المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

مقاربة العمليات الارهابية 16 ماي من زاوية مبادئ حماية حقوق الانسان

الخميس 16 ماي 2013

مقاربة العمليات الارهابية 16 ماي من زاوية مبادئ حماية حقوق الانسان
إن العمليات الارهابية  16 ماي  التي عرفتها مدينة الدار البيضاء، والتي خلفت العديد من القتلى من جنسيات مختلفة  والعشرات من الجرحى والبعض منهم سيعيشون بعاهات مستديمة نتيجة فقدان أعضاءهم، تتوفر فيها أركان جريمة الارهاب المنظمة كشكل من أشكال الانتهاك الجسيم لمبادئ حقوق الانسان. فهذه العمليات الاجرامية التي استهدفت مدينة الدار البيضاء، هي جريمة إرهاب متكاملةالاركان وفق المعايير الدولية لحقوق الانسان مادامت ترمي إلى إرتكاب فعل القتل وسفك واراقة الدماء بهدف اشاعة الرعب والهلع وتخويف المجتمع وتحسيسهم بعدم الأمن والاطمئنان.
إن هذه العملية الإرهابية إستهدفت بشكل أساسي قتل الافراد والإعتداء على حقوق الإنسان الأساسية كالحق في الحياة والحق في السلامة الجسدية التي تشكل النواة الصلبة للحقوق الطبيعية اللصيقة بالكائن البشري، وهو ما يتأكد من خلال شهادة الطبيب المشرف على قسم المستعجلات بمستشفيات الدار البيضاء بوجود مسامير وشضايا في أجسام الضحايا والمصابين،  فالإنفجار كان قويا و مدويا وسمع في جميع الأماكن المجاورة لمطعم دار اسبانيا بالدار البيضاء، لدرجة أن الأطراف والأشلاء البشرية تناثرت خارج المطعم المذكور من هول الانفجار. ووجدت عناصر الشرطة العلمية صعوبات كثيرة من اجل تجميع الأطراف والأشلاء المتناثرة قصد تحديد هوية أصحابها. ومنفذو حرب الإرهاب لا يعبؤون أبدا بنوعية الضحايا ولا جنسياتهم ولا دياناتهم،  والغاية الأساسية من فعلهم الاجرامي هو ضرب أماكن رمزية مكتظة بالأفراد لخلق حالة من الخوف والترويع في النفوس وزعزعة الإستقرار الأمني والطمأنينة. 
فهذا العمل الإرهابي الإجرامي يتنافى مع مقتضيات المواثيق الدولية لحقوق الانسان مثل المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الانسان "لكل فرد الحق في الحياة  وسلامة شخصه"، و المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية "الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان،  ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفا". 
كما ضمنت الشريعة الإسلامية صيانة الحق في الحياة على أنه هبة من الله عز وجل، ووضعت منهجا يقوم على الشمولية والتكامل بين حق الحياة مع حقوق أخرى أساسية، كما أكد على ذلك رسول الله )كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه(.
وقد اعتبر القرآن الكريم في العديد من آياته الحياة حقا مقدسا للإنسان خلقها الله عز وجل مع بني آدم، حيث حرم قتل النفس بدون وجه حق، والذي يتساوى مع  قتل الناس جميعا، (من قتل نفسا بغير حق أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)، (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)، (ولا تقتلوا أنفسكم)، (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقكم وإياكم).
وارتفع القرآن الكريم بحق الإنسان في الحياة لدرجة أنه جعل من اقتل يتساوى مع الشرك بالله، حيث قال تعالى (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق).
وارتباطا بحق الإنسان في الحياة، فالقرآن الكريم أكد على قدسيتها بإقامة المساواة في التمتع بها، حيث حرم إجهاض الحياة كحق متأصل في الكائن البشري، وذلك باستعمال لفظ "النفس"، فالقرآن الكريم حرم قتل النفس والتي تشترك فيها جميع أشكال الناس على اختلاف أديانهم ولغاتهم وأجناسهم وألوانهم، وهو ما دفع الرسول (ص) بأمر جنود المسلمين بضرورة واحترام القيمة الإنسانية لأفراد الجيوش المعادية أثناء الحرب والامتثال للدعاء)اللهم نحن عبادك وهو عبادك(.
 
- قراءة في اهداف  التفجيرات الارهابية 16 ماي
إن الجريمة الإرهابية التي تعرضت لها عدة اماكن بالدار البيضاء تروم تحقيق أهداف محددة تندرج في إستراتيجية الرعب ، أولها قتل الافراد سواء مواطنين أو أجانب  بهدف إجهاض الحق في الحياة والإعتداء على النفس الإنسانية والسلامة الجسدية من أجل خلق حالة عدم الإستقرار وعدم القدرة على العيش في إطمئنان وزعزعة مقومات السلم الاجتماعي، وثانيا إلحاق الضرر بالإقتصاد المغربي على إعتبار أن تفجيرات الفنادق والمطاعم والاماكن العمومية سيؤثر سلبا على السياحة في المغرب، خصوصا وان القطاع السياحي يرتبط دائما بعامل إستقرار الوضع، لذلك فإختيار المكان مثل مطعم دار اسبانيا يحمل بين طياته رمزية الجريمة الارهابية خصوصا وان العديد من الأجانب  والزوار المغاربة يقصدونه كملتقى وفضاء ثقافي مشترك، وثالثا تسعى العملية الارهابية تعطيل المسار الديموقراطي الذي يعرفه المغرب من خلال فتح أوراش الإصلاح المؤسساتي والسياسي، ومحاولة التأثير على دينامية  النقاش حول السبل والصيغ القانونية والمؤسساتية القادرة على تحويل إشارات ومضامين البناء الديمقراطي ببلادنا نحو دولة الحق والمؤسسات، بواسطة وثيقة دستورية مكتوبة تتفاعل مع طموحات جميع المكونات السياسية والنقابية والحقوقية والشبابية للأمة المغربية.
ومن هذا المنطلق، فالجهات التي تقف وراء تخطيط وتدبير وتنفيذ هذا العمل الإرهابي الإجرامي في هذه الظرفية الهامة من تاريخ المغرب المعاصر، تتوفر على أجندة محددة  تستهدف عرقلة مسار البناء الديموقراطي الذي يسلكه المغرب من خلال إعادة بناء المؤسسات الوطنية وإطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين بعد العفو الملكي .
 
-  القضاء و التحقيق في العمليات الارهابية  16 ماي
إن السبيل الوحيد لإعمال سيادة القانون في معالجة الدولة المغربية للأحداث الإرهابية المفجعة التي عاشتها الدار البيضاء، يتجسد في سلطة القضاء التي تلعب دورا كبيرا في تطبيق سيادة القانون و توقيع الجزاء في إطار سياسة جنائية تحمي المصالح العليا للمجتمع، حيث أن آليات العدالة الجنائية تعتبر أهم عنصر في معادلة مناهضة الإرهاب وتحقيق نظام قانوني للعقوبة متوازن يضمن الانسجام بين الجريمة والضرر.
إن القضاء النزيه والمستقل يشكل قوام العدالة الجنائية الفعالة بتوظيف سيادة القانون لمحاربة جميع أشكال الإرهاب، و اعتقد أنها مناسبة للقضاء المغربي ليقوم بدوره الوظيفي في ضمان العدالة وشروط المحاكمة العادلة وتوقيع الجزاء للانخراط في دينامية مكونات الدولة لبناء المجتمع الحداثي والمواطنة. وستكون لا محالة أمام فرصة لتقييم دور القضاء الوطني في ضمان شروط المحاكمة العادلة للمتهمين المتابعين في العملية الإرهابية التي إستهدفت القتل العمد والإعتداء على حق الحياة والسلامة الجسدية والتخريب و العنف ونشر الخوف والفزع في الدار البيضاء.
ويمكن الرجوع إلى التشريع المغربي الذي يتضمن مقتضيات تشكل مرجعية أساسية لضمانات المحاكمة العادلة في قضايا الإرهاب ، فالمادة 45 من قانون المسطرة الجنائية  أعطت دورا فعالا للقضاء بمراقبة عمل الشرطة القضائية من خلال معاينة وكيل الملك للمعتقلين الموضوعين تحت الحراسة النظرية لرصد حالات التعرض للتعذيب أو المعادلة القاسية أو الحاطة من الكرامة والتأكد من شرعية الاعتقال ، كما ان المادتين 73 و74 يمنحان لوكيل الملك إجراء فحص طبي للمتهم أثناء الاستنطاق من طرف النيابة العامة للتحقيق في حالة تعرضه للتعذيب الجسدي أو النفسي إذا ما طلب دفاع المتهم ذلك أو عاين بنفسه آثارا للتعذيب، كما أن المادة 293 خولت القضاء سلطة تقديرية واسعة، بحيث يمكن للقاضي عدم الأخذ بالاعتراف المقدم من طرف المتهم إذا ما تبين له أنه انتزع منه بالعنف أو بواسطة الإكراه.
فقانون المسطرة الجنائية إعتبر قرينة البراءة هي الأصل في جميع الإجراءات وتم تعزيزها بمجموعة من الآليات والتدابير كالتنصيص على استثنائية الاعتقال الاحتياطي ووضع إجراءات الحراسة النظرية والاعتقال الاحتياطي تحت الرقابة الصارمة للسلطة القضائية وحق المتهم في إشعاره بالتهمة المنسوبة إليه، وإشعار عائلته بوضعه تحت الحراسة النظرية.
ومن جانب آخر، إن دخول قانون تجريم التعذيب حيز النفاذ، يعتبر محطة بارزة في مجال مراقبة عمل الموظف العمومي أثناء مزاولة عمله، حيث يمكن للقضاء بمقتضى قانون تجريم التعذيب القيام بإدانة وعقوبة جميع الموظفين الذين يمارسون التعذيب أثناء استعمال السلطة اتجاه الأفراد وذلك تماشيا مع روح نص المادة الرابعة من اتفاقية مناهضة التعذيب التي تؤكد على أن جميع أعمال التعذيب يجب أن تعتبر جرائم تستحق العقاب بموجب التشريعات الجنائية الوطنية.
فالفصل 255-1 من قانون تجريم التعذيب، يعرف التعذيب وفقا لمقتضيات ديباجة اتفاقية مناهضة التعذيب على أنه كل إيذاء يسبب ألما أو عناء جسديا أو نفسيا يرتكبه عمدا موظف عمومي أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه، في حق شخص لتخويفه أو إرغامه أو إرغام شخص آخر مع الإدلاء بمعلومات أو بيانات أو اعتراف بهدف معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو شخص ثالث، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العناء لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أي كان نوعه، إلا أنه لا يعتبر تعذيبا الألم أو العناء الناتج أو المترتب أو الملازم لعقوبات قانونية.
د يوسف البحيري/ استاذ القانون الدولي
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
د يوسف البحيري/ استاذ القانون الدولي

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل