المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

مصر وإعادة إنتاج الإرهاب والكباب

السبت 19 يوليوز 2014

مصر وإعادة إنتاج الإرهاب والكباب
■ على الرغم من أن قضية التقشف المطروحة على الشعب المصري بوصفها نصيبه من الحكم الحالي تطرح بصور مختلفة، فإن الحديث الذي تمت الإشارة إليه مؤخرا حول التنبيه على شيوخ المساجد بعدم الدعاء على الظالمين، والفيديو الذي تم تداوله حول موقف مشابه في حضور رئيس الوزراء، جعلنا في مواجهة مشهد أكثر وضوحا من مشاهد فيلم «الإرهاب والكباب» الذي يعبر بدوره عن إشكالية المشهد بتناقضاته الحاضرة دائما في الواقع المصري. فالفيلم استحضر مشهد البطل ومجموعة من المواطنين الموجودين في مجمع التحرير، من أجل التعامل مع أزمات صغيرة الحجم كبيرة القيمة بالنسبة لهم، وعبر عن الجزء الآخر من الصورة، وهو السلطة، في صورة وزير الداخلية ومن معه وهم يتحدثون من موقعهم أعلى مسجد عمر مكرم في ميدان التحرير.. وعندما يقوم شيخ المسجد بالدعوة على الظالمين يطرح وزير الداخلية سؤاله على من حوله عما يقصده الشيخ بالظالمين، فيؤكد له من يصاحبه أنه يقصد الإرهابيين، ومع كلمات مترددة ووجه غير مقتنع يؤيد وزير الداخلية هذا التفسير، ويعتبر أن التشبيه محتمل ربما لأن التفسير الواقعي، خاصة في ظل وجه الشيخ وهو يتحدث، سيكون غير محتمل للوزير ولمن معه.
في داخل المجمع نجد أنفسنا في مواجهة عدد من المواطنين بمشاكل مختلفة، ولكنها ليست بضخامة عمل إرهابي، لدرجة تدفع البطل إلى سؤال الجموع (الجماهير في تلك الحالة)، بتقديم مطالبهم لعلها تمثل ثمنا ممكنا للجريمة التي سيتم إدانته بها. ومع ترديد مطالب صغيرة للغاية في مواجهة الحدث، تعبر بدورها عن حقيقة مطالب المواطن المصري الباحث عن الستر في معظم الأحيان، يتفق الجميع على الحاجة لوجبة غذاء مميزة، وبعد مشاورات يتم التوافق على الكباب مع ترديد المقولة الخالدة «في أوروبا والدول المتقدمة» في إشارة إلى أكل الطحينة مع الكباب أو أشياء مماثلة لتأكيد أن كل تلك الأشياء الصغرى أحيانا في المشهد الكبير تمثل أحلاما كبرى للبعض الذي يسمع عنها فقط وتتحول بالنسبة له إلى أساطير.
مع التوافق على الكباب بين الجماهير والإرهابي المفترض، تبدأ مرحلة تفاوض أخرى مع الحكومة ممثلة في وزير الداخلية، الذي يعبر في حديثه مع معاونيه عن رؤية النظام للمواطنين في بعض الأحيان. فهناك من يرى أن الاستجابة لمطالب الجماهير ستؤدي إلى رفع سقف المطالب، ولا يمكن تصور المطالب القادمة، ومن يرى أن الاستجابة بتقديم وجبة قيمة مثل الكباب سيؤدي إلى تضخم الإرهابيين، أو كما قال، ان تعجبهم الأوضاع وهم في الداخل ويظل الوزير ومن معه في معاناة الانتظار.
مع إصرار الجماهير وترك البطل ومن يسانده المجال لهم للحديث والدفاع عن رغبتهم في الكباب عبر فتح الأبواب والنوافذ ورفع الصوت بالطلب الموحد لهم والممثل في الكباب، لا يملك النظام إلا الاستجابة لتلك المطالب. لننتقل من صورة معاناة وحلم داخل مجمع التحرير إلى معاناة وحاجة لدى العساكر المكلفين بالتوجه إلى محلات الكباب لاستكمال الطلبات. تلك الحاجة المعبر عنها بصور رمزية ومادية في الفيلم مهمة للغاية، في فهم تعامل النظام مع الجماهير ومطالبها، أيا كانت اسماء تلك المطالب، بما فيها أحيانا الحديث عن المطالب الفئوية أو التقشف نفسه.
في الوقت الذي كانت الجماهير داخل المجمع والعساكر خارجه في انتظار الكباب القادم، أو حلم الكباب القادم كانت القضية للوزير ومن معه إنهاء الأزمة بأي ثمن وبأي طريقة، فمن مات ضحية وشهيد والقائم بالفعل مجرد مجنون.. بيان يصدر بشكل رسمي قبل أن يتم إنهاء المشكلة، فالإعلام والبيانات الرسمية تعمل أحيانا على طريقة جابرييل غارثيا ماركيز في رائعته «مئة عام من العزلة»، حيث لا قطار ولا جثث لأن الحكومة قالت هذا وعلى المواطن أن يصدق، فالمواطن لا يفترض أن يجادل أو يناقش خارج البيانات الرسمية والإعلام المؤيد والمبرر والمفسر له. واقع يمكن اسقاطه على صور مختلفة في مصر الثورة وما قبلها وما بعدها، فجزء كبير من الشعب في المجمع، وجزء آخر يتعامل معه على أنه ضغوط ومعاناة ومشاكل، لابد من التعامل معها بأقل الخسائر للنظام نفسه لحماية الصورة العامة التي يحافظ فيها البعض على امتيازاتهم.
لم يهتم البيان الرسمي بحقيقة الوضع داخل المجمع، وبحقيقة ما افترض أنه عملية إرهابية يمكن أن ترتب انتقام الإرهابي المفترض وقتله لأكبر عدد ممكن، ما دام النظام نفسه اقر مسبقا بوجود ضحايا وبأنه مجنون.. ولكن النهاية تأتي بشكل آخر مختلف، كما هو الواقع في بعض الأحيان، فالحل لم يكن بالاعتماد على نظام لم يهتم بحياة مواطنيه، وقلص أحلامهم وطلباتهم من الحياة، فلم تتجاوز لدى البعض علبة دواء أو قرارا بنقل الأبناء من مدرسة لأخرى.. النظام لم يظهر في الفيلم إلا في الاستجابة لمطلب الكباب مجبرا تحت ضغط أصوات الجماهير الغاضبة داخل المجمع، وخارج تلك اللحظة هو في بحث دائم على سبل لإنهاء الأزمة وليس انقاذ حياة. صورة أخرى تشبه انحناء النظام لعاصفة الثورة، وانحناء بعض الوجوه والأصوات أمام صوت الجماهير ودماء الشهداء للخروج في لحظة أخرى بقوة أكبر وصوت أكثر ارتفاعا ضد الثورة نفسها.. في النهاية التي اختارها الفيلم، يتكاتف الجميع على إنهاء الحدث بطريقتهم القائمة على اتحادهم في مشهد الخروج الجماعي من المجمع، ليترك فارغا بدون إرهابي ولتخسر الدولة وجبة كباب.
خرجت تلك الجموع ربما بدون ان تحقق أهدافها التي جاءت إلى المجمع من أجلها، وستعود لتستمع إلى حكايات عن بطولة النظام في التصدي للإرهابي أو المجنون، بالإضافة إلى بعض الأحاديث عن التقشف وحاجة الدولة له للتصدي لمثل هؤلاء المجانين.. ولكن ما بين دخول وخروج تلك الجماهير من المجمع أو من الحدث الذي استمر عدة ساعات، يمكن أن نكتشف أنها حققت الكثير، وما ابتسامة ماسح الأحذية الصعيدي الهارب من الثأر، أو الجندي الذي يعاني من سوء المعاملة ويرغب في العودة إلى قريته الصغيرة، وكلمة العدالة التي طالب بها بطل الفيلم فلم يفهم وزير الداخلية في الفيلم معناها.. إلا جزءا من تلك الحالة المختلفة التي أصبحت عليها المجموعة، وبدلا من كلمات الغضب والصراع في بداية الأحداث جاء مشهد التكاتف والسعادة والشعور بالانتصار في مشهد النهاية، ليعبر عن لحظة انتصار على النظام أو الضحك عليه، كما هي حالة السخرية الدائمة التي يمارسها المواطن المصري فتمكنه من التعايش والمشاركة حتى ان كانت مشاركة خلف ستار السخرية.
فجأة وبدلا من الحديث عن موسم التبرعات المتجدد، وجدت أن الإرهاب والكباب في معناه المباشر ممثلا في الفيلم ومعناه الرمزي ممثلا في الاختلاف بين الواقع والامنيات بين الجماهير والنظام، أقرب لما نشهده من الكثير من الكلمات، فالمواطن الحالم بعلبة دواء ووجبة طعام مختلفة يسمع خطاب التقشف ممن لا يعرف معنى التقشف أصلا، ولا يعبر في خطابه أو كيفية إلقاء الخطاب نفسه عن تلك الحالة. ومن حصل ويحصل على مميزات دولة الفساد والإفساد ذاتها يطالبه بالتضحية للإصلاح، أملا في مستقبل أفضل للأجيال القادمة.. كلمات حق لا يراد بها حق.. من عانى ولم يحصل على فرص تعليم وصحة، سيظل في مكانة لا تتساوى مع من حصل ويحصل على أفضل الفرص. والغد الذي يرسم بمعاناة أخرى لمن عانى بالأمس لن يكون غد له أو لابناء لن يستطيع أن يضمن لهم تعليما أفضل وحياة أكثر انسانية عما شهدها.. والابتسامة التي تقطع الحديث الطويل المغلف بالأرقام عن ضرورة التقشف والتضحية وتطالب المصريين بحفظ بعض الأرقام الكبيرة حول الأجور وفوائد الدين، لا تدرك حياة المصريين لا في مشهد مجمع التحرير في الفيلم ولا في الواقع، حيث يحفظون الكثير من الأرقام التي لا يمكن نسيانها بداية من قيمة الدخل المحدود، مرورا بالإيجار وتكلفة الحياة اليومية المتزايدة، والمواصلات المرتفعة، وغيرها الكثير من الخدمات التي لا تتوفر له، وان توفرت بتكلفة محدودة فهي غير فعالة، وان كانت فعالة فهي خارج قدرته المادية.
نقف في مواجهة الواقع ونطرح تساؤلات كثيرة حول ما يقال وكيف يفترض أن يتقبله المواطن المصري، وربما الأكثر أهمية هنا هل يفترض أن يقبل فعلا أن وضعية الهزيمة في 1967 والحرب التي تلتها حتى النصر في 1973 تتشابه فعلا مع الواقع الذي يعيشه الآن، رغم أن رئيس الدولة الذي قال بالتشابه أكد على اختلاف السياق والظروف المحيطة بالأحداث في الحالتين؟ وهل يفترض أن يتصور أن ما نرجو الوصول إليه هو نجاح على طريقة حرب أكتوبر، فإن كان نجاح أكتوبر يقاس باستعادة الأرض بدون ان يترجم هذا لإقامة مجتمع أفضل وحياة أكثر عدلا لجموع الشعب المصرب، فإن ما شهدته مصر خلال عقود طويلة بعد أكتوبر لا يفترض أن يكون معركة للمواطن المصري، الذي لم يحصل على حياة افضل بما يعني أن النظام يحاول تأسيس حالة المعاناة وليس حالة العدالة والمساواة.
يقف النظام في حالة يستخدم فيها خطابا غير مقنع لتأكيد انسانية إجراءات غير إنسانية، ويقف في مواجهة حاجته لتأسيس حرب كبرى على طريقة أكتوبر تبرر حالة المعاناة والصمود والمقاومة والممانعة، وكل العبارات التي تتم استعارتها من الصراعات العربية من أجل الأرض، التي نجحت أحيانا في استعادة الأرض ونجحت أحيانا أخرى في تأسيس الظلم والمعاناة والفساد والإفساد. ويقف المواطن - وفقا لخطاب الرئيس المفوض- في مواجهة نفسه لأنه بتفويضه وانتخابه دخل في عقد يقر فيه أنه قابل للتضحية في الحاضر لوعود غير واضحة في المستقبل، وأموال يفترض أن تدفع لصندوق خارج ميزانية الدولة وربما بالضرورة خارج رقابته لأنه لم يوقع في عقد الحكم على أن يكون له دور في المحاسبة، فهو مطلوب في أوقات معينة عندما يكون العدد ضرورة والشعبية غاية، ولكن في أحيان أخرى عليه ان يردد مع محمود درويش هل كل كائن يسمى مواطنا؟
المراكشية
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
المراكشية

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل