المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

ملامح الثقافة العربية المعاصرة

الاحد 12 يناير 2014

 
 
الحقيقة أنني أردت في هذه العجالة استعراض بعض ملامح الفكر العربي الذي نعيشه ويشكل عالمنا الذي نحيا به، وهو بهذا المعنى يصوغ مستقبلنا بشكل قد لا يروق للكثيرين منا، لذلك رأيت أن اتطرق لبعض تلك الخصائص لعل الحديث عنها يستدعي العمل للتحسين والتطور.
 
تقديس القوة:
إن واحدا من أوضح خصائص تفكيرنا هو تقديس القوة وتمجيدها ورفعها لأعلى المراتب أليس ‘السيف أصدق أنباء من الكتب…في حده الحد بين الجد واللعب’ وهذا الفكر قد تم إدخاله على الدين ليأخذ بعدا أعمق، فمن المذهل حقا أن الدين الذي جاء لإنقاذ الضعفاء والمظلومين وجعلهم ورثة الأرض قد تم تحويره وتجييره لصالح الظلم والاستبداد.
فتاريخيا اختار الفقهاء أن لا يقوموا على الحاكم المتغلب درءا للمفاسد واحتواء لما قد ينتج من اقتتال داخلي مدمر وبغض النظر عن تقييمنا لهذا الاجتهاد فإن المشكلة ليست في صواب أو خطأ ذلك الاجتهاد ضمن ظروف تاريخية محددة ولكن المشكلة هي تحول ذلك الاجتهاد لمدرسة فكرية تمنح الشرعية للقوة وتباركها وتقف في وجه كل من يجرؤ على مخالفة المستفيدين منها وهم الظلمة المستبدون الذين استولوا على زمام الحكم عنوة وبالقوة ثم حصلوا على المباركة والشرعية من المؤسسة الدينية ممثلة بمعظم من يعتبر من العلماء أو الفقهاء هذا الاصطفاف مع القوة والسلطة يتناقض وبشكل مباشر مع رسالة الاسلام، حيث حذر دائما من الانسياق مع السلطة وجعل أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر! ولعلنا إذا نظرنا إلى سيرة الرسول محمد عليه السلام وجدنا أنه منع بدء أي مقاومة مسلحة في مكة رغم الاضطهاد الشديد الذي عانى منه وأصحابه وذلك لم يكن عبثا لأن هناك أمرين مهمين يجب تحقيقهما وهما أولا: ترسيخ البناء الفكري حيث تم التركيز على معنى التدين الحقيقي والأخلاق وموقع الإنسان والخالق، أما الأمر الثاني فهو أنه أتى بمشروع للبناء وليس للتدميرفلم يكن يريد أن يهدم ‘المعبد’ فوق رؤوس الجميع وتماشيا مع تلك النظرة فيمكننا أن نرى بوضوح أنه قلص استخدام القوة العسكرية للحدود الدنيا الضرورية وأنه لم يترك مناسبة للصلح أو العفو إلا وحاول تحقيقها.
إن القوة العسكرية ليست إلا حاصلا ونتيجة لقوة المجتمع العلمية والثقافية والإجتماعية والاقتصادية والتاريخ القديم والمعاصر يدعم ذلك حيث أن المغول كانوا قوة عسكرية اجتاحت العالم ولكنهم لم يستطيعوا الصمود أمام العمق الحضاري والثقافي الإسلامي فأصبحوا مسلمين واليوم فإننا نرى أكثر من أي وقت مضى كيف أن التفوق العلمي والإقتصادي والإجتماعي هي العوامل الحاسمة في أي مواجهة بين الأمم ولنا في الحرب الباردة عبرة.
إن أثر تقديس القوة ينعكس بشكل واضح على الاستراتيجية المتبعة في الثورة السورية فمن ناحية النظام فإن الحل لأي مشكلة أو شكوى من الشعب هو ما يتم ارساله من فوهة المدفع وإذا استعصى حل تلك المشكلة فذلك يعني أن فوهة المدفع لم تكن كبيرة بالشكل الكافي. أما من جهة المعارضة فإن التركيز كان ولا يزال لحد بعيد على الناحية العسكرية والتسليح ولم يتم اعتماد سياسة نفس طويل لتشكيل ‘مجتمع مقاوم’ بدلا من مجموعات مسلحة رغم النداءات المتكررة وهو ما خلق فراغا هرعت لسده داعش وغيرها.
هناك أيضا أثر غير متوقع لتقديس القوة وهو فقدان الثقة بالنفس عند عدم توفر السلاح والقوة العسكرية وهذا يتجسد في ردي فعل يبدوان مختلفين ولكنهما وجهان لعملة واحدة. فرد الفعل الأول هو الاستسلام و’الانبطاح’ الكامل والانصياع لأوامر القوي ونواهيه دون تردد أو تذمر. أما رد الفعل الآخر فهو محاولة الظهور بمظهر الممانع الصامد فيمتنع ‘المقاتل الشرس′ عن محاورة الأقوياء بحجة الإباء مضيعا فرصا قيمة لتفاهمات يمكنها أن تفيده وتفيد قضيته وحتى تكتمل المسرحية فإنه يزاود ويتهم كل من لا يسير مثله بالعمالة والخيانة، كما هذا النوع يرفض الاستفادة من تجارب الآخرين بدعوى الطهورية وتصبح حتى المسميات قضايا كبرى رغم أن في تاريخنا مثلا تجاوز الصحابة الذين بنوا حضارة كبرى مثل عمر رضي الله عنه مصطلحات قرآنية لتيسير ودفع الأمور للأمام وعلى كل ففي كلا الحالتين يتلون العالم بلون أحادي: أبيض أو أسود – خير مطلق أو شر مطلق- ولا يمكن لهذه الشخصيات رؤية الطيف الواسع بينهما.
 
المؤامرة الكبرى:
هناك الكثيرون ممن يؤمنون بأن الشرق والغرب والشمال والجنوب يصلون الليل بالنهار للتخطيط والتآمر لتدمير المسلمين واستعبادهم ويبشروننا بالويل والثبور والسوء العظيم الذي ينتظرنا لا بل يدعمون ذلك بأخبار الفتن التي ستقع في آخر الزمان مضيفين على ذلك هالة من القدسية والحتمية التي لا انفكاك منها ولا مهرب فنحن كريشة في مهب الريح تحملها حيث تشاء مما يخلق جوا من التشاؤم والإحباط والتقبل لما يمكن أن يحل بنا أو أن يفعل الآخرون بنا. وقد يحملهم على ذلك ظنهم أنهم يخدمون الأمة بتحذيرهم وتنبيههم لما سيحصل وطبعا هناك توقع من طرفهم أن الأمة مدينة لهم بالشكر والامتنان لأنهم قد حذروها وأنذروها بغض النظر عن أنهم لا يطرحون أية حلول عملية ! وكيف يكون للإنسان -أي انسان- خيار أمام القدر الغالب ؟ وغني عن القول أن أمثالنا لم يكونوا ليستفيدوا من تلك الحلول حتى إن تم طرحها لأنه بكل بساطة فكما يبدو لهم فإن هناك نوعان من البشر: نوع ‘مسير’ لا يملك من أمره شيئا وهو دائما ضحية لقوة ولخبث النوع الثاني الذي يظهر كأنه القدر نفسه حيث أنه يخطط وينفذ أعقد الخطط وأكثرها طموحا وهو ينجح بها جميعا ولا يبدو أنه تنطبق عليه قوانين الحياة وصعوباتها.
من البديهي أن لكل أنسان أعداء فمن السذاجة الاعتقاد أن الحياة خالية من المصاعب والمسلمون مثل غيرهم في ذلك لهم أعداء وهذا أمر ايجابي إذا نظرنا إليه بتمعن حيث أن وجود العدو يحفز الإنسان على العمل الدؤوب والحذر وهي صفات مهمة للنجاح، كما أننا يمكن أن نجد أرضية ومصالح مشتركة مع أغلب الناس، هذا من جهة، وإذا كنا نرى أن علينا واجب الدعوة فيجب علينا أن نتعايش مع الغير وأن يرغب الغير بالعيش معنا لكي يكون هناك تفاعل وتعامل واحتكاك فإن أكبر البلاد الإسلامية تحولت للإسلام عن طريق التعامل والتجارة واليوم نرى أن المسلمين هم من يرغب بالهجرة والعيش مع غيرهم فهل نتعلم من هذا؟ ‘إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد’.
د. نبيل الطرابيشي
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
د. نبيل الطرابيشي

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل