مقابر العائلات بمراكش•• : وجاهة الأحياء من وجاهة أمواتهم

الجمعة 25 يناير 2013

مقابر العائلات بمراكش•• : وجاهة الأحياء من وجاهة أمواتهم
 
في مراكش تغيرت أمور كثيرة .. تغيرت الحياة وتغير الناس و انقلب ترتيب الأشياء بكثير من الفضاضة، و توسعت المدينة وفاضت خارج أسوارها و استحالت البساتين قلاعا من الاسمنت
 
ليس منطق الحياة وحده الذي تغير، بل منطق الموت كذلك : طقوس الحزن المرافقة له و أشكال بنائه، فضاء و اقتصادياته
 
 في الماضي مثلا كان للموت جذر و سلالة و مساحة لترجمة الوجاهة الاجتماعية. كانت العائلات ذات الثقل الاقتصادي و النفوذ الاجتماعي تتحصن بوجاهتها حتى في الموت . مقابر العائلات كانت المجال الذي تصرف فيه هذه الأسر تميزها و ترسم فيه الحدود التي تحمي نفوذها
 
 منطق الحياة في صراع الوجاهة كمنطق الموت لا تساهل فيه، لا يصح أن يجاور رفاث رجل من ذوي الحظوة رفاث رجل من عامة الناس
 
 القبر ليس فقط مرقدا أخيرا، بل يشتغل كعلامة اجتماعية، كعنوان لثروة ورمز لنفوذ و انتماء لنسب مميز له قيمته • انه لايدل فقط على وجاهة الميت و إنما على قيمة الخلف
 
 قبور الموتى بهذا المنطق تهم الأحياء بعدهم ..والمقابر المفتوحة حيث يستوي العادي و البادي وتتراكم القبور فوق بعضها تصلح فقط لمن هم منذورون للنسيان و التلاشي، الذين كان من نصيبهم أن يكونوا نكرات
 أما الأسر النافذة فتحمل علامة تميزها في اسمها الذي عليه أن يدوم حتى في الموت و ذلك لا يتحقق إلا في مقابر العائلات
 
 بمراكش دائما كانت الأسر في الماضي ترسخ تاريخ نسبها في مدافنها الخاصة • فقبر الجد يجاور قبر الحفيد لا شيء يتبدد من ذاكرة السلالة، ليس كما يحدث مع مدافن العامة حيث القبور تبيد بعضها
 
 اليوم منطق آخر لم تصمد مقابر العائلات كثيرا أمام عنف الزمان و المجرى القاسي للتغيرات السريعة فتلاشت  و مع ذلك مازال ذوي الحظوة يبحثون عن مرقد متميز . ملجأهم في ذلك الأضرحة كضريح سيدي بالعباس و سيدي بن سليمان الجزولي و القاضي عياض
 
 و ما عدا ذلك فالوجاهة تضمن من خلال رفاه الشاهدة و التأنق في بناء القبر ،في مدينة بدأت المقابر فيها تندر  فالعشرات من مقابرها تحولت إلى حدائق أو إلى بنايات نذكر منها مقبرة سيد الكامل و مقبرة الحارة و مقبرة رياض لعروس و مقبرة لكزا
 
 كما ان أحياء بكاملها تضم عشرات الالاف من السكان بنيت حديثا تتوفر على كل شيء من المزابل المتراكمة فوق الارصفة الى الوحدات السرية لبيع الحشيش و الاقراص المهلوسة أمام المدارس الا المقابر ...
 
ربما يعود ذلك الى كون مراكش مدينة المتع لم تعد قادرة على استيعاب الموت  من يدري قد يأتي الوقت الذي سيصبح فيه الحصول على قبر بهذه المدينة أصعب من الحصول على قصر، من يدري ؟
 
 
عبد الصمد الكباص


معرض صور