوربا مقابل استيراد الأقمشة الإنجليزية والمنتجات الصناعية، بل كان البعض يذهب إلى مناطق بعيدة مثل الصين والهند وبلاد فارس، وظهرت فئة قليلة متخصصة في التجارة مع بعض البلدان الإفريقية. 
 
عندما اعتلى السلطان مولاي الحسن الأول العرش في عام 1873، اعتمد على عائلات شكلت حجر الزاوية في سياسة التحديث الاقتصادي التي أطلقها، وعين في منصب وزير المالية أمين الدباغين بنيس، ثم فيما بعد عين محمد التازي وزيرا لماليته. وكان يحيط نفسه برجالات كبار من المحيط التجاري بفاس، كبنشقرون وبناني وبنسليمان، وبعض الأسر اليهودية التي أسلمت. 
 
 حالة الثراء التي بدأ المجتمع المغربي يتعرف عليها تحكمت فيها منذ البداية المصالح بين الحكام والمحكومين المستفيدين بالضرورة، كما يذهب إلى ذلك المفكر المغربي نور الدين أفاية، الذي قال: «لعل مراكمة الثروة من طرف عائلات بعينها هو نتاج الارتباطات المتنوعة التي نسجتها مع الدول الأجنبية. وأغلبها كانت عائلات «مدينية»، علما أن المغرب كان مجتمعا قرويا يعيش على الكفاف والتدبير الصعب لشروط العيش. وهكذا يمكن القول بأن «الغنى» كظاهرة اجتماعية ليس له تاريخ طويل بقدر ما أفرزته المصالح المتبادلة بين بعض العائلات المغربية اليهودية والمسلمة والبلدان الأوربية بالدرجة الأولى». 
 
 في تحليل كان الباحث الاقتصادي الراحل إدريس بنعلي قدمه حول تشكل نخبة الأثرياء بالمغرب، يعتبر أنه باستثناء بعض الحالات النادرة فإن المال في المغرب يبقى بيد سلالات أندلسية أو يهودية منذ انفتاح أبواب الحكم أمامها، ولم يغادرها في أي محطة من تاريخ المخزن. «آل بنسليمان، بنشقرون، وبناني عُيّنوا وزراء أو تحملوا مسؤوليات في استغلال القطاعات العقارية، وتدبير خزينة الدولة. آخرون، أمثال الشرايبي، بنكيران، جسوس، وبرادة احتلوا مناصب مهمة، خاصة في ميادين التجارة، المالية، الدبلوماسية، وإدارة الضرائب». 
 
لكن استئثار هذه النخب بالمعاملات التجارية مع ما تدره من أرباح لم يعمر طويلا، إذ مع دخول الحماية الفرنسية للمغرب، قامت الإدارة الكولونيالية بتجفيف منابع الاستفادة التجارية لهذه العائلات، فكانت فرنسا تعمد إلى تفضيل كل المعمرين على التجار التاريخيين للمغرب، فأصبحت مصالح هذه العائلات مهددة، وهو ما جعلها تتوجه نحو العمل الوطني. كان حزب الاستقلال إذن في مطلع تشكله حزبا لما يمكن تسميته «برجوازية وطنية» عملت على استرجاع المناطق التجارية والربحية التي استحوذ عليها المستعمر. وهذا ما ذهب إليه جون واتربوري في كتابه: «أمير المؤمنين.. الملكية والنخبة السياسية المغربية»، حيث يقول: «لقد أدرك الرأسماليون المغاربة أنهم سيبعدون لا محالة عن السوق المالية، لأن إمكانياتهم النقدية أقل بكثير من إمكانيات منافسيهم الفرنسيين. وكانت إدارة الحماية تلعب دورا أهم من ذلك، إذ عملت على منح التجار الفرنسيين جميع الامتيازات، وتعاقدت معهم على حساب المغاربة. لقد فهمت البورجوازية، آنذاك، أن خلاصها يكمن في تحطيم جهاز الحماية، وطرد المصالح الأجنبية». 
 
فئة أخرى من الأثرياء لم ترتبط بأي عامل من العوامل السابقة، حيث لعبت المجاعة في أربعينات القرن الماضي دورا مهما في بروز أثرياء جدد، كانت أهم مواردهم الانتفاع من الأزمة الخانقة، واستغلال المجاعة. يحكي عدد من المواطنين المغاربة الذين عاشوا تلك الفترة عن أعيان ووجهاء قاموا بشراء عقارات ومنازل وبساتين مقابل تقديم الطعام للناس الجوعى. يحكي عبد اللطيف فنيد، باحث في تاريخ المنطقة الشمالية، لـ«أخبار اليوم»، عن تلك الفترة قائلا: «وصل ثمن الدار إلى قفة من القمح»! 
 
من سوس العالمة  إلى سوس التاجرة
 
لا يكاد يخلو شارع أو زقاق في مختلف مدن المغرب من دكان أو متجر يملكه شخص ينحدر من سوس، إنهم رواد التجارة صغرى والمتوسطة، الذين اكتشفوا، بخبرتهم وصبرهم، أن السماء يمكن أن تمطر ذهبا في المغرب، ومنذ منتصف حقبة الحماية كان السوسيون يحولون لقب سوس العالمة إلى لقب جديد: سوس التاجرة، التي ستتحول إلى سوس الغنية، وحدث أن وافق تحضير هذا الملف فترة عطلة سواسة السنوية، إنها فترة عيد الأضحى، التي تحولت عبر التاريخ من فترة جلب الأرباح، التي يراكمها التاجر طول السنة من مدن شمال المغرب، إلى فترة عقد الصفقات الداخلية، والمقصود بهذا المفهوم صفقات لا تتم إلا بين السوسي وابن قبيلته. في تفراوت خلال هذه الفترة بالضبط تقام مهرجانات حقيقية للسوسيين المقيمين بمدن الدار البيضاء وطنجة وفاس والرباط، يتباهون بمكاسبهم، ويطلعون على جديد الأسواق، ويبنون الفيلات في أعالي الجبال، ويقودون سيارات فارهة، ويبالغون في الإنفاق تكذيبا لمقولة «السوسي البخيل». 
 
تجمع دراسات ميدانية قام بها طلبة شعبة الاقتصاد بجامعة القاضي عياض بمراكش على أن البدايات الأولى للنشاط التجاري القادم من الأطلس الصغير، كانت إبان الاستعمار الفرنسي، الذي عرف في الجنوب مقاومة كبرى من طرف سواسة، لكن في الشمال كان هناك تعامل تجاري بين السوسيين والاستعمار، حيث أقام السوسيون الأوائل، دكاكينهم، بالشوارع الكبرى، وبالأحياء الفقيرة، ولم يفرقوا بين زبون وغيره، لكن أكبر المستفيدين فيما بعد، أي في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، كانوا أولئك الذين أقاموا متاجرهم بالقرب من الأحياء التي يقطن بها المعمرون، حيث وسعوا من مجالات أنشطتهم، فتحول التاجر السوسي إلى تاجر بالجملة، ومنهم من اقتحم بعض الصناعات الغذائية، إلى أن جاءت لحظة الحسم في منتصف الخمسينيات، أي بعيد الاستقلال، حيث قام أغلب التجار والملاكين الفرنسيين والإسبان واليهود ببيع ممتلكاتهم، ولم يكن المشترون غير السوسيين، الذين حالفهم الحظ وتخوفات المستثمرين/المعمرين من انتقام المواطنين المغاربة، فقاموا بالتفاوض معهم واقتنوا منهم أملاكهم بأثمنة بخسة أحيانا. 
 
المال وحده لم يكن يكفي، إذ أصبح التنافس مع النخب الفاسية هما كبيرا لدى سواسة، الذين توجهوا إلى الاستثمار في المعرفة لحماية المال، فتوجه السوسيون إلى الدراسة في الخارج والمدارس الكبرى والمعاهد العليا، فضلا عن جانب نفسي شكل حافزا لذلك، هو تغيير النظرة الاستصغارية التي ينظر بها الآخر إليهم، كجامعي أموال ومكتنزين. 
 
قصة السوسيين والثروة، على الرغم من قصر مدتها الزمنية، قصة نجاح مدهشة، وقد علق على ذلك محمد جامع، أستاذ التاريخ بجامعة القاضي عياض بمراكش في حوار صحافي سابق، حيث يقول: «في أقل من ثلاثة أرباع قرن، صار أبناء الدواوير السوسية البعيدة مدراء ومسيرين لثروات وشركات عائلية من الطراز الأول. لقد انتقلوا من دور التاجر الوسيط إلى دور المنتج والمستورد والموزع. وبفضل قدراتهم على التكيف، أصبح أبناء تجار التقسيط القدامى، اليوم، عمداء لمدن كبرى، ووزراء في قطاعات حيوية وسفراء». 
 
اليوم هناك عدد كبير من الأثرياء ذوي الأصل السوسي، متنفذون في المجالات الحيوية الكبرى للبلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. لم يعد الصراع بين الفاسيين والسوسيين صراعا حضاريا فقط بل تجاوزه إلى الصراع حول مواقع النفوذ. 
 
 
محمد أحمد عدة / نشر في أخبار اليوم


معرض صور