المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

مغاربة العالم وأسئلة الهوية والمواطنة

السبت 22 ديسمبر 2012

مغاربة العالم وأسئلة الهوية والمواطنة
سواء عند روسو أو مونتسكيو أو فولتير، أو ديدرو، يبقى مسعى الفهم الفلسفي للموضوع مرتبطا أشد الارتباط بسيرورة التجربة الخاصة وبالأعمال المرتبطة بالمعيش، ومنها الرحلات، والاكتشافات واللقاءات مع الآخرين. ومنذ ذلك الحين، أصبح الموضوع جزء من تاريخ الأفكار المؤسسة لفكرة الأمة و الوطن، وموضوع يثير حوله تساؤلات خالدة، خاصة مع التطور الذي شهدته منظومة القيم الإنسانية. لكن، ورغم كل التراكمات التي اغتنى بها الموضوع في مراحل تاريخية من عمر الإنسان، استمر نعت "الأجنبي" ذلك الشخص غير المنتمي لـ "هنا"، والقادم من "هناك"، من بعيد أحيانا، وأن "هناك" فضاء أو مكان مجهول، و مخيف، يجب البحث عن كيفية فهمه والتعرف عليه قبل التفكير في التعايش مع المتحدرين منه.
ومع مرور الزمن، أصبحت كلمة "أجنبي" كلمة متعددة الأطراف، تقوم على التمييز بينها وبين "الوطني"  أو بين "الوطنيين" و"الأجانب"،  انطلاقا من تشريعات قانونية وتنظيم قوانين و قواعد دخول وخروج الأجانب أثناء حركات عبور الحدود الدولية المتعارف عليها في المنتظم الدولي والتي توجد تحت حماية القانون الدولي العام.
ورغم ما قطعته الإنسانية من مسافات تاريخية وحضارية لتغيير التعامل القديم اللإانساني مع "الأجنبي" منذ المجتمع الصيني القديم الذي كان يجعل الفرق بين الصيني والأجنبي  كالفرق بين الإنسان والحيوان، ومنذ زمن الامبرطورية الرومانية، مرورا بمرحلة الإقطاع، مازال "الأجنبي" سواء في لبوس المهاجر أو تحت مظلات تدفق اللاجئين الفارين من الحرب و قساوة الطبيعية أو من شدة القمع، يعاني النظرة الاحتقارية والاقصائية نفسها، رغم أن أغلب المجتمعات الكبرى اليوم مجتمعات ديمقراطية، مبنية على الانفتاح، الانفتاح على الآخر من أجل معاهدات اقتصادية وعلمية و ثقافية ودبلوماسية. كما أن المجتمعات الديمقراطية عبر التاريخ، كانت الأكثر استقطابا للأجانب، ومع ذلك يبقى سؤال "الأجنبي" يستأثر باهتمام العديد من الجماعات والإثنيات والمجتمعات والطبقات السياسية والأكاديمية والمثقفين وهيآت ومؤسسات المجتمع المدني، رغم  انتشار أفكار حقوق الإنسان مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة  1948 وما أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة من حظر إبادة الجنس البشري، وإقرار الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلخ. 
ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبحت صورة "الأجنبي" في العديد من البلدان الأوربية وغيرها تأخذ أبعادا إثنية و سياسية لتسوية خرائط جغرافية بالنسبة للبعض، وبالنسبة إلى البعض الآخر، خزانا وثروة كبيرة من اليد العاملة صالحة لإعادة البناء الاقتصادي و تعويض النقص الديمغرافي، فكانت الخمسينات والستينات من القرن الماضي محطات تاريخية أساسية من مراحل تغيير خصائص الاستقرار والاندماج والتعايش مع الأجانب الذين أصبحوا جزءا لا يتجزأ من أبناء الدول المستقبلة لهم. 
ورغم أن كلمة الأجانب تركت مع الزمن مكانتها لكلمة المهاجرين، ليتم فيما بعد ربط الموضوع بواقع الاستعمار وما نتج عنه من اختلال في ميزان القوى على المستوى العالمي، فالارتباط بالأصول ظل دائما موضوعا شائكا تعددت مقارباته بتعدد أسباب الهجرة والنزوح. 
وتعتبر آداب الهجرة أو المهاجر من الحقول المهمة التي كشفت، وما زالت، أغوار قساوة التجربة والخسارة الفادحة التي تمثلها هجرة أبناء البلد إلى مواطن أخرى، هروبا من الفقر و القمع، أو بحثا عن فضاءات أرحب للتعليم والعلم والتربية واكتساب المهارات.
واليوم أصبحت الهجرة ليست محورا من محاور الدراسة والبحث فقط، بل ميدانا علميا من بين ميادين علم الاجتماع، بعدما أصبحت وجه العالم المعاصر.
 والمغرب على غرار باقي الدول المغاربية، ومنذ أن أصبح رسميا بعد الاستعمار مباشرة امتدادا للسوق الفرنسية، قبل أن تتعمم الهجرة على باقي دول العالم بنسب متفاوتة، مازال مهاجروه يعيشونها كشكل من أشكال الخلاص الذاتي وصورة من صور الانفلات من القوى الضاغطة سياسية، اجتماعية، ثقافية، قومية، دينية،...(حسب تعبير عبد الرحمن منيف)، رغم مرور عقود من الزمن على الاستقرار في بلدان المهجر.
أدب الهجرة يتحدث بلغة حادة عن "ضحايا الهجرة والمنفى والاغتراب.." حين يعتبرها (الهجرة) انفصاما وفقدانا للجذور واقتلاعا واجتثاثا، ونحت بلغته مفاتيح جديدة للحديث عن الحنين للوطن والغربة والفراق والمعاناة وحلم العودة و الأسى...وربما آن الأوان اليوم للجهر بحقيقة ظل المسؤولون المغاربة في كل الحكومات المتعاقبة و في المؤسسات المشرفة على قضايا الهجرة يتهربون منها في كل المناسبات، وهي أن الجالية المغربية ليست جالية فاقدة للجذور.
فرغم التحولات الكبرى التي شهدها العالم، ما زال مغاربة العالم في ارتباط دائم ببلدهم. وواهم من يعتقد أن المهاجرين المغاربة ستأكلهم بلدان الهجرة: المغاربة ارتبطوا في فترات عصيبة بوطنهم ودافعوا عنه إبان الاستعمار، وناضلوا بالغالي والنفيس من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، حتى أصبحت لكل معركة جماهيرية مغربية، صداها في بلدان الهجرة (كما كان الشأن بالنسبة للاتحاد الوطني لطلبة المغرب)، وتكبدوا المعاناة والمنفى والحرمان والاغتراب، وما زال الكثير منهم من يتعافى من مخلفات تلك المرحلة، ومازالت المعركة مفتوحة كذلك على مطالب أخرى واختيارات جديدة، لابد من الانفتاح عليها خدمة لكل أبناء الوطن هنا وهناك.
إلى جانب تحمل الحكومة مسؤوليتها في تصحيح القوانين والمعاهدات بين المغرب ودول الهجرة، وحماية المغاربة من العنصرية والقوانين التعسفية ومساعدة آلاف المهاجرين الذين يعيشون أوضاعا مأساوية، وتوفير شروط العود والاستقرار للراغبين فيها، وفتح الباب لكل من يريد الاستثمار في بلده و تشجيعه وتبسيط المساطير المتعلقة بملفاته الادارية وتحسين التعامل معهم في مناطق العبور وفي الإدارات والمكاتب المتخصصة، بات لزاما تمتيع كل مغاربة العالم بمواطنتهم الكاملة من دون حيف ولا تمييز.
إن نضالات الجمعيات والهيآت الحقوقية في مختلف بلدان الهجرة، لن تهدأ ما دامت حكومة بنكيران ووزيرها في الهجرة لم يحركا ساكنا للرد على مطالبها كاملة، وما دامت هويتهم بدون مواطنة.
*أستاذ باحث بجامعة مولاي اسماعيل
المصطفى المريزق
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
المصطفى المريزق

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل