المراكشية : بوابة مراكش /
قضايا مراكش والمغرب بعيون محلية

مصداقية صاحب الفيلم الوثائقي..

السبت 21 يونيو 2014

المصداقية التي يتمتع بها الفيلم الوثائقي تكسبه نوعا من الخطورة لكونه يجعل المشاهد يثق في مضمونه و يقتنع به و يتأثر به و قد يخلف فيه أيضا ردود فعل إيجابية أو سلبية قوية، و قد تم الوعي منذ البداية بهذه الخطورة، إذ قامت على سبيل المثال بعض الأنطمة الشرقية الديكتاتورية خلال عشرينيات القرن الماضي بتوظيف الفيلم الوثائقي لمصالحها و لأغراضها السياسية من خلال الترويج لأفكارها و تمجيد أطروحاتها و قادتها.
كما تم توظيفه في عهد الحرب العالمية الثانية من طرف حكومة الولايات المتحدة الأمريكية ، إذ قامت ما بين 1942 و 1945 بإنجاز سبعة أفلام وثائقية تحت عنوان "لماذا نحارب ؟" كي تشرح لجيشها أسباب المشاركة في هذه الحرب، و كي تدعو مواطنيها لمساندة هذه المشاركة، من أشهرها فيلم "تمهيد للحرب" من إخراج فرانك كابرا الذي فاز في سنة 1942 بأوسكار أحسن فيلم وثائقي.
كما تحولت الأفلام الوثائقية ما بين 1960 و 1970 في أمريكا اللاتينية إلى سلاح سياسي ضد الرأسمالية و الإمبريالية و الاستعمار الجديد ، من بينها الفيلم الأرجنتيني "ساعة النيران" الذي أخرجه في سنة 1968 فرناندو إيسكييل سولاناس الذي تم تكريمه مؤخرا ببلادنا في الدورة الثالثة عشرة للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش.
استغلال المصداقية التي يتمتع بها الفيلم الوثائقي و توظيفها في الوصول إلى أغراض أخرى لتحقيق بعض المصالح أمر يبرز بجلاء أن مصداقيته ليست مطلقة و بريئة، و أنه يجب التعامل معها بحذر و يقظة ، و هو أمر يدفع إلى طرح سؤال الموضوعية و الذاتية في هذا الجنس السينمائي. الفيلم الوثائقي ينجز دائما حسب تصور صاحبه أو أصحابه ، و هو بذلك لا ينجو من ذاتية مخرجه أو من يموله، بطريقة ضمنية مدسوسة أو بطريقة مكشوفة واضحة مثل ما هو عليه الأمر في الأفلام الروائية، و لا يمكنه أن يدعي الموضوعية لأنه هو أيضا في نهاية الأمر بشكل أو بآخر عمل إبداعي و لو كان وثائقيا، و بذلك فإنه سيكون من السذاجة بل من الوهم الاعتقاد بأن الفيلم الوثائقي يعرض الحقائق بتجرد و موضوعية بدون أية خلفية معينة و بدون لمسة ذاتية من صاحبه أو أصحابه.
يصعب فعلا التجرد من الذاتية و تحقيق الموضوعية المطلقة في الفيلم الوثائقي ،فإذا ما قامت على سبيل المثال مجموعة من المخرجين بإنجاز أفلام وثائقية حول نفس الموضوع الواقعي، فإنها لن تكون طبعا متشابهة بشكلها و مضمونها و دلالاتها، لأن الأمر يتعلق بالمخرج أو بالمنتج ( صاحب الفيلم) و بالمتلقي أيضا، و هما معا ينتميان إلى بني البشر ، لهما طبعهما و ذوقهما و ثقافتهما و تكوينهما و أفكارهما و مواقفهما و مبادئهما و وجهة نظرهما.
صاحب الفيلم غالبا ما يتأثر بكل هذا في اختيار نوعية الموضوع و في طريقة تناوله و معالجته و إخراجه و تصويره و توضيبه و التعليق عليه ، و هو أمر يجعله يسقط حتما في الذاتية، و هو ما قد يجعل المتلقي لا يتفق معه في كل هذا و لو كان الموضوع واقعيا . يمكن للمتلقي أن لا يكون متفقا معه أيضا في أفكاره و قناعاته و ميولاته الاجتماعية أو السياسية حتى قبل إنجاز الفيلم، أوحتى قبل مشاهدته مثل ما حصل للفيلم الوثائقي الأمريكي "الحقيقة المزعجة" الذي أنتج سنة 2006 و قام بإخراجه دافيس كوغجنهايم و قام ببطولته آل غور نائب الرئيس الأمريكي السابق (كلينتون) الذي يقدم فيه محاضرة علمية حول موضوع الاحتباس الحراري و مسببات ارتفاع نسبة ثاني أوكسيد الكربون بالغطاء الجوي المحيط بالكرة الأرضية و مخلفاته السلبية على المناخ و البيئة و على الكائنات النباتية والحيوانية و البشرية.
خاض آل غور في هذا الفيلم معركة حول كارثة بيئية تهدد البشرية لتحسيس المشاهد تحذيره بكيفية بيداغوجية بالمخاطر الآنية و المستقبلية لهذه الظاهرة الناتجة عن تصرفات الإنسان و أنشطته الاستهلاكية و الصناعية الملوثة.
بالرغم من فوز هذا الفيلم خلال سنة 2007 بجائزة أوسكار كأحسن فيلم وثائقي و جائزة أوسكار أخرى عن أحسن أغنية وظفت فيه، و فوز آل غور أيضا خلال نفس السنة بجائزة نوبل للسلام مناصفة مع إحدى الهيآت التابعة للأمم المتحدة التي تعمل هي أيضا في مجالات البيئة و المناخ، و بالرغم من نبل الموضوع أهمية و من تمكن الفيلم من تحريك الأفراد و الجمعيات و المجتمعات و إيقاظ الضمائر للقيام باحتجاجات مناهضة للحكومات الأنانية التي تسيء إلى البيئة بسياستها الصناعية الملوثة من أجل مصلحتها الاقتصادية الخاصة و من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، بالرغم من كل هذا فقد خلف ردود فعل انتقادية و معارضة مختلفة داخل الولايات المتحدة الأمريكية و خارجها بدعوى قيامه بالدعاية السياسية لآل غور و لحزبه بعد فشله في الانتخابات الرئاسية ، و بدريعة أن آل غور يسيء هو نفسه بتصرفاته الشخصية إلى البيئة. يتضح من هذا المثال أن ردود الفعل الانتقادية التي خلفها هذا الفيلم كانت في معظمها موجهة لشخص آل غور بوصفه رجل سياسي ينتمي إلى حزب له سياسة معينة لا يتفق معها معارضون داخل الولايات المتحدة الأمريكية و في مختلف أنحاء العالم، و هو أمر أثر سلبا على مصداقية هذا الفيلم البيئي. المثال الثاني في هذا الشأن يتعلق بفيلم 
"HOME" الذي قام بإنجازه و إخراجه المصور الفرنسي "يان أرتوس بيرتران" الذي صوره بواسطة طائرة مروحية مرت فوق 54 بلد من بينهم المغرب، وتطلبت مدة إنجازه حوالي ثلاث سنوات من الأسفار و اللقاءات و ساهم في إنجازه أيضا المخرج الفرنسي المشهور "ليك بيسون" و قام بإنتاجه كليا رجل الأعمال الفرنسي فرانسوا هينري بينولت.
الفيلم تحسيسي مثل سابقه يجمع بين ما هو واقعي و كارثي بخلفية إنذارية لا تخلو من أمل في إمكانية إنقاذ الكرة الأرضية من الكارثة قبل فوات الأوان.
لم ينج هذا الفيلم من انتقادات تخص مضمونه، و لكنه لم ينج أيضا من انتقادات لاذعة صدرت عن عدة منابر إعلامية تخص شخص المخرج لكونه ساند بقوة تنظيم نهائيات كأس العالم لكرة القدم سنة 2022 بقطر ،و هو يعلم أكثر من غيره أن إنشاء ملاعب لكرة القدم مكيفة الهواء بهذا البلد يسيء إلى البيئة ، بل إن هذه المنابر اكتشفت أن السر الكامن في دعمه لقطر يتعلق بمساهمة مؤسسة قطر في تمويل هذا الفيلم، و هو أمر أثر سلبا على مصداقية المخرج و الفيلم معا. 
عمر بلخمار
حرر من طرف [المؤلف] في [التاريخ]
عمر بلخمار

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية


معرض صور



المراكشية على الفايسبوك

على التويتر

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

المراكشية في مواقع التواصل