المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

مفاتح الغيب للرازي : ١- دوافع الكتابة وحدود التاويل البلاغي

الخميس 21 فبراير 2013

" إن المصير إلى التأويل أمر لابد منه لكل عاقل. وعن هذا قال المتكلمون: لما ثبت بالدليل أنه سبحانه وتعالى منزه عن الجهة والجسمية وجب علينا أن نضع لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والأخبار محملا صحيحا لئلا يصير ذلك سببا للطعن فيها"
فخر الدين الرازي: أساس التقديس ص:71


مفاتح الغيب للرازي : ١- دوافع الكتابة وحدود التاويل البلاغي
 
مدخل: دوافع الكتابة وتجليات ثنائية الثقافي والسياسي
من هو الفخر الرازي1: هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن القرشي التيمي البكري الطبرستاني الأصل الرازي المولد. أشهر ألقابه التي عرف بها، الإمام فخر الدين الرازي وهو أكثرها شيوعا، وابن الخطيب، وفخر الدين الرازي، وشيخ الإسلام.
ولد بمدينة الري 544ه/1149م. وتوفي بمدينة هراة 606ه / 1209م. ابتدأ دراسته على يد والده العلامة ضيــاء الدين عمر الذي كان مدرسا بالري "ويخطــب في أوقات معــلومة"2، ينتمي والده إلى مذهب الأشعري في أصــــول الدين، ولـــه فيه كتاب "غاية المرام في علم الكلام"، أما في الفروع فهو آخذ بمذهب الإمام الشافعي. توفي والده سنة 559ه.وهكذا نرى أن الفخر الرازي قد ربي في بيت علم وأدب، ذي توجه أصولي أشعري سني وفي الفروع شافعي، بعد وفاة والده تلمذ للكمال السمعاني في الفقه، كما درس الأصول والفلسفة على يد مجد الدين الجيلي من كبار الحكماء، ثم انتقل معه إلى مراغة فدرس عليه أعمال الفارابي وابن سينا، بزمالة المتصوف الشهير السهروردي( ت 632).
عرفت الفترة السياسية التي تقلب فيها فخر الدين الرازي تداول الحكم بين إمارات مستقلة عن الخلافة العباسية، فمن تلك الدول: الدولة الخوارزمية والسلجوقية والغورية، وكان فيما بينها صراع مستديم على النفوذ، فلا يكاد يظهر تضعضع في جانب من جوانب أحدها حتى يبادر الأقوى إلى توسيع رقعته على حسابها. وإذا كان للمذهب السني هيمنة في تلك الدول، فإن المذهب الشيعي كان له الظهور في كل من مصر الفاطمية، وفي الشرق الأقصى مع البويهيين والحشاشين. وهو قابل لتسرب والتصدير إلى تلك البيئة متى سنحت الفرصـــة وتهيأت الظروف. نعم لقد ظفر هذا الشرق بالوحدة مع السلاجقة ( 429ه- 485ه ) الذين وقفوا في وجـــه الحملة الصليبـــية وتطلعات جانكزخان، وعملوا في عهد نظـــام الملك
( ت 485ه) على تمكين المذهب الأشعري. بيد أن مقتل نظام الملك سيزعزع الوضع ويعطي فرصة للدولة الخوارزمية للاستيلاء على ما كان بأيدي السلاجقة، ومن ثم ستختل المعادلة وسينفتح المجال إلى انتعاش الفرق والمذاهب3. فبحسـب ابن الأثير فإن سلاطـــين الدولتين الخوارزمــيــة والغوريــــة سيتعاطفـــون مع الشيعة والمعتزلة. فهذا غيــات الدين الغوري ( ت 599 ه ) الذي عاش في كنفه الإمام فخر الدين الرازي كان من الناحية الفقهية شافعي، ومع ذلك حتمت عليه الظروف ألا يجد حرجا في رعاية بقية علماء المذاهب الأخرى، ومن مقولاته: "التعصب في المذاهب من الملك قبيح"4.  
من خلال هذا العرض المقتضب للحالة السياسية والعقدية في عهد الرازي نخلص إلى أن تلك الفترة عرفت فورة في المذاهب والمعتقدات، وكانت موضوعا لسيل من المناظرات والمحاضرات التي كانت تعقد في المساجد والمدارس والقصور وبيوتات المتنورين. وفي نظرنا إذا أردنا  تقديم نموذج عاكس لثقافة هذا العصر فلن نجد أفضل من الإمام فخر الدين الرازي ، لقد اعتبره القدامى من مجددي المائة السادسة، فقد استوعب ثقافة هذه الفترة دراسة وتمثلا. فمن خلال التدريس والمناظرة والمدافعة تكونت لديه رؤية متينة للعالم متأصلة في مذهب أهل السنة والجماعة. لقد تعددت رحلاته شرقا حتى بلغت الهند، وهم بارتياد آفاق الغرب5 الإسلامي للقاء بن رشد، كما أثمرت تلك الرحلات أعمالا متعددة ونقاشات مفيدة مع جل الفرق الإسلامية التي زخر بها عصره، وأحكمها أصولا وفروعا في كتابه "اعتقادات فرق المسلمين والمشركين" وكما نفع بها علميا وانتفع، فقد خلقت له خصوما ألداء آذوه دنيويا، و أحس أن أذيتهم لن تقف عند ذلك الحد، بل ستطاله بعد الموت، فأوصى تلاميذه و أولاده بإخفاء قبره حتى لا ينبش، ويمثل الكرامية والحشوية بجثمانه.
وسنقف عند نص مناسب لما قدمنا يبوح فيه الرجل بلحظة من حياته العلمية ويعتبر نصا استراتيجيا في سيرته الذاتية. يقول:
" مذهب الفلاسفة، أن العالم قديم، وعلته مؤثرة بالإيجاب، وليست فاعلة بالاختيار، و أكثرهم ينكرون علم الله تعالى، وينكرون حشر الأجساد. وكان أعظمهم قدرا أرستطاليس وله كتب كثيرة، ولم ينقل تلك الكتب أحد أحسن مما نقله الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا الذي كان في زمن محمود بن سبكتكين، وجميع الفلاسفة يعتقدون في تلك الكتب اعتقادات عظيمة. وكنا نحن في بداية اشتغالنا بتحصيل علم الكلام، تشوقنا إلى معرفة كتبهم لنرد عليهم، فصرفنا شطرا صالحا من العمر في ذلك، حتى وفقنا الله تعالى في تصنيف كتب تتضمن الرد عليهم: ككتاب نهاية العقول، وكتاب المباحث المشرقية، وكتاب الملخص، وكتاب شرح الإشارات، وكتاب جوابات المسائل البخارية، وكتاب البيان والبرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان... وهذه الكتب بأسرها تتضمن شرح أصول الدين، وإبطال شبهات الفلاسفة وسائر المخالفين.
ومع هذا فإن الأعداء والحساد لا يزالون يطعنون فينا وفي ديننا ما بذلنا من الجد والاجتهاد في نصرة اعتقاد أهل السنة والجماعة. وقد علم العالمون أنه ليس مذهبي ولا مذهب أسلافي إلا مذهب أهل السنة والجماعة ولم تزل تلامذتي وتلامذة والدي في سائر أطراف العالم يدعون الخلق إلى الدين الحق والمذهب الحق، وقد ابطلوا جميع البدع.
وليس العجب من طعن هؤلاء الأضداد الحساد، بل العجب من الأصحاب والأحباب كيف قعدوا عن نصري والرد على أعدائي"6.
سنحلل هذا النص- السير ذاتي – انطلاقا من ثنائية البنوة والنسب  كما قدمها واستعملها إدوارد سعيد. "فالبنوة عنده تعني الانتماء في خصائص معينة للتراث الأدبي والفكري بداية، وهو انتماء حتمي مثل انتماء الأبناء إلى الآباء، فلابن لا يملك إلا أن ينتمي لأبويه، فهو ينحدر من نسلهما ويرث منهما صفات بيولوجية ونفسية معينة، شاء ذلك أم أبى.
لكن الإتباع أو الانتساب  عنده يقوم على الاختيار أي على القصد والعمد. والتعارض بين هذين الطرفين بنوة / انتساب ( تعارض ثنائي ) يفسر عنده الخطأ الذي وقعت فيه بعض الاتجاهات في النظرية الحديثة التي تزعم أن كل إنتاج أدبي ينتمي إلى ما سبق إنتاجه من أدب، وفقا لقانون الحتمية ( أي حتمية البنوة )، فكأنما لا يملك الأديب ذاتا تمكنه من إيجاد بداية جديدة لنفسه، و كأنما لا يمكن أن توجد بداية جديدة لأي شيء. فحتى لو كانت للبدايات جذور وأصول فيما سبق من كتابات و أقوال، فلاشك أن الكاتب أو الشاعر أو المفكر قادر على أن يعتبر هذا الجديد بداية من لون ما "7.    
فنص الرازي يقدم لنا فكرة عن اتجاه من الاتجاهات الفكرية والعقدية التي يعج بها عصره، وعن موقفه منها. فبين من أول وهلة أصول الفلاسفة التي يختلف معهم فيها، والتي كرس شطرا من حياته لفهمها وتصورها، وبعد ذلك يجد للرد عليها. ووجوه الخلاف معهم تتمثل في قولهم بقدم العالم، وحتمية العلة من غير خيار، ونكران حشر الأجساد، وعلم الله تعالى بالكليات لا بالجزئيات.
ناقشهم انطلاقا من الأصول الكلامية لأهل السنة والجماعة، وهاهنا يحتج بسنده، بمصطلح ادوارد سعيد، على بنوته في أهل السنة والجماعة بدءا من والده و سلسلة شيوخه، وفيهم أستاذه في علم الكلام والفلسفة مجد الدين الجيلي أحد أصحاب محمد بن يحي8، ويمكن مد هذه السلسلة التي هي لحمة علمية كلحمة النسب ورفعها إلى إمام الحرمين الذي كان الرازي يحفظ كتابة الشامل عن ظهر قلب، يقول: " وقد علم العالمون أنه ليس مذهبي ولا مذهب أسلافي إلا مذهب أهل السنة والجماعة" و أنه ملتزم به تدريسا وتخريجا للدعاة له " ولم تزل تلامذتي في سائر أطراف العالم يدعون الخلق إلى دين الحق ". ولغاية هذه الحيثية يمكننا أن نعتقد في اتباعية الرجل وتقليده و أن لا فضل له في هذا المضمار. لكن مقولة الانتساب لدى ادوارد سعيد تفطننا إلى مصداقية خصوصية الرجل وتجديده وتفتيقه لقضايا لم يسبق إليها، " فنراه عارض الأئمة المتقدمين كالأشعري وابن فورك والقاضي أبي بكر الباقلاني و إمام الحرمين في بعض ما كانوا يعتقدون "9. ثم إن الكتب التي سردها في النص في باب الردود على الفلاسفة كلها حاملة للجدة والطرافة.
يقول:" وقد اعترف الموافقون والمخالفون أنه لم يصنف أحد من المتقدمين والمتأخرين مثل هذه المصنفات "10.وله الحق في الاعتداد والاعتزاز بهذه الميزة. التي اعتبرها ابن خلدون منحــى جديدا في علم الكلام بحيث لم تعد تقتصــر على القضــايا التي خاض فيها متقدمو المتكلمين كأبي الحسن الأشعري والباقلاني وإمام الحرمين، بل توسع جلد علم الكلام ليشمل الرد على الفلاسفة " فيما خالفوا فيه من العقائد الإيمانية، وجعلوهم من خصوم العقائد لتناسب الكثير من مذاهب المبتدعة ومذاهبهم"11.
ذ. محمد الطوكي / كلية آداب مراكش
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
ذ. محمد الطوكي / كلية آداب مراكش

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل